21 January,2019

هل تشهد ٢٠١٩ تنحية ”ترامب“؟!

بقلم خالد عوض

لا شك أن سنة ٢٠١٩ ستكون استثنائية في أمور عديدة، أهمها أن الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> يمكن أن يعيش في عزلة داخلية كبيرة، فمن جهة أصبح هناك مجلس نواب بأكثرية ديموقراطية لا توافقه في أي أمر، والدليل هو ما حصل مؤخرا حيث توقفت الحكومة الفديرالية عن العمل بسبب الخلاف بين الرئيس والكونغرس حول الحائط على الحدود مع المكسيك، ومن جهة أخرى هناك اليوم أكثر من عشرة تحقيقات قضائية مختلفة تلاحق الرئيس الأميركي، منها ما يتعلق بتدخل روسيا في الإنتخابات التي جاءت به رئيسا عام ٢٠١٦ ومنها بمخالفات مالية لمؤسسته الخيرية وأخرى مرتبطة بتصرفاته كرئيس وعرقلته للعدالة من خلال إقالته لعدة موظفين في الإدارة بالإضافة إلى الفضائح الشخصية المرتبطة بماضيه والتي إعترف بها محاميه نفسه.

هل يلقى <ترامب> مصير <ريشارد نيكسون> الرئيس الأميركي الذي اضطر إلى الاستقالة على أثر فضيحة <واترغيت> عام ١٩٧٤ أو مصير <بيل كلينتون> الذي اتهمه مجلس الشيوخ عام ١٩٩٨ بعرقلة العدالة اثر فضيحته مع موظفة البيت الأبيض <مونيكا لفينسكي>؟ صحيح أن <كلينتون> بقي في الحكم لسنة بعد اتهامه ولكنه كان رئيسا ضعيفا ومكبلا بالاتهام الذي شوه صورته وأفقده وهرته.

كيف يمكن أن يتعايش العالم مع رئيس شبه معزول لأقوى قوة إقتصادية في العالم؟ أو ربما مع عالم على رأسه <مايك بنس> نائب الرئيس الأميركي حاليا؟

 

قرارات ترامب الإرتجالية…. شعبية!

رغم كل الانتقادات وتكتل الإعلام الأميركي والعالمي ضد شخصية الرئيس الأميركي وأسلوبه إلا أن هناك قاعدة شعبية غير بسيطة في الولايات المتحدة لا تزال مفتونة بقرارات الرئيس الأميركي، حتى يبدو مرات أنه يتصرف ويغرد فقط لإرضائها. هذه المجموعة هي التي انتخبته عام ٢٠١٦ وهي التي تريد الحد من الهجرة و<الانسحاب> عسكريا من العالم وفرض رسوم على البضائع المستوردة وإعادة الصناعات الثقيلة إلى المدن الأميركية وخفض أسعار النفط وخفض الضرائب وعدم رفع أسعار الفائدة وغيرها من مواقف <ترامب> المتجلية كل يوم على <تويتر>. وبالرغم من انخفاض شعبية الرئيس الأميركي الى مستوى ٤٠ بالمئة حسب آخر إحصاءات إلى أنه لا زال يتمتع بالتأييد نفسه من الذين انتخبوه أساسا، وهذا يعني أن حظوظه لا زالت كبيرة في البقاء رئيسا في إنتخابات ٢٠٢٠، ولو سألت مواطنا أميركيا اليوم عن رأيه بـ<ترامب> فسيأتي الجواب إما سلبيا جدا أو إيجابيا جدا، وهذا يدل أن من يؤيده أو من يعارضه يفعل ذلك بشدة أي أن الإنقسام في المجتمع الأميركي عميق جدا. باختصار <ترامب> ليس حالة متفلتة كما يظهر من خلال تغريداته بل هو تعبير حقيقي لحالة شعبية أميركية غاضبة.

العبرة في… النتائج!

 

هذه الحالة التأييدية التي ما زالت موجودة هي بانتظار نتائج ملموسة. صحيح أن الأجور بدأت بالارتفاع وذلك لأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، وصحيح أن البطالة هي عند أدنى مستوى لها منذ نصف قرن (تحديدا منذ ١٩٦٩)، ولكن هناك اعتقاد أن <ترامب> حصد النتائج المتوقعة للإجراءات التي بدأت في عهد سلفه <اوباما>، كما أن القاعدة الشعبية الأكبر التي تؤيد <ترامب> لا تزال تنتظر وقائع عملية للحرب التجارية ضد الصين، وكيف سيترجم الاتفاق الجديد مع كندا والمكسيك إلى فرص عمل جديدة ومنافسة أقل من المصانع المكسيكية والكندية. ومن دون نتائج ملموسة في الغرب الأوسط الأميركي معقل مؤيدي الرئيس الأميركي، فالإتجاه الوحيد الممكن لشعبية الرئيس الأميركي هو الإنحدار، فحتى اليوم لم تنعكس قرارات <ترامب> بالإيجابية المرتجاة منها أي أن عدد المصانع الجديدة قليل نسبيا ولا تزال معظم الشركات الأميركية تعتمد على مصانعها المكسيكية والصينية لتصنيع بضائعها. ومع الهبوط الكبير مؤخرا في البورصات الأميركية التي سجلت سنة ٢٠١٨ أول هبوط سنوي منذ ٢٠٠٨ وظهور بعض مؤشرات الضعف في الإقتصاد الأميركي، لن تكون مهمة <ترامب> في الحفاظ على مؤيديه عام ٢٠١٩ سهلة، فمن دون اقتصاد قوي سيتخلى الجميع عن الرئيس الأميركي بمن فيهم أقرب الجمهوريين إليه.

 

احتمالات العزلة حقيقية؟!

 

حتى يتم إتهام الرئيس الأميركي  Impeachment) يجب أن ينال قرار الاتهام على تصويت ثلثي أصوات مجلس الشيوخ الذي هو جمهوري باكثريته، أي عمليا هناك شبه استحالة للاتهام ولعزلة الرئيس الأميركي مهما علت أصوات معارضيه أو تكاثرت الانتقادات ضده في الإعلام. ورغم كل التطبيل عن ضرورة عزل <ترامب> فإن <الاستبلاشمنت> السياسي لا زال إلى جانبه، فلا أحد في الجسم السياسي في الولايات المتحدة اليوم غير مقتنع بضرورة الضغط على الصين أو بأهمية الإنسحاب العسكري من وحول أفغانستان والشرق الأوسط، ولا أحد يعارض الضغط على دول الناتو في أوروبا لكي تزيد من مساهمتها فيه، كما أن فرض الرسوم الجمركية كما فعل <ترامب> لم يكن بالسوء الذي تحدث عنه الإعلام بل على العكس وجه البوصلة التجارية العالمية وخلق الصدمة التي ربما كان قطار العولمة السريع بحاجة إليها، فعندما تضع الولايات المتحدة الرسوم الجمركية غير آبهة بمنظمة التجارة العالمية لن يعترض أحد على لبنان مثلا إن هو لجأ إلى سياسة حمائية لدعم صناعته، فالعولمة أصبحت رديفا <للكبير يأكل الصغير> وهذا أمر لم يعد مستداما لا إقتصاديا ولا إجتماعيا.

إذاً الاعتراض على <ترامب> هو في اسلوبه وكلامه وتصرفاته اليومية مثل اقدامه مثلا على تغيير ٦٥ عضوا من فريقه خلال أقل من سنتين، وهذا رقم قياسي للرؤساء الأميركيين.

ربما ينجح الديموقراطيون بمحاصرة الرئيس الأميركي إداريا وسياسيا ولكن طالما ان الإقتصاد لا زال في نمو قوي، فمن الصعب أن تشهد سنة ٢٠١٩ تغييرا في الهرم الرئاسي…. إلا إذا تمخضت التحقيقات القضائية عن حقائق لا يمكن للأميركيين، جمهوريين وديموقراطيين، أن يتعايشوا معها.