25 April,2019

هل صحيح أنه لولا السوريون لكان النمو الاقتصادي سلبياً؟

بقلم خالد عوض

alain إذا كان كلام مدير عام وزارة المالية ألان بيفاني صحيحاًَ ودقيقاً حول كلفة النازحين السوريين في لبنان والتي كما قال تناهز ١٥ مليار دولار سنوياً أي حوالى ثلث إجمالي الناتج المحلي يكون الوضع الاقتصادي الأساسي في لبنان، نسبياً ونظرياً، ممتازاً. فرغم هذا الرقم الكارثي ما زال هناك نمو اقتصادي يزيد عن واحد بالمئة، وما زال التضخم تحت مستوى ٣ بالمئة، ولا زال عجز الموازنة مضبوطاً بالحد الأدنى، وما زالت الخزينة اللبنانية قادرة على الوفاء بالإلتزامات المالية الأساسية. بمعنى آخر، لو لم يكن لدينا نازحون سوريون بهذا العدد لكان لدينا فائض مالي يزيد عن عشرة مليار دولار سنوياً طالما أن العجز السنوي يناهز الثلاثة مليارات دولار. واستطراداً يمكن الاستنتاج من كلام مدير عام وزارة المال أن الاقتصاد اللبناني سليم ومعافى لولا المليون ومئة ألف نازح سوري…

ألان بيفاني أراد نقل الصورة السوداء عن التأثير السلبي للنازحين على الاقتصاد، ولكن تظهير الأرقام بهذا الشكل المطلق يخفف من صدقية الدولة اللبنانية أمام المانحين.

هناك فوائد اقتصادية لوجود النازحين كما هناك ضغوط ومشاكل مالية وبنيوية كبيرة لذلك. في الجانب الإيجابي، هناك قدرة شرائية ولو محدودة لكل فرد نازح تساهم بتكبير الاقتصاد وزيادة الطلب ناهيك عن السوريين ذوي الدخل المتوسط والمرتفع الذين يساهمون بشكل مهم في الحركة الاقتصادية العامة خاصة في قطاعات العقار والسفر . كما أن المجموعة الكبرى من الشباب السوري الموجود في لبنان هي مجموعة منتجة، وهذا مع الأسف على حساب اللبنانيين، أي أنها تساهم بطريقة أو بأخرى في الناتج المحلي.

هناك دراسة للأمم المتحدة تفيد أن الكلفة الإجمالية للنازحين السوريين في الأردن وصلت عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣ الى ٨،٢ مليار دولار مقابل فوائد اقتصادية تخطت 5,8 مليار دولار أي أن خسارة الأردن الفعلية ناهزت 2,4 مليار دولار في السنتين. ولكن عند احتساب الاستثمارات السورية في الأردن في العامين المذكورين نجد أنها تزيد عن مليار دولار سنوياً، وهذا حسب المؤسسة الأردنية لتشجيع الاستثمار. يضاف إليها مساعدات خليجية ودولية تفوق المليار دولار وصلت إلى الأردن خلال هذه الفترة، مما يعني أن النتيجة الحقيقية للنزوح السوري إلى الأردن لم تكن كارثية اقتصادياً.

المشكلة ليست اقتصادية بقدر ما هي ثقافية وبنيوية. هناك أولاً خطر على الهوية الثقافية الأردنية التي تذوب تدريجياً في بحر اللاجئين، من فلسطينيين إلى سودانيين وأخيراً سوريين. كما هناك ضغط غير مسبوق على شبكة الماء والكهرباء في الأردن وعلى كامل البنية التحتية التي تنوء تحت الكثافة السكانية التي زادت أكثر من عشرين بالمئة خلال سنتين.

كل هذا ينطبق على لبنان وبنسبة أكبر. فالنازحون السوريون في لبنان يشكلون أكثر من ثلث اللبنانيين بينما في الأردن ما زالوا دون خمس أهل البلد. وإذا كان الأوروبيون خائفين من ذوبان هويتهم إذا استقبلوا بضع الحوارمئات الآلاف من اللاجئين لا يشكلون أكثر من واحد بالمئة من السكان، فماذا يقول لبنان أمام حجم النزوح فيه وتأثيراته على المدى المتوسط والبعيد؟

الرسالة إلى المجتمع الدولي يجب أن لا تنحصر في المساعدات المالية لتخفيف العبء الاقتصادي والخسارة المالية. عنوان الصرخة يجب أن يكون ذوبان لبنان بثقافته وفرادته وتميزه. وفي المقلب الاقتصادي يجب أن يكون التوجه نحو طلب تمويل مشاريع بنية تحتية كبيرة من ماء وكهرباء وجسور وطرقات وصرف صحي. والمجتمع الدولي مستعد لتمويل أكبر عدد من مشاريع البنية التحتية إذا عُرضت عليه أكثر بكثير من استعداده لإرسال معونات وأموال سيصل القليل منها إلى مستحقيها.

عندما نسمع الخطاب السياسي السائد حاليا ومواضيع جلسة الحوار يخيّل لنا أن لبنان ليس لديه مشكلة نازحين. وعندما نسمع تصريح مدير عام وزارة المال عن خسارة لبنان ١٥ مليار دولار سنوياً بسبب النازحين السوريين نظن أنه يتكلم عن بلد غير الذي يجتمع فيه <زعماؤه> ليناقشوا مسألة التعيينات العسكرية وحقوق المذاهب والطوائف.

 يا سادة، لن يبقى مذهب أو طائفة في لبنان بمنأى عن الذوبان أمام هذا التغيير الديموغرافي الجارف. وإذا لم نستفق الآن أمام عمق تأثير النزوح على البنية التحتية والبيئية والثقافية ناهيك المالية، فإننا سنصحو بعد سنوات غير بعيدة على شبه وطن غير قادر على السيادة والاستقلال ومضطر إلى الالتحاق بأي دولة، نعم دولة، جارة أخرى.