20 October,2018

هل تفجر ”إدلب“ المواجهة  الروسية - الأميركية في سوريا؟!

 

بقلم خالد عوض

من الصعب أن تنتهي الحرب التجارية المستعرة بين الصين والولايات المتحدة على خير. التصعيد بين الطرفين مستمر مع استعداد الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> لفرض رسوم على أكثر من ٢٠٠ مليار دولار من صادرات الصين إلى الولايات المتحدة، وكلام الصين عن ردود أكثر قساوة منها. ورغم كل الرسوم تخطى الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة ٣١ مليار دولار في شهر آب (أغسطس) الماضي وهو أكبر فائض لمصلحة الصين في تاريخ التبادل التجاري بين البلدين.

 

الحرب التجارية الأميركية – الصينية إلى أين؟

السيناريوهات المطروحة للمسار المحتمل لهذه الحرب كثيرة. منها من يتوقع أن تتنازل الصين في المفاوضات التجارية وتفتح أسواقها أكثر أمام البضائع والاستثمارات الأميركية. من شأن ذلك أن يضعف من هالة الرئيس الصيني داخليا ودوليا وهذا ما لن يقبل به. ومنها من يعتبر أن الصين تريد المماطلة أطول مدة ممكنة لأنها بذلك تزيد من الضغط الاقتصادي على <ترامب> خاصة أن هناك شركات وولايات أميركية كثيرة بدأت تتذمر فعليا من الرسوم الصينية المضادة على السلع الأميركية. هناك تحليلات تفيد أن هذه الحرب يمكن أن تؤدي في النهاية إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولتين العظمتين، وتبرر ذلك بأن الرسوم الجمركية المتصاعدة ضد الصين يمكن أن تنعكس سلبا على النمو الاقتصادي الصيني وهذا يعني تهديد المنظومة الصينية الحاكمة عن طريق خلق بلبلة شعبية داخلية لا يمكن السيطرة عليها إلا بقرع طبول الحرب مع أميركا لتعزيز الشعور الوطني. وهذا يفسر إلى حد كبير التقارب العسكري الصيني – الروسي ومشاركة الصين في المناورات الضخمة التي تجريها روسيا تحت اسم <فوستوك ٢٠١٨>.

حاليا، يبدو أن الطرفين قررا الاتفاق على متابعة الحرب بينهما والاستمرار في التفاوض حتى تبين الأرقام الاقتصادية لمصلحة من تأتي النتائج. فحتى الآن لا زال الاقتصادان الصيني والأميركي في أحسن أحوالهما وكل المؤشرات المالية تؤكد أن تأثير الحرب التجارية عليهما لا زال محدودا جدا، فمن جهة يتباهى الرئيس الأميركي بأنه نواة الطفرة الاقتصادية بعدما تجاوز النمو الاقتصادي ٤ بالمئة في الفصل الثاني من هذه السنة وتحسنت كل المؤشرات الاقتصادية، وفي الجانب الآخر سجل النمو الاقتصادي الصيني ٦,٧ بالمئة في الفترة نفسها وهو المستوى المتوقع له رغم ظهور بعض الدلائل على تراجع المؤشرات الصناعية بشكل طفيف.

من الواضح أن النتائج الأولية للحرب التجارية الضروس لن تظهر قبل نهاية السنة. ساعتئذٍ فقط يمكن الحكم على الرابح والخاسر فيها. وحتى شباط (فبراير) ٢٠١٩ عندما تبدأ الأرقام الاقتصادية عن ٢٠١٨ بالظهور لا يمكن إلا الإنتظار والتفرج على أشرس مواجهة تجارية عرفها التاريخ الحديث.

 

الدولار إلى فوق؟

 

من المرجح أن يزيد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الفائدة على الدولار ربع بالمئة قبل نهاية الشهر الجاري. ومن المعروف أنه عندما تزداد الفائدة على الدولار يزيد الإقبال على العملة الخضراء فتزيد قيمتها أو بمعنى آخر تتراجع قيمة العملات الأخرى تجاهها وخاصة عملات الأسواق الناشئة مثل الصين والهند وتركيا وروسيا وجنوب أفريقيا ودول آسيا وأميركا اللاتينية. هذا ما نشهده حاليا وما سيستمر الحال عليه حتى تهدأ عاصفة زيادة الفوائد التي يبدو أنها لن تتوقف قريبا. في الوقت نفسه يبدو أن بعض الدول تحاول التحايل على الحرب التجارية التي يشنها <ترامب> على الصين عن طريق تخفيض مدروس لعملتها حتى لا تتأثر صادراتها بالرسوم الجمركية الأميركية وتبقي على تنافسيتها في الأسواق العالمية. من الأمور التي تعقد خطوات <ترامب> التجارية مسألة زيادة قيمة الدولار. هذا يضعف القوة التنافسية للسلع الأميركية في الأسواق العالمية ويزيد من جاذبية البضائع الصينية فيها. صحيح أن السوق الأميركي هو أكبر أسواق العالم ولكن يبدو أن الصين تعوض بعض خسائرها في معظم الأسواق الأخرى وهذا ما يمكن أن يطيل الحرب التجارية القائمة حاليا. رغم أن إدارة الرئيس الأميركي لا تريد دولارا قويا إلا أن الإحتياطي الفيدرالي لا يمكنه لجم التضخم إلا عن طريق زيادة الفائدة، ولذلك هناك تعارض واضح ومعلن بين <ترامب> و<جيروم باول> رئيس البنك المركزي الأميركي الذي أكد أن هناك زيادتين للفائدة هذه السنة واحدة في ٢٧ من هذا الشهر وواحدة في ١٨ كانون الأول (ديسمبر) المقبل. ارتفاع الدولار مقابل كل عملات الأسواق الناشئة هو عنوان المرحلة حتى إشعار آخر.

 

إلى <إدلب> در!

الرئيس الأميركي قال مرارا وتكرارا أنه يريد الخروج من الشرق الأوسط حيث خسرت بلاده آلاف مليارات الدولارات حسب تعبيره، ولكنه بدأ يكتشف شيئا فشيئا أن المواجهة مع الدول الأخرى على أراضي المنطقة أرخص بكثير من أن تحصل في مكان آخر. وبالنسبة للولايات المتحدة تبدو الساحتان السورية والعراقية أفضل مكان اليوم لـ<تأديب> إيران أولا وروسيا من خلفها وصولا إلى الصين من ورائهما ولو من بعيد. ولذلك يبدو أن مسألة <إدلب> لن تمر مرور الكرام. ورغم أن روسيا بدأت معركة تحرير <إدلب> لصالح النظام، تتحضر الترسانة الأميركية ومعها الفرنسية والبريطانية للتدخل بسرعة إذا تطورت الحرب هناك وتبين أن هناك تغييراً ديموغرافياً مقصوداً وأن سيل اللاجئين سيستمر بإتجاه أوروبا. وعلى عكس <اوباما> المتردد الذي كان يمكن أن يغير مسار الحرب، يبدو أن <ترامب> اقتنع ان مواجهة روسيا في سوريا اليوم هي أفضل من الغد بكل المقاييس. من هنا أصبحت المواجهة في سوريا جزءا من المواجهة الاقتصادية الكبرى مع المحور الصيني لأن العقوبات ضد روسيا وإيران والرسوم الجمركية على الصين لا تكفي وحدها ولا بد من أن تواكب بعرض عضلات عسكري.

باختصار لن تكون <إدلب> نزهة روسية جديدة في سوريا.