16 October,2018

هل تضع روسيا يدها على الغاز اللبناني؟

 

بقلم خالد عوض

سعد-الحريري

المستشارة الألمانية <أنجيلا ميركل> هي من جديد الأوفر حظاً في الانتخابات التي ستجري الأسبوع المقبل. ما سر هذه المرأة التي لا تستخدم قط <التغيير> كشعار لها خاصة أنها تترشح للمرة الرابعة على التوالي وأنها في الحكم منذ ٢٠٠٥؟ شعارها بسيط جداً في هذه الحملة: <من أجل ألمانيا حيث نحب الحياة ونعيشها جيداً>.

هناك عدة أمور تصب لصالح <أنجيلا ميركل>. في المقام الأول هناك البيانات الاقتصادية: النمو جاور ٢ بالمئة في ٢٠١٦ وهو مستمر بالوتيرة نفسها وربما أفضل هذا العام. نسبة البطالة في إنخفاض مستمر وهبطت مؤخرا تحت مستوى الأربعة بالمئة. الميزان التجاري يسجل فائضا يزيد عن ٨ بالمئة. مستوى الدخل للفرد الألماني وصل إلى ٤٥ ألف دولار سنوياً وهو إلى زيادة.

الأمر الثاني أن المستشارة الألمانية نجحت في تجاوز عدة أزمات سياسية ومالية كانت المانيا تخرج منها دائماً أقوى. هناك الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨ التي هددت بشكل خاص منطقة <اليورو> وقدرة <ألمانيا ميركل> على الحفاظ على كل انجازات العملة الموحدة. اليونان بالتحديد كانت الإمتحان الأصعب، فرغم التغيير السياسي الكبير الذي ضرب اليونان رفضاً للفوقية الألمانية والأوروبية في إملاء الإصلاحات التقشفية الصعبة جداً، نجحت <ميركل> في فرض شروطها. الأزمة الثانية جاءت من الشرق، وتحديداً مع مليون نازح سوري لم يتقبل الألمان وجودهم وإحتمال تأثيرهم السلبي على مستقبلهم الثقافي والاقتصادي، ولكن <ميركل> حافظت على شعار <يمكننا ذلك> لتؤكد أن الشعب الألماني قادر في الوقت نفسه على التعبير عن انسانيته والحفاظ على ثقافته وريادة اقتصاده.

المشكلة الثالثة كانت أزمة <بركزيت> وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي. تمكنت <ميركل> وبشكل لافت من توحيد الموقف الأوروبي ضد بريطانيا في مفاوضات الخروج تحت شعار <لا أسواق مفتوحة في أوروبا من دون سوق عمل مفتوحة في بريطانيا>. أمام البريطانيين اليوم فاتورة تزيد عن ستين مليار يورو للخروج من الإتحاد الأوروبي من الصعب أن يهضمها الاقتصاد البريطاني بسهولة.

وأخيراً كان هناك <دونالد ترامب> الرئيس الأميركي الجديد الذي قارب إهانة <ميركل> في أول لقاء بينهما وتصرف أمامها بشكل غير لائق، مشدداً على ضرورة أن تدفع ألمانيا مستحقاتها إلى <الناتو> وأن تساهم فيه بشكل اكبر. استوعبت المستشارة الألمانية الطريقة الاستفزازية لـ<ترامب> وأجلست ابنته <إيفانكا> لاحقا بقربها في مؤتمر في برلين مخترقة <البروتوكول> وأظهرت <برغماتية> شديدة في التعامل مع الرئيس أنجيلا-ميركل الأميركي المتفلت. في المقابل انفتحت أكثر تجاه الصين ووطدت العلاقة مع الرئيس <شي جين بينغ>.

لا تحتاج <أنجيلا ميركل> إلى وعد الألمان بالتغيير لأنهم في حال جيدة جدا اليوم وأفضل اقتصاديا من شعوب كثيرة في العالم الأول، كما أنها أصبحت زعيمة <أوروبا> وليس فقط ألمانيا، ولذلك هي تمثل ثاني اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة، لأن الناتج المحلي الأوروبي يقارب ١٧ ألف مليار دولار مقابل عشرين ألف مليار دولار للولايات المتحدة و١٢ ألف مليار دولار للصين الثالثة. من هنا يجب النظر إلى المستشارة الألمانية التي تستعد لولايتها الرابعة ليس فقط من خلال الاقتصاد الألماني بناتج محلي يناهز ثلاثة آلاف وخمسمئة مليار دولار بل من خلال تأثيرها على أوروبا كلها وناتج محلي أربع أضعاف ذلك.

من الصعب إقناع شعب حر ومتطور التفكير وعلى مدى ١٢ عاما أن الشخص نفسه هو الأفضل لقيادة البلاد. وفي ظل مرحلة كل ما فيها هو تغيير، استطاعت <أنجيلا ميركل> أن تثبت بالأرقام والأفعال أن التغيير إلى الأفضل لا يتم بالضرورة عن طريق تغيير الزعماء والحكام.

لا نعرف إذا ما كانت ستجري انتخابات في لبنان في الربيع المقبل، ولكن الأرقام الاقتصادية وكل ما يلف البلد يؤكد ضرورة التغيير، فبين أصحاب السلطة اليوم لا ظل لأسلوب وبعد نظر وبرغماتية <أنجيلا ميركل>.

المشكلة أن الانتخابات عندنا، إن حصلت، فانها لا تجري إلا وفق معيار واحد وحيد: الخوف والتخويف من الآخر. إذا سألت أي ألماني اليوم: ما هي جنسيتك الأولى؟ يقول: أنا أوروبي أولا وألماني ثانيا. في لبنان الجنسية الأولى هي المذهب، والثانية هي الطائفة، والثالثة – هذا إن وصل السؤال إليها – هي الوطن. معظم الناس في لبنان، وقانون الانتخاب يشجعهم على ذلك، سينتخبون وفق جنسيتهم الأولى.

لذلك لا يمكن لنا أبدا حتى أن نحلم أن يقودنا شخص مثل <ميركل>.

رغم كل الفشل الحكومي والسياسي، لا بد من احترام التحرك الدولي الذي يقوم به الرئيس سعد الحريري، فحل المشاكل الداخلية في لبنان لا زال أنجع عندما يتواصل معه الخارج. وفي ظل تدويل الصراع الإقليمي في سوريا فإن زيارة الحريري لموسكو لها طابع خاص. الروس مهتمون بغاز المتوسط، وفي لبنان مصدر مهم للغاز حتى لو كان بسيطا بالمقارنة بالغاز السوري، وطالما أنه من مصلحة روسيا أن تضع يدها على هذا الغاز، فيمكن للبنان أن يصيب عصفورين بحجر الغاز نفسه من خلال روسيا. الأول هو منع التعديات الإسرائيلية والثاني هو التخفيف من الانتفاخ العسكري لحزب الله. لذلك يمكن تلخيص زيارة الحريري لكل من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا بمسار دولي للغاز اللبناني بين <إكسون موبيل> الأميركية و<توتال> الفرنسية و<غازبروم> الروسية أو شركات مملوكة أو تتفرع عن الثلاث. فالمطلوب هو مظلة أميركية ووساطة فرنسية حامية ومصالح روسية مباشرة حتى يتم الإفراج عن الغاز اللبناني، ويبدو أن الحريري واع لأهمية هذا المثلث الغازي.

إذا استطاع الحريري تحقيق المعادلة الغازية الثلاثية نكون قد دخلنا في مرحلة اقتصادية جديدة، وساعتئذٍ يستحق أن ننظر إليه بالمنظار نفسه الذي ينظر الألمان به إلى مستشارتهم القديمة الجديدة.