25 September,2018

هل تطيح شهادات السياسيين أمام المحكمة الدولية بـ «المعطيات التفاؤلية » التي راهن عليها بري رئاسياً؟

1مع حلول يوم الثلاثاء المقبل في 25 تشرين الثاني (نوفمبر)، يبدأ الشهر السابع للشغور في موقع رئيس الجمهورية، بعدما تكون ذكرى الاستقلال في 22 منه قد مرت من دون احتفال مركزي في جادة شفيق الوزان قرب مرفأ بيروت، ومن دون الاستقبال التقليدي في قصر بعبدا المقفلة أبوابه والذي حل فيه الفراغ ضيفاً ثقيلاً، تماماً كما توقعت <الأفكار> على الغلاف منذ أسبوعين…

   ويتأكد بعد مرور ذكرى الاستقلال ان كل ما قيل قبل أشهر بأنه سيكون للبنان الرئيس الـ13 منذ العام 1943، لم يكن سوى تمنيات لم ترتكز على واقع ملموس أو معطيات دقيقة، تماماً كما يتردد هذه الأيام من أحاديث عن ان الرئيس العتيد للجمهورية سيحل في قصر بعبدا قبل حلول رأس السنة!

   وفيما يتعزز الاعتقاد ان لا رئيس للجمهورية في وقت قريب، انشغلت الأوساط السياسية اللبنانية بالتدقيق في المعطيات التي استند إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري الأسبوع الماضي، للقول أمام زواره بإمكان حصول اختراق على صعيد الشغور الرئاسي، من دون أن يفصح عن مصدر هذه المعطيات التفاؤلية، ولا عن المدة التي يتوقع أن يتم انتخاب الرئيس في خلالها، لاسيما وأن المؤشرات التي كانت ترد من الخارج لم تكن توحي بأن <حلحلة ما> طرأت على مواقف القوى الخارجية من شأنها تحريك الملف الرئاسي اللبناني، في وقت يستمر فيه التشنج على الصعيد الداخلي لاسيما بعد <المواجهة> السياسية الكبيرة التي رافقت التمديد الثاني لولاية مجلس النواب حتى 20 حزيران (يونيو) 2017.

<تفاؤل> بري… صامد

   وإذا كان الرئيس أمين الجميّل قد سارع الى التعليق على المناخ الايجابي الذي أشاعه الرئيس بري الأسبوع الماضي، معتبراً إياه مجرد بث جو تفاؤلي يغطي على تمرير التمديد المجلسي وينقل النقاش السياسي من مكان الى آخر، فإن الذين التقوا الرئيس بري خلال الأيام الماضية وخصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع، لمسوا أن الأجواء التفاؤلية في عين التينة لها ما يبررها، لاسيما وأن معظمها يأتي من الخارج، بالتزامن مع إشارات ايجابية من الداخل لعل أبرزها المواقف التي أعلنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عشية الاحتفال بذكرى عاشوراء، والتي يعتقد بري أنها ستؤسس لحوار بين الحزب وتيار <المستقبل> يعتقد انه يجب ألا يكون حواراً مشروطاً، بل يكون حواراً مفتوحاً على كل المواضيع للوصول الى خواتيم سعيدة. ويعمل الرئيس بري على أن يرى هذا الحوار النور قريباً بالتنسيق مع حليفه الدائم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. ورغم عدم ظهور أي موقف ايجابي بعد من طرف <المستقبل>، فإن الرئيس بري بدا متفائلاً بامكانية الوصول الى تقدم في هذا المجال من شأنه أن يبرّد المناخ العام ويعيد تحريك الملف الرئاسي، وهو يراهن خصوصاً على خيار <التعاون والتنسيق> الذي ظهر بين <المستقبل> وحزب الله خلال <معركة> التمديد للمجلس النيابي والذي أعاد ولو في استحقاق دستوري واحد، عقارب الساعة الى الوراء، عندما كان <التحالف الرباعي> سيد انتخابات العام 2005، ثم تكرر في 2009.

   وينقل زوار عين التينة عن الرئيس بري قناعته بأن المعطيات الداخلية لتفاؤله تتطلب جهداً لتصبح أمراً واقعاً، في حين يبدو أكثر ارتياحاً للمعطيات الخارجية التي رفعت منسوب تفاؤله، وأبرزها المفاوضات المستمرة بين طهران ودول الـ5 + 1 حول الملف النووي والتي يعتقد <أبو مصطفى> انها ستنتهي الى توقيع الاتفاق الأولي الذي سيتكرس في غضون الشهرين المقبلين بعدما تكون كل التفاصيل العملية المرتبطة به قد أنجزت، ولاسيما منها التفاصيل التنفيذية. إلا ان الزوار يلمسون ان التفاؤل الذي يظهره رئيس مجلس النواب ليس <مفتوحاً> أو <محسوماً> تبعاً للتعاطي الدولي مع الملف النووي الإيراني بعدما برزت في الآونة الأخيرة تباينات بين الموقفين الأميركي والأوروبي (وخصوصاً الفرنسي) رغم الاهتمام الذي تبديه الادارة الفرنسية للوصول الى تفاهم مع إيران يطوي صفحة ملفها النووي نهائياً. لذلك يتم التعاطي بحذر مع التأثيرات الخارجية على الاستحقاق الرئاسي، خصوصاً ان المعطيات التي جعلت الرئيس بري يتفاءل لا تزال تحتاج الى <شدشدة> لأنها لم تصل الى درجة الجزم. غير انه سواء تم التوقيع على الاتفاق النووي في 24 الشهر الجاري أو تم تمديد المهلة نحو 60 يوماً، فإن الثابت ان <قطار> التفاهم الإيراني ــ الأميركي (وربما أيضاً الأوروبي) قد أرسل صفيره، وهذا ما برز جلياً من أجواء المفاوضات التي حصلت في مسقط والتي لم تنتهِ الى نتائج سلبية بدليل ان الرئيس الأميركي <باراك أوباما> قال إن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون مهمة ومؤثرة في الشرق الأوسط.

   واللافت في الشق الخارجي من التأثير على الاستحقاق الرئاسي، ان الرئيس بري التقى مع آخرين في إدراج البيان الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي والذي حثّ القادة السياسيين في لبنان على إجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت مبدياً القلق من استمرار الفراغ في الرئاسة اللبنانية، ضمن المعطيات التي تبعث على التفاؤل لأنها المرة الأولى التي يُعطى للاستحقاق الرئاسي هذا الحيز الكبير من بيانات الأمم المتحدة عن لبنان مع إقامة رابط بين استمرار الاستقرار في الأراضي اللبنانية وانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وسعى الرئيس بري، ومعه مرجعيات سياسية أخرى الى <التأسيس> على بيان مجلس الأمن وتصنيفه في باب <الضغوط الخارجية التي لا يمكن ردّها>، بحيث يتجاوب الأفرقاء المحليون مع الارادة الدولية الجامعة، ويتم الانتخاب. وقد التقى رئيس الحكومة تمام سلام مع الرئيس بري في <التعويل> على التفاهم الأميركي ــ الإيراني الموعود لتسهيل حصول الاستحقاق الرئاسي انطلاقاً من التسوية التي يمكن التوصل إليها في ظل تفاهم أميركي ــ إيراني سيلقى حتماً التأييد السعودي والأوروبي وينعكس على المواقف الداخلية اللبنانية. وتؤكد مصادر ديبلوماسية ان بيان مجلس الأمن <لم يأتِ من عدم> بل له خلفياته وتأثيراته مستقبلاً.

لا مبالغة بالتفاؤل

   غير ان مصادر متابعة لم تشاطر الرئيس بري التفاؤل الذي أبداه حيال التطورات الخارجية ومدى انعكاسها على الاستحقاق الرئاسي، واعتبرت ان رئيس المجلس أراد <تضخيم> الايجابيات الخارجية لتكون لها انعكاسات على التحرك الداخلي الذي يرعاه على أمل أن يفضي الى تقدم بين الأطراف اللبنانيين. وفي رأي هذه المصادر ان لا مؤشرات حاسمة بعد الى تطورات دولية واقليمية ستمكن من حصول اختراق رئاسي في المدى القريب، لاسيما وأن حظوظ أي تقدم في الملف النووي تبدو متساوية مع عدم حصوله رغم وجود إرادة لدى إيران ودول الغرب في الوصول فعلاً الى اتفاق، ما يعني بالتالي وجود امكانية لتجزئة الحلول إذا لم يكن في الامكان جعلها شاملة كل النقاط العالقة.

   وفي هذا السياق، تقول مصادر ديبلوماسية لـ<الأفكار> ان <إرادة الاتفاق> موجودة وكلما تم التوصل الى تفاهم حول نقطة ما سيتم الاعلان عنها من دون انتظار حصول التفاهم على كل النقاط العالقة. إلا ان الاتفاق المجزأ قد لا يقود بالضرورة الى <تفاهمات> حول مواضيع اقليمية عالقة ومن بينها الملف الرئاسي اللبناني، لاسيما مع وجود تحفظ لدى دول الغرب ــ لاسيما الدول الأوروبية ــ عن رفع العقوبات على إيران قبل الحصول الى التزام واضح منها بالحد من تدخلها في الأزمات الخارجية وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط. وتبدي هذه الدول خشية من حصول <انقلاب> في المعادلة بحيث تصبح الأولوية في الاتفاق مع إيران على حلول للأزمات الاقليمية كشرط أساسي لإنجاز التفاهم النووي، عوضاً عن أن يكون الاتفاق النووي مدخلاً لـ <التفاهمات> الاقليمية!

   وانطلاقاً من هذه المعطيات، فإن المصادر نفسها لا ترى تغييراً قريباً في خريطة المواقف الاقليمية ينعكس على لبنان رئاسياً، لاسيما وأن العلاقة السعودية ــ الإيرانية لم تخرج من دائرة الصراع القوي علماً ان اشارات الانفتاح التي ظهرت بعد لقاءات وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل ونظيره الإيراني <محمد جواد ظريف> في نيويورك، سرعان ان تراجعت وعاد التوتر سيد الموقف بين الدولتين بحيث لم تعد القواسم المشتركة بينهما كثيرة، باستثناء قتال تنظيم <داعش> والتنظيمات الارهابية الأخرى، والتفاهم الذي حصل حول تركيبة السلطة في العراق بعد استبعاد نوري المالكي ودخول السعودية شريكة في إدارة شؤون العراق.

   وتورد المصادر نفسها سلسلة معطيات مصدرها التطورات في اليمن، والتواصل مع تركيا إضافة الى الأحداث في سوريا، لتخلص الى ان التقارب السعودي ــ الإيراني ليس بقريب لأكثر من سبب، ما يدفع على الاعتقاد ان التفاؤل بـ<ايجابيات> المشهد الاقليمي وانعكاسات ذلك على لبنان والملف الرئاسي تحديداً، مبالغ فيه لأن مرحلة الانتظار ستطول إذا ما استمر الربط بين الشغور الرئاسي اللبناني والوضع الاقليمي.

حزب الله مع عون <حتى قيام الساعة>

   في غضون ذلك، تبدو المقاربة الداخلية للاستحقاق الرئاسي وكأنها تدور في الحلقة المفرغة إياها مع استمرار <العجز> الداخلي عن التوافق على الرئيس العتيد، خصوصاً أن الرهان على تجدد الحوار بين الأطراف اللبنانيين لا يزال أسير المواقف المتصلبة من جهة، واستمرار <بورصة> المرشحين الأساسيين على حالها ذلك ان رئيس <تكتل التغيير والاصلاح> العماد ميشال عون بات المرشح المعلن لقوى <8 آذار>، في مقابل مرشح <14 آذار> رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع ومرشح الحزب التقدمي الاشتراكي النائب هنري حلو، إضافة الى مروحة واسعة من المرشحين غير المعلنين رسمياً، لكنهم من <الناشطين> داخلياً وخارجياً على أمل أن يكون أحدهم مرشح <التسوية> المنتظرة.

   غير ان مراجع سياسية متابعة ترى ان لا مجال في الوقت الراهن لمرشح <التسوية>، خصوصاً بعد المواقف التي أطلقها العماد عون وأكد فيها استمراره في المعركة الرئاسية على أساس انه الأجدر في الوصول الى قصر بعبدا رغم <الفيتو> الذي وضعه عليه ــ كما يقول ــ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل والذي أدى عملياً الى توقف الحوار الرئاسي مع الرئيس سعد الحريري رغم ان الحريري قال له في بداية الجلسات الحوارية معه ان لديه <الغطاء> السعودي للذهاب في هذا الحوار حتى النهاية. ولعل في تأكيد العماد عون عدم استعداده للبحث في أي اسم آخر للرئاسة ما يشير الى ان لا <حلحلة> مرتقبة للملف الرئاسي بمبادرة داخلية، لاسيما وان <الجنرال> لا يرى خروجاً من الواقع المقفل إلا بأحد الخيارات الآتية:

   1 ــ إجراء انتخابات نيابية تأتي بتمثيل مسيحي جديد، تدل استطلاعات الرأي على انه سيكون لصالح <التيار الوطني الحر> على أن تلي هذه الانتخابات الرئاسية.

   2 ــ تعديل الدستور للإفساح في المجال أمام انتخاب الرئيس من الشعب على مرحلتين.

   3 ــ إنجاز تسوية وطنية يتولى المجلس الحالي تظهيرها مع التشديد على ان أي تسوية لا يمكن أن تتحقق من دون التسليم بوجوب انتخاب رئيس يملك حيثية شعبية.

   وأتى موقف عون <الذي لا يحتمل أي تأويل> ــ على حد تعبير مرجعية سياسية كبيرة ــ بعد الإعلان الصريح الذي أطلقه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بتسمية العماد عون لأول مرة كمرشح لتولي رئاسة الجمهورية بعد أشهر من الاكتفاء باعتماد سياسة <التلميح>، والذي أتبعه بإيفاد معاونه السياسي الحاج حسين الخليل والحاج وفيق صفا الى الرابية في زيارة ليلية وضعت حداً للتأويلات التي أعطيت للترشيح العلني الذي أعلنه السيد نصر الله. وبعيداً عن التصريحات التي أدلى بها الحاج الخليل في الرابية وتوافرت لها التغطية الإعلامية الواسعة والمعلن عنها سلفاً، فإن مهمة الخليل وصفا في الرابية تجاوزت نقل شكر <السيد> على وصف العماد عون العلاقة مع حزب الله بأنها تطورت من مرحلة <تفاهم شباط 2006> الى مرحلة <تكامل الوجود>، الى التأكيد على جملة معطيات أبرزها ان العماد عون هو المرشح <النهائي> للحزب لرئاسة الجمهورية <حتى ينقطع النَفَس> (كما قال الحاج الخليل)، وان كل ما قيل عن فتح السيد نصر الله باب <المساومة> على ترشيح عون لا أساس له من الصحة بل على العكس فإن ترشيح عون بات عنواناً لنجاح الحزب أو اخفاقه في معركة الرئاسة ما يعني انه سيصبح أكثر تشدداً في التمسك بخيار عون وليس على استعداد للتخلي عنه مهما كانت الضغوط، وان القرار الأول والأخير في موضوع الاستحقاق الرئاسي هو عند العماد عون الذي وصفه <السيد> بأنه صاحب المشروعية الأكبر لتولي الرئاسة كونه الممثل الأوسع للوجدان وللوجود المسيحيين والأقدر في الوقت ذاته على التفاعل مع الآخر ضمن مساحة مشتركة واستناداً الى منطق الشراكة الوطنية الحقيقية وليس الى مفهوم التبعية.

   وترى مصادر سياسية متابعة في التزام حزب الله علانية ترشيح العماد عون رغبة في التعبير مبكراً عن إرادة الحزب في التعاون مع <رئيس مسيحي قوي لا يمكن التأثير عليه بسهولة> لاسيما عندما يتعلق الأمر بقناعته، والدليل ما حصل في جلسة التمديد للمجلس النيابي التي غاب عنها عون ونوابه رغم مشاركة حليفه حزب الله حضوراً وتصويتاً مع التمديد. وعليه، تضيف المصادر نفسها ان الحزب، الذي <احترم> موقف حليفه، بات أكثر اقتناعاً بضرورة <المساعدة> لإنجاز الاستحقاق الرئاسي لتسهيل مهمة وصول عون الى بعبدا، وبالتالي فإن الحوار الذي قد يجريه الحزب مع تيار <المستقبل> لن يكون <على حساب العماد عون>، بل لمصلحته من خلال إبداء بعض المرونة المتصلة بملفات صعبة حتى يخفف الضغط على <الجنرال> نتيجة ما يطرحه الفريق الآخر من <شروط> في مقابل العلاقة الاستراتيجية التي حددها عون مع المقاومة ولا يزال ملتزماً بها.

حوار <المستقبل> ــ حزب الله… هو البديل

   وكشفت مصادر متابعة ان الحوار المرتقب بين <المستقبل> وحزب الله يمكن أن تنتج عنه <ضمانات> يقدمها الحزب لـ<التيار الأزرق> تصب في خانة تسهيل انتخاب العماد عون، لأن <الصقور> في <المستقبل> يعتقدون ان عون غير قادر على تقديم أي <ضمانات>، في حين ان الحزب هو الأكثر قدرة على تنفيذ ما يلتزم به، وعلى إقناع حليفه متى صار في قصر بعبدا بـ<التجاوب> مع الضمانات المطلوبة. وفي هذا الإطار، تعتبر المصادر نفسها ان حوار <المستقبل> ــ حزب الله سيكون  <البديل> عن حوار عون ــ <المستقبل> الذي توقف ومن المرجح أن يبقى متوقفاً خصوصاً بعد اتهام عون وزير الخارجية السعودية بـ<إجهاض> التقارب العوني ــ <المستقبلي>. وفي اعتقاد المصادر المتابعة ان الموضوع الأبرز على أجندة الحوار بين <الحزب> و<المستقبل> سيكون الملف الرئاسي، لاسيما وأن أي اتفاق بين الطرفين على <تحرير> الاستحقاق الرئاسي من الجمود، لا بد أن يلحظ حقيقتين: الأولى ان ضرورات التوازن والشراكة ستفرض أن يكون الرئيس العتيد مقبولاً من إيران، مثلما يكون رئيس الحكومة المقبل خياراً سعودياً يحظى بموافقة إيران من خلال موافقة حزب الله، إذ من المستحيل أن يكون رئيس الجمهورية ورئيس حكومته خياراً سعودياً لا شراكة فيه. من هنا، تضيف المصادر نفسها، تبرز أهمية حوار حزب الله ــ <المستقبل> لأنه قد يُنتج التفاهم المطلوب لتسهيل إجراء الانتخابات الرئاسية خصوصاً ان الحزب يملك تفويضاً إيرانياً مفتوحاً في كل ما يعود الى الوضع في لبنان والاستحقاق الرئاسي في المقدمة، في حين يحظى تيار <المستقبل> برعاية سعودية تكسبه حالياً <حصرية> التمثيل السني في لبنان بدليل ان هبة المليار دولار لدعم الجيش اللبناني تولى الرئيس الحريري تسييلها بقرار من العاهل السعودي نفسه.

   وإذا كانت زيارة رئيس كتلة <المستقبل> النيابية الرئيس فؤاد السنيورة ومدير مكتب الرئيس الحريري السيد نادر الحريري الى عين التينة قبل أيام قد تناولت الاجتماعات المرتقبة لمواجهة الطعن <العوني> في قانون التمديد المجلسي، فإنها كانت فرصة لاستشراف ما يمكن أن يؤول إليه الحوار مع حزب الله انطلاقاً من المعايير التي حددتها مبادرة الرئيس الحريري، والرد الايجابي عليها الذي صدر عن السيد نصر الله في خطابه عشية ذكرى عاشوراء، وفي المعلومات ان الرئيس بري الذي يشجع اطلاق العملية الحوارية باشر مع الرئيس السنيورة في وضع الإطار الصحيح لها مع جدول أعمال كفيل بوصول الحوار الى خواتيم سعيدة إذا كُتب له أن يبدأ، على أن يؤدي الحوار رئاسياً الى تفاهم على شخص الرئيس العتيد وهوية رئيس حكومته، إضافة الى التفاهم على الخطوط العريضة للقانون الانتخابي الجديد.

تداعيات الشهادات أمام المحكمة الدولية

   وسط هذه الأجواء غير الحاسمة لإمكانية حصول أي تفاهم بين حزب الله و<المستقبل>، برزت مع بداية الأسبوع مخاوف من أن تطيح الشهادات التي بدأت في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مع النائب مروان حمادة وما حوته من معلومات ومعطيات، بكل المناخات الحوارية التي يجهد الرئيس بري لإنضاجها، لاسيما وأن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق كان قد أبدى مخاوف من أن تؤدي هذه الشهادات التي ستستكمل مع الرئيس فؤاد السنيورة وعدد من معاوني الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي وصفها الوزير المشنوق بأنها <من أصعب ما يمكن سماعه>، الى أزمات جديدة قد يكون من الصعب احتواءها. وفي هذا الإطار، قالت مراجع رسمية لـ<الأفكار> ان مناخات التوتير السياسي التي قد تحدثها هذه الشهادات تفرض <استنفاراً سياسياً> لتطويق تداعياتها خصوصاً انها أعادت توجيه الاتهام الى سوريا وحزب الله واستحضرت وقائع ومعلومات كانت قد سببت قبل سنوات اضطراباً سياسياً وأمنياً على حد سواء. وأشارت المراجع نفسها الى ان الجهد الذي سينصب لاستيعاب تداعيات هذه الشهادات قد لا يكون كافياً لتطويقها من دون جهد خارجي فاعل يصب في الاتجاه نفسه وتشترك السعودية وإيران في بلورته لإبعاد <كرة النار> التي بدأت تتشكل من جديد من خلال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، عن الساحة الداخلية، لأن الوضع اللبناني هذه المرة لم يعد محصناً كما كان في السنوات الماضية، نتيجة التمدد الارهابي الذي أشعل مواجهات مع الجيش في البقاع والشمال، وبروز خلايا ارهابية نائمة على السطح من جديد. فهل يقع المحظور وتصح مخاوف وزير الداخلية نهاد المشنوق المعروف عنه تميزه في استشراف أحداث المستقبل، الايجابية منها والسلبية؟ الجواب قد يأتي هذه المرة من <لايستندام> في ضاحية <لاهاي> حيث مقرّ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان!