19 November,2018

هل تنجح دول الخليج في بناء رأس مال بشري يعوضها عن النفط؟

 

بقلم خالد عوض

رسمون-اده

في نهاية شهر كانون الثاني/ يناير الماضي عقد ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلوة في دبي لرسم الإطار العام لاستراتيجية الإمارات العربية المتحدة لاقتصاد ما بعد النفط والذي اتفق قادة الإمارات أنه يجب أن يقوم على الرأس المال البشري قبل أي مورد آخر.

ومنذ بضعة أيام أعلن ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بن عبد العزيز عن استراتيجية المملكة لعصر ما بعد النفط وشدد على ضرورة الإقلاع عن اقتصادات خليجية قائمة على <الإدمان على النفط> من خلال طرحه لرؤية المملكة عام ٢٠٣٠.

هذا التطور الخليجي يأتي في سياق توقعات علمية عالمية أن المتبقي من عمر النفط هو أقل من ٤٠ عاماً، وأن الطاقة المتجددة وخاصة الشمسية ستكون المحرك الأول لاقتصاد العالم ابتداء من عام ٢٠٥٠ وربما قبل ذلك بسنوات وحتى عام ٢٠٩٠.

حتى لو بدا أن هذا الموعد لا يزال بعيداً إذ ما زال يفصلنا عنه حوالى ربع قرن، إلا أنه يعني تحولاً جذرياً في المشهد الجيو – اقتصادي وبالتالي السياسي للمنطقة العربية. هذا التغيير لن يحصل في يوم واحد، أي اننا لن نستفيق في ١/١/٢٠٥٠ لنكتشف أن النفط لم يعد المصدر الأول للطاقة في العالم. التغير سيكون تدريجيا وسنشهد <هبات> اقتصادية كبيرة ومتعددة خلال الأعوام المقبلة وخاصة ابتداء من عام ٢٠٣٠.

لا بد من احترام الوعي الخليجي بضرورة تنويع الاقتصاد والاستعداد الحثيث له. وستكون الفترة المقبلة مرحلة اختبار حقيقية لقدرة الخليجيين على تطبيق هذه الرؤى، خاصة مع إعلان ولي ولي العهد السعودي عن بعض أرقام الاقتصاد غير النفطي، عندما ذكر أن المداخيل غير النفطية في الاقتصاد السعودي ستصل إلى ٦٠٠ مليون ريال عام ٢٠٢٠ (هي اليوم بحدود ١٦٣ مليون ريال) وألف مليار ريال عام فؤاد-شهاب٢٠٣٠.

 ويذكّرنا التعاطي الخليجي البرغماتي مع الواقع الاقتصادي المستجد في مجال الطاقة بأمرين لدينا في لبنان لا يكفي أن نتحسر عليهما.

الأمر الأول هو انعدام الرؤية حيث لا نعرف كيف بل أين سيكون لبنان واقتصاده عام ٢٠٣٠ وحتى قبل ذلك. فالتفكير في المستقبل معدوم في التعاطي السياسي في لبنان، إذ مع الأسف استنباش الماضي والتناتش على الحاضر والاعتماد على فرج من الغيب لحلول المستقبل هي السمات الموجودة عند الطاقم السياسي <القيادي> في لبنان.

والأمر الثاني الذي يبعث الحسرة بل الإحساس الشديد بمرارة ضياع الفرصة من أيدينا هو موضوع الرأس المال البشري. ولو عدنا إلى الوراء بالسنوات المتبقية نفسها بيننا وبين عام ٢٠٥٠، أي حوالى ٤٠ عاماً، إلى عام ١٩٧٥ وقيّمنا الرأس المال البشري اللبناني يومذاك وتابعنا ناتجه الاقتصادي في العالم كله وفي دول الخليج بالتحديد، لوجدنا أنه حقق مئات المليارات من الدولارات. كم لبناني ولبنانية تمكّنوا من تحقيق مداخيل اقتصادية جبارة، معظمها غير نفطية، في الدول التي ذهبوا إليها في وقت كان فيه البلد ومؤسساته بحالة انهيار. الرأس المال البشري، الذي يريد الخليجيون اليوم أن يزيدوا استثماراتهم فيه حتى يعتمدوا عليه بعد النفط، كان متوافراً بزخم قياسي في لبنان في السبعينات. وقد قام على الثقافة الانفتاحية والتعددية والأسس التربوية القوية والتمازج الحضاري. كما حفزته قيادات سياسية استثنائية مثل الرئيس فؤاد شهاب مؤسساتياً ودستورياً والعميد ريمون إده في النظرة الثاقبة والبعيدة المدى (مثال قانون السرية المصرفية) وغيرهما من الزعماء الحقيقيين الذين فهموا المستقبل جيداً وتعاطوا مع الحاضر من خلاله. اليوم نحصي الحسرة والخسارة مما أضعناه ونضيعه كل يوم. حتى الذين كانوا يقدّرون جدا أهمية رأس المال البشري اللبناني، من دول وشركات أجنبية وعربية، لا يمانعون اليوم في الاستغناء عنه بعدما بدأ يتبين لهم أن مشاكله أكثر من جدواه.

لا يمكن في لبنان الكلام عن رأس مال بشري متميّز. فالمستوى التعليمي، الذي هو مقياس رأس المال البشري، في تراجع، كذلك المستوى الثقافي العام الذي ينعكس على الأداء الاجتماعي العام والخيارات السياسية. محمد-بن-سلمانحتى على صعيد البلديات، حيث هناك أمل أن يبدأ بعض التغيير من تحت، تتجمع المحادل السياسية لتمنع وصول الذين يريدون فعلاً صنع المستقبل الذي يستحقه البلد.

كنا نخاف من نتائج هجرة الأدمغة (BRAIN DRAIN) من لبنان. اليوم نحن نعيشها. في المقابل نرى الخليجيين يبدأون مسيرة صنع الأدمغة عندهم بكل ما أوتوا من إمكانيات. لن تكون مسيرتهم سهلة وستتطلب تغيرات ثقافية واجتماعية عميقة، ولكن ما يظهر منهم حتى اليوم أنهم مستعدون لها ويعون الشوك الذي سيعترضهم خلالها.

بالإعجاب نفسه الذي ننظر فيه إلى دبي اليوم وما قامت به بعد انتهاء عصر النفط فيها سننظر إلى المدن والدول الخليجية الأخرى خلال عقد أو عقدين على الأكثر إذا عرف القادة الخليجيون تحويل رؤاهم إلى واقع.

وبعيداً عن التشاؤم، ومن خلال ما نبنيه اليوم في البلد من ثقافة اجتماعية وسياسية فقيرة لا تؤسس إلا لرأس مال بشري وضيع، لا تبدو صورة لبنان عام ٢٠٣٠ بالزهو نفسه.