22 September,2018

هل تصبح ”داعش“ وريثة الحالة الشيوعية في القرن الواحد والعشرين؟

3

سحب سوداء تتهيأ للتجمع في سماء المنطقة، ولبنان جزء لا يتجزأ من المنطقة، إن لم نقل انه رافد من روافد الأحداث فيها، وها هو وزير الدفاع الفرنسي <جان ايف لودريان> يحذر من أحداث جسام في الشرق الأوسط، بدءاً من ليبيا، من خلال حديثه الى جريدة <الفيغارو> الباريسية صباح الثلاثاء الماضي.

   والبوصلة في أحداث المنطقة يمكن رصدها من خلال ضيف المنطقة وزير الخارجية الأميركي <جون كيري> بدءاً من زيارته للبلد الأم المملكة العربية السعودية، والأردن، والعراق، وربما لبنان. ويحمل <كيري>  تحت ابطه ملف المحادثات والمقررات التي انتهت إليها قمة دول الحلف الأطلسي في <ويلز> البريطانية، بمشاركة 44 دولة أطلسية من ضمنها تركيا، في رد غائلة أخطار تنظيم <داعش> عن بلدان المنطقة، قبل أن تصل خلال شهر الى القارة الأوروبية، وخلال شهرين الى القارة الأميركية، كما تنبأ خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في حديثه الى السفراء الجدد المعتمدين في المملكة.

   ولا بد أن يكون كلام العاهل السعودي قد ترك أثره في الديبلوماسية الأميركية، فجاء الوزير <كيري> يسأل عن المعطيات التي يملكها خادم الحرمين الشريفين وهو يرسل هذه التحذيرات الى دول أوروبا وأميركا. وهناك معلومات مخابراتية تقول إن أسامة بن لادن جاء نيويورك من الجو، يوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الذي صادفت ذكراه أمس الخميس، ولكن أبو بكر البغدادي زعيم <داعش> سيأتي نيويورك عن طريق البحر، وربما في سفن محملة بالأخشاب، أو البترول، أو المواد الغذائية. ولكن كيف؟! هذه <الكيف> تبقى مسؤولية البحث والاستقصاء للمخابرات الأميركية، وبالتالي الديبلوماسية الأميركية التي يعمل على رأسها وزير الخارجية <جون كيري>.

   وسوف يجد المستر <كيري> صعوبة في اقناع دول الخليج بالانضمام الى الحملة الأطلسية العالمية او الحلف الأممي ضد تنظيم <داعش> إذا أفسح في المجال لانضمام اسرائيل الى هذه الحملة، لأن العرب لن يحاربوا الى جانب اسرائيل التي تحتل أرض فلسطين في الوسط والجنوب، وتحتل أراضي مزارع شبعا، ومرتفعات كفرشوبا، وتحاول غسل يديها من المجازر التي ارتكبتها خلال الأشهر الماضية في قطاع غزة وقتلت النساء والأطفال، ولا تزال تمضي في بناء المستوطنات على حساب الأرض الفلسطينية، واسرائيل متحمسة لدخول الحملة ضد <داعش> طلباً لتطهير نفسها أمام العالم من الآثام المرتكبة بحق الفلسطينيين والعرب.

   وسوف يجد المستر <كيري> صعوبة أيضاً خلال مؤتمر جدة لمحاربة <داعش> أمس الخميس،في عدم الخلط بين <داعش> والمعتقدات الاسلامية التي تتبرأ أصلاً من أعمال <داعش>، وتدينها من أعلى المقامات الدينية، بدءاً من مفتي المملكة السعودية الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الذي اعتبر خلال لقائه بوزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أن <داعش> يصب في خدمة اسرائيل.

على غرار 1991

   ويحاول المستر <كيري> أن يجمع صفوفاً عربية، وتحديداً صفوفاً خليجية الى جانب الحملة الأطلسية الدولية على <داعش>، مثلما فعل نظيره الوزير <جيمس بايكر> والجنرال <نورمان شوارزكوف> في جمع دول عربية ولاسيما خليجية في الحملة الحربية الواسعة ضد صدام حسين عندما احتل الكويت واعتبرها المحافظة العراقية التاسعة عشرة، ونجحت الحملة يومئذ في رد جيش صدام حسين على أعقابه، وحصره في الدائرة العراقية وصولاً الى الاطاحة به عام 2003.

   فكيف سيرد <داعش> على الحملة الأطلسية؟!

1

   واضح حتى الآن أن خطته ترمي الى توسيع نفوذه من العراق وسوريا باتجاه الأردن ولبنان، ودول خليجية، لإرباك السياسة الأميركية، خصوصاً وأن <كيري> قد صرح ليل الاثنين الماضي ان الحرب ضد <داعش> طويلة وقد تستغرق شهوراً وربما سنوات.

   وهكذا تفاءل المستر <كيري>… بالخير، أي أمامنا نحن اللبنانيين والعرب شهور طويلة وربما سنوات لنتخلص من الكابوس الداعشي الذي ينحر البشر كما ينحر البقر، ولا يخاف من عقاب، ناسياً في النهاية عقاب السماء الذي هو فوق كل عقاب.

   وحين طلبنا في هذه الصفحات منذ أسابيع بأن تكون عين الدولة على عكار، لم نكن نخترع البارود، ولا نضرب المندل، بل هي نذر معلومات جمعناها من بعض أهل عكار، وتقول إن الحرمان في تلك المنطقة أرض خصبة لتمدد مخاطر <داعش>، وان الحرمان يستدرج <داعش>، ومطالب <داعش> بالافراج عن المساجين الاسلاميين في سجن رومية مقابل الافراج عن العسكريين المختطفين، يجب أن ترد عليها الحكومة بالتلبية، وها هو مفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا ينضم الى المطالبين بفك أسر الاسلاميين في سجن رومية ويقول: <إن الروح أغلى من هيبة الدولة والدول الكبرى والعظمى تفاوض، وأية هيبة ستبقى إذا قطعت رؤوس البقية؟ والتبرير بأن من في سجن رومية قادة ارهابيين قول مرفوض>.

وساطة قطر..

   والمهم الآن أن تتوصل الدولة الى الافراج عن المساجين الاسلاميين والحؤول دون سقوط أي منهم ذبيحاً بسكين <داعش>، والدولة تتوسط في هذا السبيل دولاً ومنظمات، ومن هذه الدول دولة قطر التي أرسلت اثنين من ضباطها في الأسبوع الماضي الى عرسال والقلمون السورية لاستكشاف فرص الافراج عن العسكريين المختطفين، واستحق ذلك تحية من الرئيس تمام سلام لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وقد جاء ذبح الجندي ابن البقاع عباس مدلج، ليعطل الوساطة ويعيد تنظيمها من جديد، في وقت تكثر التكهنات بأن الآتي أعظم، وان موقف حكومة الرئيس تمام سلام لا يحتمل الحسد، لأن قدرة الحكومة على حل مشكلة العسكريين المخطوفين محدودة، برغم امتلاك الحكومة ــ كما يقول رئيسها ــ الكثير من الأوراق السياسية والأمنية.

   وهناك مخاوف من أن تعم ظاهرة الخطف والخطف المضاد كما فعل أهالي المخطوف أيمن صوان ابن بلدة سعد نايل، <وتفرجون عن أيمن نفرج عمن عندنا>. وقد أخلي سبيل أيمن في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء الماضي. والخطف جرم يعاقب عليه القانون، أي ان مساجين آخرين من الخاطفين سينضمون الى مساجين رومية إذا قررت الحكومة أن تحزم أمرها وتطبق القانون، أم تعتبر الخطف والخطف المضاد حالة فوضى نجمت عن اعتبارات انسانية، فلا تحاسب الخاطفين رداً على خطف أيمن صوان.

2

 

   ولئن كان اجتماع مجلس النواب متعذراً، فالبديل هو دعوة الرئيس تمام سلام قادة البلاد الى الاجتماع في السراي الحكومي الذي هو الآن البديل عن قصر بعبدا، بعد شغور كرسي الرئاسة الأولى، فيجلس العماد ميشال عون جنباً الى جنب مع الدكتور سمير جعجع، ويجلس الرئيس فؤاد السنيورة جنباً الى جنب مع الحاج محمد رعد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، ومعهم الرئيس أمين الجميّل، والرئيس اميل لحود، والرئيس ميشال سليمان، ووزير الدفاع سمير مقبل، ووزير الداخلية نهاد المشنوق، ليرددوا قول أمير الشعراء أحمد شوقي: <نحن اجتمعنا ها هنا حتى نرى في أمرنا>. وهكذا كان أي رئيس جمهورية منتخب سيفعل فتنعقد جلسة للحوار الوطني للبت في المشاكل المستعصية ويكون هناك رد جماعي على السؤال: <هل نستسلم ونقايض أم نكتفي بالمفاوضة وانتظار الأسوأ؟>.

   كل هيبة الدولة مطروحة أمام هذا اللقاء الوطني.. فالافراج عن المساجين الاسلاميين في رومية دون محاكمة مخالفة للقانون ولهيبة القضاء، والتعجيل في محاكمة المساجين الاسلاميين سيأخذ وقتاً، رغم انه أمر معجل، والبلاد لا تحتمل التأجيل.

   وحدها الدول الصديقة، مثل قطر وتركيا، قادرة على اخراج لبنان وقادة لبنان من هذا المأزق الذي تضرب مخاطره حركة البورصة والأسهم والحركة الاقتصادية عموماً، ناهيك عن الشعور بالخوف الذي يمتلك سواد اللبنانيين، ولاسيما المسيحيين منهم بعد حملات التهجير التي ترتكبها <داعش> في العراق وسوريا.

   آفاق مسدودة أمام أي حل، ولا حل على حساب هيبة الدولة وكرامتها، وحملة الدول الأطلسية على <داعش> لن تنقذ لبنان في هذه المرحلة، بل قد تزيد الأمور تعقيداً، وتزيد عمليات الخطف والخطف المضاد، وان كانت ستحاول اخراج لبنان من عنق الزجاجة.

   واللهم لا نسألك رد القضاء بل نسألك اللطف فيه!