15 September,2019

هل دخل لبنان كله في محور العقوبات الإقتصادية؟

 

بقلم خالد عوض

رد حزب الله على إسرائيل يوم الأحد الأول من أيلول (سبتمبر) كان محسوبا جدا وبكل المقاييس، فقد أخذ بعين الإعتبار سلسلة أمور منها عسكرية ومنها سياسية ودبلوماسية ولكن في النهاية البعد الأكبر كان الإقتصاد. ربما هذا كان الإعتبار الأول عند إسرائيل أيضا في ردها المحسوب على أحراج بلدة مارون الراس الحدودية. ولا يمكن فصل العقوبات الأميركية ضد <بنك الجمال> وتوقيت إعلانها عن الضغط الأميركي – الإسرائيلي على حزب الله لضبط رده ضمن الحدود المقبولة. فكما أسقط الحزب <هيبة> القرار ١٧٠١ الذي يمنع تواجد سلاحه جنوب نهر الليطاني، سقطت أيضا معادلة <تل أبيب> مقابل الضاحية التي توعد بها الحزب إسرائيل على لسان أمينه العام عدة مرات. خلاصة ما حصل أن إسرائيل لن تكتفي بالوسائل العسكرية في أي حرب على لبنان بل ستلجأ إلى عقوبات الولايات المتحدة قبل أي شيء آخر فتعتدي على لبنان بالسكين المالي.

 

روسيا اعطت الضوء الأخضر!

قبل عملية حزب الله بساعات صرح السفير الروسي في لبنان <ألكسندر زاسبيكين> أن المقاومة اللبنانية تملك أسلحة يمكن أن تفاجئ الإسرائيليين. هذا الكلام كان موجها لإسرائيل، ربما لأنها كسرت قواعد الإشتباك عندما اخترقت الأجواء اللبنانية، وضاحية بيروت الجنوبية بالتحديد، عبر طائرات مسيرة مفخخة. هذا حصل من دون <إستئذان> الروس، الذين يبدون متمسكين بلعب دور ضابط الإيقاع الأول والأخير في المنطقة. وليس صدفة أيضا أن عملية حزب الله جاءت بصاروخ <كورنيت> الروسي المتطور جدا، والذي كان أحد أهم أسباب تمكن حزب الله من دحر العدو الإسرائيلي في حرب تموز (يوليو) ٢٠٠٦. فمن الواضح أن هناك إتفاقاً روسياً – إسرائيلياً منذ مدة على طبيعة الضربات الإسرائيلية في سوريا وحتى مسار طائراتها. وعندما لا تلتزم إسرائيل به يتم قصف الجولان المحتل من الأراضي السورية بصواريخ روسية. إسرائيل كانت تعتبر أن الأجواء اللبنانية لا تدخل في هذا الإتفاق. ولو اكتفت إسرائيل بالعملية التي قتلت فيها عنصرين من حزب الله في سوريا ولم تحاول القيام بعملية عسكرية في الضاحية لكان من الصعب جدا على حزب الله الرد عليها من لبنان. ولكن مع تهور إسرائيل في عملية الطائرتين المسيرتين الفاشلة أصبح لدى

حزب الله هامش مناورة أكبر وبغطاء روسي.

ما هي المعادلات الجديدة؟

من أفغانستان حتى سوريا، مرورا بالعراق واليمن، المحور الإيراني، مدعوما بالتغطية الروسية، في مواجهة مع الولايات المتحدة أو حلفائها. ما كان بامكان حركة <طالبان> أن تصمد في أفغانستان لولا الدعم الإيراني والروسي، ولكان من المستحيل أن يصبح الحوثيون في اليمن بهذا التنظيم والقوة العسكرية لولا إيران والغطاء الروسي- الصيني المعنوي، وفي العراق <الحشد الشعبي> هو البديل العسكري الإيراني للجيش العراقي الذي يتسلح ويتدرب بإشراف أميركي، أما في سوريا ولبنان فحزب الله هو رأس الحربة في المواجهة الروسية – الإيرانية مع أميركا. هناك عدة معادلات جديدة حصلت في الأسابيع الأخيرة. الأولى هي إبعاد الخليج عن الصراع المباشر، فتراجع أميركا عن ضرب إيران هناك وترك البريطانيين للناقلة النفطية الإيرانية والحركة الدبلوماسية الإماراتية دلائل على أن الجميع لا يريد حربا في جوار الخليج النفطي، لا بل هناك إتفاق جديد بنقل المواجهة إلى الأمكنة المشتعلة أساسا أي سوريا. المعادلة الجديدة الأخرى أن إسرائيل يمكن أن تضرب العراق تماما كما تضرب سوريا، كما فعلت ضد <الحشد الشعبي>. ثم جاءت المعادلة الأخيرة التي أرادت فيها إسرائيل إدخال لبنان في المواجهة، ولكن الرد الروسي – الإيراني جاء بمعادلة جديدة لم تتبلور بالكامل بعد وهي أن أي ضربة إسرائيلية على لبنان وحتى سوريا (من دون إذن روسي) سيرد عليها من الأراضي اللبنانية.

الإقتصاد أولا و..أخيرا!

ما يمنع المواجهة الكبرى اليوم هو خوف الجميع من التبعات الإقتصادية لأي حرب ناهيك عن النتائج التدميرية بنيويا وإجتماعيا. إسرائيل تنعم بنمو إقتصادي يزيد عن ٣ بالمئة سنويا وهو مرجح أن يستمر على هذا المستوى حتى سنة ٢٠٢١، لماذا إذاً تدخل في حرب عندما تكون إيران في أسوأ حالاتها الإقتصادية، والوضع اللبناني من سيئ إلى أسوأ في ظل إدارة سياسية غير مسؤولة، والفساد يأكل العراق، وسوريا دخلت في نفق الإفلاس الإقتصادي الكامل؟ المعادلة التي يريد الأميركيون ترسيخها هي: قد تنتصرون عسكريا هنا أو هناك ولكن بالتأكيد ستخسرون إقتصاديا وماليا. لذلك يسعى المحور الأميركي إلى التهدئة العسكرية وزيادة الضغط الإقتصادي بينما يحاول الطرف المواجه فك الحصار الإقتصادي عن طريق الإنتصارات العسكرية. لبنان بات جزءا من هذه المعادلة وسلاح العقوبات ضد حزب الله بدأ يهدد سلامة النظام المالي اللبناني برمته من دون أن يتمكن مصرف لبنان من أن يفعل أي شيء هذه المرة. صحيح أن موجوداته من الإحتياطات الأجنبية تجاوزت ٣٨ مليار دولار وأن احتياطه من الذهب (حوالى ٢٨٦ طناً) تجاوز ١٤ مليار دولار مؤخرا بسبب إرتفاع أسعار الذهب عالميا، ولكن ليس لدى حاكم البنك المركزي الدكتور رياض سلامة هامش مناورة واسع في مسألة العقوبات رغم علاقته الوطيدة بالأميركيين.

هناك قول شائع: <إذا أردت السلام يجب أن تتحضر للحرب>. كل الأمل أن يكون هذا ما نحن بصدده اليوم أي التحضير لتسوية كبرى لأن البديل هو ضغط اقتصادي شامل لا يقتصر على تراجع سعر صرف الليرة… المشكلة أن هكذا سيناريو لا يمكن ردعه أو حتى التخفيف منه ولا يمكن حاليا فرض توازن رعب لمنعه. <بنك الجمال> هو حلقة أولى من هذا الضغط.