27 May,2019

هل تقلب الهند والصين الطاولة على الدولار من الباب الإيراني؟

بقلم خالد عوض

الذين يراقبون حركة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> يقولون أن أهم سلاح للولايات المتحدة اليوم لم يعد اسطولها العسكري أو حتى جبروتها المالي الذي يترجمه الدولار. العالم كله ينتظر يوميا ماذا سيقول <ترامب> عن هذا الموضوع أو ذاك أو ماذا سيعلن من قرارات أو كيف سيعلق على حدث ما في العالم. إنه زمن سلاح <تغريدات ترامب> الفتاكة التي يمكن أن تطيح بنظام اقتصادي في دولة نامية أو تؤثر على سعر صرف عملتها. وليس غريبا أن تحلق أسهم شركة <تويتر> عاليا وتصل قيمتها السوقية إلى أكثر من ٣٠ مليار دولار بعد سنوات طويلة من المشاكل وعدم قدرتها على تحقيق أي ربحية منذ تأسيسها عام ٢٠٠٦. فقط مع إستلام <ترامب> الرئاسة عام ٢٠١٧ استطاعت <تويتر> تحسين أدائها وتحقيق أول ربح لها. لماذا أصبحت تغريدات <ترامب> سلاحا بهذه الفعالية؟ الجواب بسيط. بغض النظر عن محتوى ما يقوله الرئيس الأميركي أو عن قراراته العشوائية إلا أنه يحسب له أنه صادق في أكثر الأحيان أو بالأحرى يقول ما يفكر به ويفعل ما يقوله. لولا تنفيذ <ترامب> لكل وعوده ولولا جرأته اللامتناهية التي تتخطى الوقاحة مرات، ما كانت تغريداته لتتحول إلى سلاح أممي يخشاه الحلفاء قبل الخصوم.

 

أزمة لبنان الاقتصادية في عنق الزجاجة!

في خضم الإضرابات المتوالية في البلد والتي وصلت إلى القطاع المصرفي عبر إضراب موظفي مصرف لبنان تكشفت بعض الأرقام التقاعدية والكلف غير المنطقية التي تدفعها الدولة عليها. عميد متقاعد أو موظف في الدرجة الأولى في مصرف لبنان يمكن أن يحصل على أكثر من مليون دولار تعويض نهاية خدمة بالإضافة إلى مخصصات تقاعدية كبيرة. لا بأس أن يكون لموظفي الدولة وخاصة العسكريين وضع خاص ومكافأة نهاية خدمة لائقة وكريمة، ولكن في بلد يرزح تحت الديون ويعجز اقتصاده عن تحقيق أي نمو يذكر منذ أكثر من ثماني سنوات يجب مراجعة السلسلة التقاعدية لتتماشى مع اقتصاد البلد. الإضرابات والاعتصامات إن دلت على شيء فهي اظهرت هشاشة النظام السياسي منذ <الطائف> وكيف أنه مبني على التنفيعات والمحاصصات المخفية في الموازنات، هذا عندما توجد موازنة! كما بينت أن البنية المالية للبلد أكثر من ركيكة، فمن المفهوم أن يصيب الشلل أي مؤسسة أو قطاع عند إضراب العمال والموظفين فيه ولكن من غير المفهوم أن تنشأ سوق سوداء لبيع الدولار ويتم تداوله بأكثر من ١٥٥٠ ليرة بعد يوم واحد من إضراب موظفي البنك المركزي الذي، لو إستمر، لكان الوضع المالي خرج عن السيطرة تماما، وربما هذا ما استدعى تعليقه بسرعة. ترى ماذا يمكن أن يحصل للقطاع المالي في لبنان لو غرد <ترامب> مثلا أنه غير راض عن أداء لبنان في مسألة العقوبات ضد حزب الله وإيران؟ تركيا بعظمة اقتصادها لا زالت تعاني من تغريدة <ترامب> الشهيرة في بداية سنة ٢٠١٨ التي هدد فيها تركيا بالخراب الاقتصادي. صحيح أن الأوضاع الداخلية التركية أثرت كثيرا ولكن المستثمرين قرأوا جيدا تغريدات الرئيس الأميركي بشأن اقتصاد تركيا وعرفوا أنها إشارة لضرورة الهروب من البنوك التركية.

 

العقوبات ضد إيران… تابع!

في ٢ ايار (مايو) الماضي أوقفت الولايات المتحدة فرصة السماح التي منحتها لثماني دول للاستمرار في إستيراد النفط الإيراني. إيران خسرت أكثر من ١٠ مليارات دولار من العائدات النفطية والتجارية منذ إنسحاب <ترامب> من الاتفاق النووي. ومع دخول التشدد الأميركي حيز التنفيذ خلال الأسابيع المقبلة حتى تنتهي كل العقود المبرمة قبل تاريخ ٢ ايار (مايو) سيتراجع تصدير إيران إلى أقل من مليون برميل يوميا معظمه إلى الصين والهند. هناك حزمة جديدة من العقوبات الأميركية على قطاع البتروكيماويات الإيراني الذي يتجاوز حجمه ٢٤ مليار دولار ويتركز تصديره إلى الهند وسنغافورة وعلى عمليات التجارة والصرف ومشتريات المعادن الإيرانية التي تجري عبر وسطاء في الإمارات العربية وتركيا وأرمينيا. تطبيق عقوبات من هذا النوع بالإضافة إلى وقف فترة السماح سيكون بمثابة الضربة القاضية على اقتصاد إيران. ومهما كابر الإيرانيون إلا أنهم يعرفون أن الدعم الصيني والروسي والكلام الأوروبي اللطيف لم يعد ينفع وأن التفاوض مع الولايات المتحدة أو <الشيطان الأكبر> هو مسألة وقت ويتوقف على إخراج لائق يحفظ ماء الوجه للإيرانيين.

الهند والصين!

الاختبار الحقيقي لفعالية العقوبات سيظهر مع إنتهاء كل عقود تصدير النفط الإيراني الموقعة قبل ٢ ايار (مايو) والتي يمكن أن تمتد إلى نهاية الصيف الحالي، كما سيتبين قريبا إن كان بإستطاعة الصين والهند أكبر مستوردين للنفط الإيراني مواجهة العقوبات الأميركية عبر التعامل بعملتهما المحلية. انها المرة الأولى التي تجد فيها الدولتان اللدودتان مصالحهما في السلة نفسها. الصين ثاني اقتصاد في العالم والهند هي السادس. فيهما أكثر من ثلث سكان العالم وبينهما منافسة قوية وعلاقتهما ليست في أفضل حال في وجود عدة خلافات حدودية بينهما. فقط إذا تعاونتا في الملف الإيراني يمكنهما قلب الطاولة على <ترامب> وعلى الدولار، أما في حال إنضواء واحدة منهما في مسار العقوبات فساعتئذٍ ستجد إيران نفسها أمام الخيارات العسكرية أو التفاوض مع صقور البيت الأبيض.

 منذ أيام صعدت إيران تهديداتها بوقف عبور الناقلات النفطية عبر مضيق هرمز وبمعاودة تخصيب اليورانيوم. الرد جاء سريعا من الأميركيين عبر إرسال تعزيزات عسكرية و<قاذفات ب٥٢> إلى المنطقة وتهديدات <جون بولتون> مستشار <ترامب> للأمن القومي المباشرة لإيران ثم كلام وزير الخارجية <مايك بومبيو> من العراق عن الخطر الإيراني المحدق. ليست هذه طبول حرب ولكنها إستعدادات متبادلة للرد والرد المضاد.

ربما لا يهم كثيرا ما يقوله وزير الخارجية <مايك بومبيو> أو <جون بولتون> وهما الشخصان اللذان يعبّران اليوم عن السياسة الخارجية الأميركية في المسألة الإيرانية. المهم ما سيغرده حاكم البيت الأبيض.