19 September,2018

هل تصل التحقيقات في رشى الكلية الحربية الى ”الرؤوس الكبيرة“ أم تقتصر على الصغيرة؟  

michel-aoun-josweph-aoun(1)قبل أسبوعين، زار قائد الجيش العماد جوزف عون، رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا، في خطوة ظلت بعيدة عن الإعلام، وقيل يومها ان البحث تناول التطورات العسكرية في جرود عرسال ورأس بعلبك والقاع، والتحضيرات الجارية لاقتلاع ما تبقى من تنظيمات ارهابية في الجرود. إلا انه سرعان ما تبين ان زيارة العماد عون الى الرئيس عون لم تكن ذات أهداف أمنية وعسكرية مرتبطة بتطورات الأحداث على الجبهة الحدودية مع سوريا، بل كانت لوضع رئيس الجمهورية في صورة حدث غير مألوف في المؤسسات العسكرية: رشى دُفعت لادخال تلامذة ضباط في الكلية الحربية!

المطلعون يرون ان الرئيس عون لم يفاجأ بالخبر لأنه كان تلقى قبل انتخابه رئيساً للجمهورية معلومات عن رشى تُدفع لتأمين دخول تلامذة ضباط الى المدرسة الحربية، وقد تناهى الى مسامعه آنذاك ان ثمة شبكة تقف وراء هذا العمل لكنه لم يكن قادراً، من موقعه كرئيس لـ<تكتل التغيير والاصلاح>، القيام بأي إجراء بل ترك للقيادة العسكرية في حينه معالجة هذا الأمر بعيداً عن الأضواء حفاظاً على هيبة المؤسسة العسكرية من جهة، والكلية الحربية من جهة أخرى.

 

<ما حدا فوق راسو خيمة>

 

ويضيف المطلعون ان هذه المسألة لم تغب عن بال <الجنرال> بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، وفي أحد اللقاءات التي عقدها وهو رئيس، مع القائد السابق للجيش العماد جان قهوجي طلب منه عدم اصدار نتائج مباراة الدخول الى الكلية الحربية لأن ثمة <قيل وقال> حولها، لكن العماد قهوجي أبلغ الرئيس عون يومها انه وقع قبل يومين (من الموعد) النتائج وتم تعميمها تمهيداً لالتحاق الناجحين بالكلية وبدء سنتهم الأولى. ومرّت الأيام وحصل التغيير على مستوى قيادة الجيش وظل هذا الملف في ذهن الرئيس عون واهتماماته، لكن كثرة المشاغل الرئاسية قدّمت عليه مواضيع أخرى طارئة وملّحة، الى أن حرّك العماد عون الملف من جديد ليتضح ان ثمة حالة رشى وفساد يقف خلفها عسكريون من رتب مختلفة ومدنيون توسطوا لدخول عناصر ورتباء وضباط الى الجيش. وكانت ردة فعل رئيس الجمهورية حاسمة إذ قال لقائد الجيش اذهبوا في التحقيق حتى النهاية <وما في حدا فوق راسو خيمة مين ما كان>! وهكذا مضى التحقيق حتى برزت معطيات دقيقة عن دفع أشخاص آلاف الدولارات لقاء <ضمان> ادخال ابنائهم في السلك العسكري. وأول الغيث كان توقيف ضابط متقاعد في الأمن العام من آل الجمل دارت حوله شبهات تشكيل شبكة من العسكريين والمدنيين تمكنت من ادخال تلامذة الى الكلية الحربية ورتباء الى مختلف قطعات الجيش. وصارت الاعترافات تكر لأسماء مدنيين وعسكريين، بعضهم دخل في <اللعبة> من دون ادراك مخاطرها، والبعض الآخر <استهوته> المسألة فاعتبرها مهنة اضافية تدر عليه أموالاً طائلة يتقاسمها مع شركاء مدنيين وعسكريين، الى جانب مهنته الأصلية كمسؤول في إحدى محطات التلفزة اللبنانية وهو الذي دشّن <نشاطه> الجديد بإدخال ابنه الى الكلية الحربية!

 

200 ألف دولار أعلى <سعر>

 

وكي تتهاوى أحجار <الدومينو>، راح التحقيق يكشف يوماً بعد يوم المزيد عن المستفيدين والمتورطين والراشين، وبعض هؤلاء قيل له انها الوسيلة الوحيدة لضمان دخول أبنائهم الكلية الحربية، الى درجة ان أحدهم دفع <تحويشة العمر> التي بلغت 200 ألف دولار ليرى نجمة معلقة على كتف ابنه في ثياب مرقطة! ولعل ما أسهم في كشف المستور، كان رسوب عدد من هؤلاء الطلاب في امتحان الدخول الى الكلية الحربية، ما جعل أهلهم يراجعون <السمسار> الذي استوفى منهم الرشى وسؤاله عن أسباب الرسوب وهو الذي قال لهم ان أولادهم لن يرسبوا في الامتحانات لأنه <ظبّط> القضية وأحاطها من كل الجوانب، ولا خوف بالتالي على مستقبل الأولاد. ومع تقدم التحقيق راحت الحقائق تنكشف واحدة إثر أخرى بحيث اتضح ان مسؤولين في إحدى الجمعيات الدينية ــ السياسية في بيروت على صلة بالشبكة، وان هؤلاء على تواصل مع ضباط ــ بعضهم برتب عالية ــ سهلوا عملهم الجديد وكان لهم النصيب المناسب لما فعلوه.

التحقيقات الأولية تكاد تنتهي في قيادة الجيش. والملفات يتسلمها تباعاً قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا الذي تلقى ضمانات بأن السير حتى النهاية في هذا الملف هو مطلب أركان السلطة ولاسيما رئيس الجمهورية وقائد الجيش وان لا مجال للشفاعات من أي جهة أتت أو <لفلفة> القضية وصولاً الى توقيف المتورطين، العسكريين والمدنيين على حد سواء، لأن وصول الفساد الى المؤسسة العسكرية يعني تخطي الخطوط الحمر ما يفرض التعامل بجدية مع <الفضيحة> واعتماد الشفافية التي قال العماد عون انها ستكون مقاربة هذا الملف الحساس.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة لـ<الأفكار> ان الاعترافات التي أدلى بها المتورطون ألقت أضواء كاشفة على جهات مشتركة في قبض الرشى وتسهيل دخول تلامذة ضباط ورتباء الى المؤسسة العسكرية. غير ان كرة الثلج الفضائحية لا تزال تكبر يوماً بعد يوم، والتركيز الآن على معرفة الضباط الذين كانوا طرفاً في الشبكة خصوصاً بعدما اتضح انه لم يكن من السهل دخول الكلية الحربية لهؤلاء التلامذة لولا تأثير ضباط من ذوي النفوذ أو المواقع الحساسة في الهيكلية العسكرية.وعليه تؤكد المصادر نفسها ان لا اكتفاء بـ<الرؤوس الصغيرة> بل البحث جار عن <رؤوس كبيرة> كانت طرفاً أساسياً في تقاضي الرشى وتسهيل اختراق المناعة الموجودة في المؤسسة العسكرية. غير ان الوصول الى هذه <الرؤوس> لن يكون سهلاً لأن اعترافات الموقوفين تصل الى مكان معين ولا تتخطاه في انتظار إزالة أسباب خوف هؤلاء المتورطين من تسمية <الحيتان الكبيرة> التي أدارت الشبكة ولو من بعيد.

 

<الرؤوس الكبرى>

وتؤكد المصادر نفسها ان ما حصل بالنسبة الى دخول الكلية الحربية، تكرر بالنسبة الى تطويع عسكريين ومجندين في الجيش وإن على نطاق أضيق، وان أسماء بعض الذين أداروا <الشبكة> وردت خلال التحقيقات التي جرت في مسألة دخول عسكريين رتباء ومتطوعين لاسيما في إحدى المحافظات اللبنانية الكبرى التي تعتبر خزاناً لا ينضب من الراغبين في خدمة وطنهم من خلال المؤسسة العسكرية. وتساءلت المصادر عما إذا كان التحقيق سيصل الى حد تسمية <الرؤوس الكبيرة> ــ ان وجدت ــ ومعاقبتها، أم انه سيتوقف عند مستوى معين تفادياً لردود فعل قد تحصل حيال توقيف متورطين كبار في الفضيحة.

كل الدلائل تشير الى ان لا هوادة في الذهاب الى النهاية مهما كلف الأمر لأن ملاحقة الفاسدين واجبة في الادارات والمؤسسات العامة، فكيف إذا كانت المؤسسة المستهدفة هي المؤسسة الوطنية التي تقدم الشهيد تلو الآخر على مذبح الشرف والتضحية والوفاء؟!