18 September,2018

هل من رابط بين تجميد الهبتين السعوديتين لدعم الجيش وتأجيل الاستحقاق الرئاسي في انتظار تطوّرات حلب؟

Elizabeth-Richards2 كل المعطيات الرئاسية تشير الى أن الثاني من آذار/ مارس المقبل، لن يكون تاريخ انتخاب الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية، على رغم الجولات التي قام بها رئيس تيار <المستقبل> الرئيس سعد الحريري بُعيد مشاركته في الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، والدعوات المتكرّرة من مرجعيات رسمية وسياسية وديبلوماسية لإنجاز الاستحقاق الرئاسي، كان آخرها موقف سفراء الدول الأوروبية الذين اجتمعوا لهذه الغاية وأصدروا بياناً تضمن هذه الدعوة لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والمالية والأمنية التي يُقبل عليها لبنان سريعاً، بالتزامن مع التطورات الأمنية المتسارعة في الجوار اللبناني وخصوصاً في سوريا والعراق. صحيح أن الرئيس الحريري أبلغ من زارهم الأسبوع الماضي أنه باقٍ في بيروت لحضور الجلسة الانتخابية المقبلة التي دعا إليها الرئيس نبيه بري مع <جميع> نواب كتلته، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المشاركة الحريرية لا تعني بالضرورة حصول الانتخابات في ظل استمرار التجاذبات السياسية حول تأمين النصاب الدستوري للجلسة (غالبية الثلثين) بين فريق يطالب بنزول النواب للتصويت لأحد المرشحين الثلاثة، وفريق آخر يتمسك بعدم النزول ما لم يكن فوز العماد ميشال عون برئاسة الجمهورية مضموناً.

 

واشنطن: تراجع في الحماسة

إلا أن مصادر معنية ترى أن هذه المواقف المتناقضة ليست وحدها سبب عدم إنجاز الانتخابات الرئاسية على رغم أهمية القرار اللبناني الموحّد حيال هذا الملف الدقيق، إذ ثمة مجموعة متشابكة من الأسباب معظمها خارجي تتمحور حول عدم جهوزية الخارج في مواكبة الاستحقاق الرئاسي، لجعله حقيقة ناجزة، لاسيما من الولايات المتحدة الأميركية التي تجمع آراء المطلعين على موقف الإدارة الأميركية على غياب <الحماسة> التي كانت قبل أشهر حيال الملف الرئاسي الذي لا يزال في أسفل أجندة الاهتمامات الأميركية الراهنة، وإن كانت عناية واشنطن قائمة وبقوة لضمان الاستقرار الأمني في البلاد من خلال توفير الدعم الذي يطلبه الجيش لمواجهة التنظيمات الإرهابية المرابضة على حدوده البقاعية – السورية والتي تتحيّن الفرصة للانقضاض على الوحدات العسكرية في محاولة يائسة لخرق الجبهة اللبنانية المتراصة والصامدة على أكثر من خط ومحور. وتُعيد المصادر نفسها غياب <الحماسة> الأميركية الى أسباب عدة، أبرزها بدء انشغال الأميركيين في معركة الانتخابات الرئاسية في السنة الأخيرة من الولاية الثانية للرئيس الأميركي <باراك أوباما>، في ضوء احتدام المواجهة المرتقبة بين الديموقراطيين والجمهوريين، إضافة الى تسارع التطورات في سوريا واليمن والعراق وليبيا، على نحو باتت فيه الأولوية الأميركية رصد ما يجري، خصوصاً على الجبهة السورية مع توسع الحضور العسكري الروسي، وما يجري في حلب والذي قد يحمل مستجدات أساسية على مسار الحرب السورية، من دون إسقاط الموقف التركي وما يُقال عن مشاركة عربية في مواجهة <داعش> والتنظيمات الإرهابية الأخرى.

وعلى رغم أن إدارة الرئيس <أوباما> قرّرت إيفاد السفيرة الجديدة في لبنان <اليزابيت ريتشارد> الى بيروت خلال الأسبوعين المقبلين، فإن ذلك – تضيف المصادر نفسها – لا يعني أن واشنطن عازمة على الدخول مجدداً على خط ملف الاستحقاق الرئاسي بعدما اتضح أن التحرّك الذي قام به السفير الأميركي السابق <ديفيد هيل> لم يؤتِ ثماره، واستمرّ الشغور في قصر بعبدا للشهر الثاني والعشرين على التوالي. وستحمل السفيرة <ريتشارد> رسالة الى المسؤولين والسياسيين اللبنانيين خلاصتها أن الانتخابات الرئاسية يجب أن تتمّ بقرار لبناني، وأن واشنطن لا تضع <فيتو> على أي من المرشحين المعلنين وغير المعلنين، لأن المهم بالنسبة إليها الآن هو عدم بقاء لبنان <من دون رأس> في زمن تتدحرج فيه <رؤوس> أنظمة عربية أخرى.. أو تكاد. أما العنصر المطمئن من الرسالة الأميركية الآتية مع السفيرة الجديدة، فهو أن الاستقرار الأمني في لبنان <خط أحمر> بالنسبة الى الأميركيين ولا خوف من عبث بالأمن. أما الموعد المحدّد كي تقول واشنطن كلمتها الرئاسية، فلا تكشف عنه المراجع الأميركية المعنية التي تكتفي بالإشارة الى أن الوقت لم يحن raii-haririبعد، لكن الساعة آتية إذا ما استمرّ <عجز> القيادات السياسية اللبنانية عن الاتفاق في ما بينها.

 

تجميد الهبتين السعوديتين

ولعل الموقف السعودي الأخير بتجميد تسييل الهبتين المقررتين للجيش والقوى الأمنية اللبنانية، اعتراضاً على موقف الحكومة اللبنانية خلال مؤتمري القاهرة والرياض، من الإدانة العربية الواسعة للاعتداء على السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مشهد، شكّل إضافة سلبية أخرى عطّلت المساعي التي بُذلت على أكثر من خط لإعادة الحرارة الى العلاقات السعودية – الايرانية التي يرى كثيرون أنها كفيلة بوضع الملف الرئاسي اللبناني على نار حامية، علماً أن ثمة من رأى في الموقف السعودي رسالة الى اللبنانيين وغيرهم، بأن لا انتخابات رئاسية في المدى المنظور تُعيد توحيد الموقف اللبناني في السياسة الخارجية الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية، ما جعل القرار السعودي يستبق المزيد من الخلافات اللبنانية في مقاربة المواقف المرتبطة بالأوضاع في سوريا والدور الذي لعبته السعودية في مسار الحرب السورية، والمرجح أن تلعبه لاحقاً إذا انهارت الهدنة التي يُعمل على تحقيقها على أرض الميدان السوري المشتعل. وفي هذا السياق، تقول مصادر متابعة ان الروايات الكثيرة التي نُسجت حول الأسباب التي دفعت المملكة العربية السعودية الى اتخاذها هذا المواقف، قد لا تكون كلها دقيقة، لكن الأكيد أن نتائج هذا التدبير ستكون سلبية في ما خص الوصول الى تفاهم بين الرياض وطهران يسمح بإحداث ثغرة تنتج رئيساً للجمهورية، كما حصل في تشكيل الحكومة السلامية التي دخلت الأسبوع الماضي سنتها الثالثة. وتُضيف المصادر أن القرار السعودي تزامن مع الحراك الذي قام به رئيس تيار <المستقبل> الرئيس سعد الحريري مع القيادات اللبنانية المعنية بالاستحقاق الرئاسي (من دون العماد ميشال عون)، ما ترك مفاعيل سلبية على الجهود التي بذلها الرئيس الأسبق للحكومة أدت الى ارتفاع منسوب التصعيد في المواقف وردود الفعل التي حدّت من الاعتقاد  بإمكانية الوصول الى حلول معينة أو على الأقل تهيئة المناخات الإيجابية لمواكبة جهود إنجاز الاستحقاق الرئاسي قريباً. وقد بدا واضحاً أن حراك الرئيس الحريري تأثر بالموقف السعودي المفاجئ وجعل الرهان على <النصاب السياسي> لأي جلسة انتخابية يتقدم على <النصاب الدستوري>، خصوصاً أن هذا <النصاب السياسي> لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التفاهم المسبق مع حزب الله الذي أوصد كل الأبواب في وجه أي مسعى لفتح خطوط اتصال جديدة عنوانها توفير المناخات المناسبة لإنجاز الاستحقاق الرئاسي.

وتضيف المصادر نفسها أن <رذاذ> القرار السعودي أصاب أيضاً الجهود التي كان يبذلها المرشح الرئاسي النائب سليمان فرنجية لتشجيع الرئيس الحريري على اعتماد خيار التهدئة مع حزب الله، وهو قال له انه مستعد لمفاتحة قيادة الحزب بإطلاق <نقاش هادئ> حول الاستحقاق الرئاسي مع الرئيس الحريري إن هو بادر الى خطوات تجعله أكثر واقعية في مقاربة هذا الملف، خصوصاً ان استمرار التصعيد يحرج فرنجية الحليف الاستراتيجي للحزب ويجعله بين فكيّ كماشة بين من يتمسك بالحلف معه من جهة (حزب الله) وبين من يدعم ترشيحه للرئاسة من جهة ثانية (الرئيس الحريري)، لاسيما وان موقف الحزب بات حاسماً لجهة عدم حضور الجلسات الانتخابية ما لم تكن النتيجة مضمونة لفوز العماد عون، إلا إذا تنحى <الجنرال> عن الساحة الرئاسية طوعاً، وما لم يفعل ذلك، فإن الحزب ليس في وارد الطلب منه التنحي. ولعلّ إدراك النائب فرنجية لهذه الحقيقة ما جعله يشجّع الرئيس الحريري على إعادة فتح قنوات الاتصال مع حزب الله، وهو الذي قال بعد غداء <بيت الوسط> انه – اي فرنجية – لن يحضر أي جلسة انتخابية يغيب عنها حزب الله، كاشفاً الحريري-دريانعن أنه ينسّق مواقفه مع <الحلفاء> – ويقصد حزب الله ضمناً – كما هو لن ينسحب من المعركة الانتخابية كي لا يحرج الرئيس الحريري ومن دعم ترشيحه.

وتعتقد مصادر مطلعة على أبعاد الموقف السعودي، ان الرياض التي وجدت نفسها مضطرة الى اتخاذ قرارها بإجراء مراجعة شاملة لعلاقاتها مع لبنان ووقف مساعداتها لتسليح الجيش اللبناني وقوى الأمن اللبنانية، ولاقت تأييداً في موقفها من دول مجلس التعاون الخليجي، ما كانت لتتخذ هذه الخطوة لو أن انتخاب رئيس الجمهورية العتيد بات قريباً، لأن وجود الرئيس يصحح الخلل في السياسة الخارجية التي تشكو منه الرياض ومعظم الدول الخليجية، لذلك رأت أن التأخير في انتخاب الرئيس سيؤدي الى مزيد من <الأخطاء> اللبنانية في حق المواقف السعودية تجاه لبنان، فكان القرار علّه يشكّل <صدمة> تدفع بالقيادات اللبنانية الى تفادي استمرار الفراغ الرئاسي والإقدام على انتخاب رئيس جديد للبلاد. وفي رأي المصادر نفسها، أن التركيز فقط على أن وراء القرار السعودي اعتراضاً على <هيمنة حزب الله وإيران> على القرار اللبناني، لا يعكس الواقع بكامله، لأن الرياض كانت تأمل الإسراع في انتخاب الرئيس <لتصحيح> مسار السياسة الخارجيــــة، لكنهــــا عندما تيقنت بـــأن الانتخاب مؤجل ولا اتفاق بين اللبنانيين على إنجازه آثرت اتخاذ خطوتها التي تحمل أبعاداً أخرى قد تتبلور في الآتي من الأيام.

تطوّرات حلب

وتبرز مصادر ديبلوماسية سبباً إضافياً لتعثّر انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية في الجلسة المقبلة، يتمحور حول التطورات العسكرية المتسارعة في سوريا، خصوصاً في حلب حيث تتحدث المصادر نفسها عن بداية العد العكسي للوضع الميداني الذي سيؤول الى شطب حلب من المعادلة الميدانية لمعارضي النظام، تمهيداً لإعادة فتح قاعات التفاوض وفق ميزان قوى جديد يميل لمصلحة النظام، ويسمح بالتوغل في تسوية سياسية يمكن أن تنتج دستوراً جديداً يعكس التوازنات الميدانية الجديدة، لاسيما وأن ثمة مراجع ديبلوماسية تعتبر أن الحديث عن دخول قوات سعودية على خط المعارك المفتوحة بالتنسيق مع تركيا لن يتم إلا من تحت مظلة التحالف الذي تقوده أميركا ضد تنظيم <داعش، علماً أن واشنطن لا تزال تتريّث في إعطاء الضوء الأخضر لمثل هذه المواجهة من دون التفاهم مع روسيا، تحاشياً لأن تتحوّل الحرب ضد <داعش> الى مواجهة مع روسيا المعترضة على مثل هذا التدخل في حال حصوله.