12 December,2017

هل تضرب رياح التغيير الآتية من الغرب الفكر الانتخابي في لبنان؟

بقلم خالد عوض

AOUN

التدقيق في أسباب إختيار الفرنسيين للرئيس الجديد <إيمانويل ماكرون> يشير إلى أن السبب الأهم كان وعده بتغيير الوجوه السياسية في الحكومة وحتى في البرلمان. صحيح أن الفرنسيين اتحدوا ليرفضوا اليمين المتطرف الذي تمثله المرشحة الخاسرة <مارين لوبين>، كما أنهم توافقوا انتخابياً على البقاء في أوروبا، ولكن ذلك لم يكن السبب الأول لانتخابهم <ماكرون>.

فإذا احتسبت الأصوات الممتنعة والبيضاء في الدور الثاني من الانتخابات الذي اكتسح خلاله <ماكرون> بنتيجة ٦٥ بالمئة مقابل ٣٥ بالمئة <للوبين>، إلى جانب الأصوات التي حصل عليها <جان – لوك ميلانشون> مرشح اليسار الجديد بشعاره <فرنسا غير الخاضعة> في الدور الأول، مع أصوات <لوبين>، تكون نسبة الفرنسيين الذين لم يكونوا يمانعون إجراء استفتاء على البقاء في منطقة <اليورو> أعلى من النسبة التي انتخبت <ماكرون>، مما يعني أن موضوع <أوروبا> لم يكن هو العامل المؤثر في نجاح الرئيس الشاب بقدر ما كان كلامه عن تغيير الوجه السياسي لفرنسا. حتى إذا نظرنا جيدا إلى تفاصيل برنامجه الانتخابي نجد أن الفوارق مع سياسة <فرنسوا هولاند> ليست كبيرة، بل يمكن القول أن الخطوط العريضة هي نفسها مع بعض الإصلاحات في قطاع العمل.

باختصار كلام الرئيس الفرنسي الجديد عن أنه لن يكون في حكومته الجديدة أكثر من ١٥ وزيراً نصفهم من السيدات، وأكثر من عشرة منهم لم يسبق لهم العمل السياسي، كان جذابا للغاية. والجاذبية الشعبية نفسها تنطبق على وعده الآخر، أن يكون أكثر من نصف مرشحي تياره <الجمهورية إلى الأمام> (La Republique En Marche) إلى الانتخابات النيابية في حزيران (يونيو) المقبل من الذين لم يتعاطوا السياسة من قبل.

ما قاله <ماكرون> لناخبيه هو بكل بساطة: لا يهم الكلام عن تفاصيل برنامج من هنا أو هناك من الصعب الإلتزام بها، المهم الخطوط العريضة، ولكن الأهم هو من سينفذ ذلك. فالتغيير الحقيقي يبدأ بالأشخاص وليس بالكلام والبرامج الانتخابية والوعود الرنانة التي لا ينفذ معظمها.

فرنسا ليست بخير. الأخطار الثقافية والاقتصادية والقارية ما تزال تحوم حولها، كما أنها لا زالت وجهة رئيسة للإرهاب، ولكنها اختارت التغيير بالشكل على الأقل حتى يصبح Pr-Minister-Saad-Hariri-Attends-a-Conference-at-the-Grand-Serail-9التغيير من الداخل ممكناً ولكي تزيد من مناعتها في مواجهة تحديات المستقبل..

المثل الفرنسي يصلح أمثولة للبنانيين. فالناس الذين <يطبخون> قانون الانتخاب هم انفسهم الذين حكمونا منذ ربع قرن، بل أكثر بكثير إذا أخذنا في الاعتبار أن بعضهم كان يحكمنا حتى في سنوات الحرب. الاقتصاد في الحضيض، والوضع السياسي لا تكفي كلمة <إهتراء> لوصفه، وما زلنا ندور في فلك الأشخاص أنفسهم أو الذين يختارونهم لنا. حان الوقت لدخول تيارات جديدة على الساحة السياسية عابرة للطوائف فعلا لا شكلا، توقظ الأكثرية الصامتة من سباتها وانسحابها من المعترك الوطني وتحيي بعض الأمل أن مستقبل البلد يمكن أن يكون بخير.

هذا لن يصح برفع شعار <محاربة الفساد> أو <الإصلاح> أو <سيادة لبنان> أو غيرها من الشعارات التي سرعان ما يتبناها هؤلاء أنفسهم الذين <أكلوا من البلد وشربوا عليه>. كل المطلوب هو شعار واحد يقصي كل هؤلاء مثل <لبنان يستحق غير الذين حكموه منذ أكثر من ربع قرن أو حتى ابنائهم وأقاربهم ومن يختارونه هم للبنانيين>. تكفي المناداة بالتغيير لكي تهز عرش كل الذين يستأثرون بالسلطة اليوم وكأنها باقية فانية لهم ولو بالمداورة. يجب أيضاً الاعتراف أنه لا يمكن إلغاء هؤلاء لأسباب تاريخية وعائلية ومذهبية، ولكن يمكن تقديم البديل ولو بصورة متواضعة في البداية. الهدف هو ضخ دم وفكر جديد في طريقة إدارة البلد رغم كل <الخصوصيات اللبنانية> التي يتحججون بها. ليس بالضرورة أن يكون أي طقم جديد أفضل من السابق خبرة وحرفنة سياسية منذ اليوم الأول، ولكن ساعة التغيير أزفت في البلد ولا بد منه حتى لو كانت النتائج بطيئة في البداية.

لم يخسر الرئيس الفرنسي السابق <نيكولا ساركوزي> في انتخابات اليمين المؤهلة للترشيح إلى الرئاسة بسبب برنامجه أو بعض الشبهات عليه، ولم تخسر <هيلاري> زوجة الرئيس السابق <بيل كلينتون> في الولايات المتحدة بسبب قصة بريدها الإلكتروني، فالإثنان كانا يرمزان بطريقة أو بأخرى إلى الماضي والناس في الغرب تريد المستقبل وليس التكرار حتى لو جاء بحلة جديدة.

معبر جدا في السياق نفسه، عزوف الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> عن الترشح للانتخابات، وهذا لم يحصل منذ نصف قرن تقريبا أي أن لا يحاول الرئيس في فرنسا تجديد ولايته.

في لبنان أشخاص يتداولون السلطة منذ عقود والبلد إلى الوراء. يسجنون الشعب في الخوف من الماضي حتى تستمر وكالتهم عنه.

ويصح قول <أبو نواس> في اللبنانيين إذا أعيد انتخاب الطبقة السياسية الحالية كما هي: <وداوني بالتي كانت هي الداء>.

لا مستقبل للبنان إذا ظل هؤلاء، من قريب أو بعيد، في السلطة.