25 September,2018

هل سيأتي يوم يصبح فيه الغاز الإسرائيلي أفضل حل مالي للبنان؟

­arthur-nazarianملف الغاز في لبنان أصبح في خبر كان. <مش وقتو> بالنسبة لأولوياتنا الأمنية والانتخابية، مع أننا كنا نسمع منذ زمن غير بعيد أن التسبب في التأخير في مسار ملف النفط والغاز هو بمنزلة الخيانة العظمى. فماذا حصل حتى تراجع الاهتمام بهذا الملف الحيوي جداً بالنسبة لمستقبل لبنان واقتصاده؟

لا شيء عندنا أو بالأحرى تخبط سياسي لا يمكن تبريره بأي منطق.  ولكن حصل الكثير عند عدونا اللدود الذي نجح عام 2006 في إنتزاع أهم ضمانة دولية لإستخراج الغاز من مياهه الإقليمية أي القرار 1701، فلولا هذا القرار لما كانت هناك أي شركة أجنبية ترضى بالمجازفة باستثمارات بالمليارات للتنقيب والاستخراج والإنتاج والتصدير ومنشآتها معرضة في أي لحظة لصواريخ حزب الله .

إسرائيل وقعت منذ شهر مع  مجموعة <غاز بريطانيا> (BG Group)  المسؤولة عن محطة الغاز الطبيعي المسال في مدينة <إدكو> المصرية إتفاقية بالأحرف الأولى بقيمة ٣٠ مليار دولار لتصدير الغاز إلى مصر من حقل <ليفيئتان> الإسرائيلي الذي سيبدأ في الإنتاج عام 2017.  كما كانت قد وقعت في ايار (مايو) المنصرم عقداً مماثلاً يقضي بتصدير ٤,٥ مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من حقل <تمار> ولمدة ١٥ سنة لمصفاة الغاز في <دمياط> التي تشغلها شركة <يونيون فينوزا> الإيطالية ــ الإسبانية المختلطة. ومنذ أسابيع، وقعت إسرائيل عقداً لتصدير الغاز إلى شركتي <البوتاس> و<البرومين> في الأردن عبر شركة الكهرباء الأردنية. وهي تفاوض تركيا حالياً لتصدير الغاز إليها، مع العلم أن تركيا هي أكبر مستهلكي الغاز في المنطقة (أكثر من ٤٥ مليار متر مكعب سنوياً). ولذلك ليس غريباً أن تكون هناك أطماع تركية بالغاز الموجود في شمال سوريا. المفاوضات التركية الإسرائيلية تتمحور حول بناء خمسة أنابيب بحرية تربط البلدين لنقل الغاز والماء والنفط والكهرباء والألياف البصرية.

طالما نحن في موسم الحج،  فإن <إيقاظ> ملف الغاز اليوم في لبنان يصح فيه المثل الشائع: <ذاهبون إلى الحج بينما الناس راجعة>.

gebran-bassil-9

كل هذا يحصل، وهناك من يقول لنا كل يوم إن إسرائيل خسرت استراتيجياً في حرب تموز 2006 بينما انتصر لبنان. تماماً كما انتصرت <غزة> منذ أشهر لأنها كسرت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. ليس هذا الكلام انتقاصاً من غلاوة دم الشهداء الذين ماتوا في هذه الحروب، بل هو حسرة على تفسيرنا الاستراتيجي للربح والخسارة. إسرائيل هي التي ستورد الغاز لمحطات الكهرباء في فلسطين المحتلة. كما أنها ستتحكم إلى حدٍ بعيد بالسيادة النفطية والكهربائية في مصر والأردن.

 

في القرن الماضي، كان الانتصار العسكري يعني احتلالاً للأرض، وتحرير الأرض كان أساساً لاستعادة السيادة الكاملة لأي بلد. اليوم التحرير الجغرافي لا يعني الكثير إذا لم تواكبه استقلالية نسبية في الطاقة والمياه والغذاء. والاستقلالية لا  تعني بالضرورة الاكتفاء الذاتي الكامل، بل القدرة على اختيار المصادر وتبديلها إن لزم الأمر  لتفادي أي تنازل في سيادة الدولة أو قراراتها.  إستخراج الغاز وإنجاز السدود كانا سيعطيان لبنان هذا الموقع السيادي. لذلك لا بد من إعادة الأولوية إلى هذين الملفين رغم كل الظروف الراهنة. كما أن البحث في أي استراتيجية دفاعية مستقبلاً يجب أن يتضمن تصوراً واضحاً لمستقبل الطاقة والمياه في البلد. فبعد أقل من ثلاث سنوات ستصبح مصلحة لبنان الاقتصادية والمالية في استيراد الغاز من إسرائيل. وإذا استمرت وتطورت ظاهرة <داعش> يكمن الخوف في أن تصبح مصلحته السياسية هي أيضاً في ذلك.