29 January,2020

هل تسهم اتفاقية تبادل المعلومات المالية بين لبنان وسويسرا في استعادة الأموال المنهوبة والمهربة؟

بقلم طوني بشارة

لا يخفى على أحد بأن لبنان وللأسف يعد من أكثر الدول فساداً في المنطقة العربية، إذ انه يحتل المرتبة 138 على مستوى الفساد من أصل 180 دولة حول العالم. وعلى مدار سنوات ماضية وحتى الآن أدى الغياب الواضح لدولة قوية في البلاد الى استشراء الفساد في معظم الوزارات والمؤسسات حيث المحسوبية والرِّشى والهدر ونهب المال العام.

الفساد بالأرقام!

والجدير ذكره أن وسائل إعلامية عالمية صرحت علناً بأن حجم الأموال التي نهبها القادة والزعماء والسياسيون في البلاد كان من الممكن أن تحول لبنان إلى دولة مالية واقتصادية قوية. فصحيفة <وول ستريت جورنال> الأميركية على سبيل المثال لا الحصر، أشارت الى أن <وزارة الخزانة الأمريكية قدرت الاموال اللبنانية المنهوبة بـ 800 مليار دولار>، معتبرة أنها <أكبر جريمة ارتكبت بحق شعب لبنان من قبل 90 بالمئة من الذين حكموا لبنان على كل الأصعدة>، إلا أنه لا يوجد ما يوثق هذه المعلومات التي أوردتها تلك الحسابات والمواقع.

وقريبا من لغة الارقام وبعيدا عن الجدل القائم حول دقة هذه المعلومات التي شكك فيها محللون رغم إقرارهم بأن حجم الفساد والمال المنهوب كبير؛ إلا أنهم يشيرون في الوقت ذاته إلى أن الدين العام اللبناني يصل إلى 86 مليار دولار، وهو سيزداد عاماً بعد عام بسبب تراكم الفوائد، بعد أن كان يقتصر على 40 مليار دولار ونصف المليار تقريبا مطلع العام 2007 مما يؤكد بأن لبنان يعتبر من بين الدول الأكثر مديونية في العالم، وهو يحتلّ المرتبة الثالثة عالمياً من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بحسب صندوق النقد الدولي، اذ بلغت نسبة حجم الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان أكثر من 153 بالمئة، بعد أن كانت 132 بالمئة في عام 2012، و48 بالمئة في عام 1992.

ازاء هذه الارقام باتت استعادة الأموال المنهوبة أو جزء منها مطلباً جماهيرياً كونها كفيلة بإعادة لبنان إلى بلد غير مديون وجعل الوضع الداخلي اللبناني أكثر راحة، رغم عدم وجود موارد ضخمة.

المبادرات للحل!

ولكن كيف تتم استعادة هذه الاموال؟ وهل من الية قانونية يفترض اتباعها؟ وما موقف الخبراء من الاتفاقيات المعقودة في هذا الخصوص؟ وما صحة التضارب بالمطالبة بين المستوى الشعبي والمستوى الرسمي؟ لاسيما وانه ومنذ عام 2016  كان الناشطون قد تقدموا بمقترح قانون <استعادة الأموال المنهوبة> إلى المجلس النيابي، عبر النائب سامي الجميّل، وهو يطول جميع السياسيين السابقين والحاليين منذ عام 1975 حتى تاريخه ويشمل بمن فيهم الشخصيات التي تتمتع بحصانة دبلوماسية. مشددين على ان ما جرى من نهب يعتبر بمثابة سرقة ممنهجة ومتعمدة لخزينة الدولة من قبل زعماء لبنان وزوجاتهم وأتباعهم منذ 44 عاماً ولغاية اليوم، ومؤكدين أن <لبنان ليس فقيراً إنما تم الاستيلاء على امواله>! معتبرين ان مليارات الدولارات مخفيّة لا بل مهرّبة في حسابات شخصيّة عائدة لفئات مدعومة في لبنان والعالم.

وفي المقابل، وعلى الصعيد الرسمي قام رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بتقديم مشروع قانون لاستعادة الأموال المنهوبة يتميّز عن مشروع <حزب سبعة> بأنه لا يطول الحصانات، وقد برّر باسيل هذا الأمر بقوله: إن ذلك بحاجة إلى تعديل دستوري.

ورغم هذه التناقضات ما بين المستوى العام والمستوى الرسمي وبعيدا عن جدل احقية تعديل الدستور، أصبح القانون مطلباً جماهيرياً في لبنان، وقد طرحته أحزاب سياسية أخرى، إلى أن رفعت شعارات تطالب به في المظاهرات التي انطلقت بـ(17 أكتوبر 2019) بالعاصمة بيروت وتوسعت في عموم المدن اللبنانية وما زالت مستمرة.

الوزير حسن خليل والحل المزعوم!

وبقراءة مالية ميدانية ترى <الافكار> أن استعادة الأموال المنهوبة هي مبادرة قامت بها أيضا الأمم المتحدة وتهدف إلى استرداد الأصول المنهوبة من الدولة من قبل أصحاب نفوذ بارزين، وهي مخبأة في الحسابات المصرفية الأجنبية والعقارات والتحف والمعادن الثمينة، وذلك عملاً بما تؤكده اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقّع عليها لبنان في 22 نيسان (أبريل) 2009، وتطول هذه الأموال المنهوبة كل الأموال الناتجة عن الفساد والصفقات العمومية والرشوة والهدر والاعمال الممنوعة في البلد المعني.

وتماشياً مع مطالبة الأمم المتحدة كان لافتاً موقف وزير المال في حكومة تصريف الأعمال علي حسن خليل الذي أصدر بيانا رسمياً بمنتصف كانون الاول (ديسمبر) من العام 2019 أعلن فيه، أنه قد عرض مع المديرين المختصين في الوزارة النتائج التي ستترتب على موافقة الدولة السويسرية لتفعيل الاتفاقية بين لبنان وسويسرا، بعدما اقترن موضوع الموافقة هذه والتي جاءت بناء على تجاوب الدولة السويسرية مع طلب وزارة المالية اللبنانية إدراج لبنان ضمن لائحة الدول المعتمدة من قبلها لتبادل المعلومات الضريبية، بموافقة البرلمان السويسري في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) الجاري، بإعتبار ذلك يمثّل خطوة كبيرة باتجاه مكافحة الفساد وتبييض الأموال، كما ويعزز مطالبات كشف السرية المصرفية عن الأموال المنهوبة التي يشتبه بوجودها في المصارف السويسرية.

ولكن ما موقف الخبراء من الاتفاقية المزعومة؟ وهل من أمل لاستعادة الأموال المنهوبة كما يزعم وزير المال في حكومة تصريف الاعمال؟

مرقص وعدم الجدوى!

الخبير القانوني بول مرقص أفادنا بأنّ اتفاقية التبادل التلقائي للمعلومات المصرفية تعني انّه كما يقوم لبنان بتزويد بلدان العالم وسويسرا من ضمنها بالمعلومات الضريبية عن مقيمين لديه، إستناداً الى قانون تبادل المعلومات الضريبية الصادر عن مجلس النواب في 2016، وافقت الآن سويسرا بدورها على تزويد المركزي بمعلومات يتمكّن من خلالها من تحصيل 10 بالمئة على الفوائد المصرفية من المكلّفين اللبنانيين التي يجنونها من ايداعاتهم في الخارج.

ــ وما مدى فعالية هذا الأمر بالنسبة لمكافحة الفساد؟

– إنّ قرار سويسرا إدراج لبنان على لائحة الدول المعتمدة من قبلها لتبادل المعلومات الضريبية لا يخوّل أي فرد أن يتقدّم بصفة شخصية بطلب الإطلاع على الحسابات المصرفية او على حسابات المسؤولين او اي فرد أودع امواله في مصارف سويسرا.

ــ ولكن أليس لهذا الامر أي جدوى مستقبلا لكشف الفساد في ما يتعلق بالحسابات المالية المهربة؟

– إنّ سويسرا لن تفصح عن أي معلومات تتعلق بحسابات مصرفية لغير غايات ضريبية ولغير بلدان. وفي هذا السياق أؤكد انّ هذا الموضوع يرتبط بما يُعرف بـCRS اي common reporting standards الصادر عن منتدى الشفافية الدولية والتي تجعل الدول تتبادل في ما بينها، ولأغراض ضريبية فقط لا غير، معلومات عن حسابات المقيمين فيها. على سبيل المثال، تفيد سويسرا بموجب هذه الاتفاقية عن أي حسابات لأي مقيم في لبنان ولديه حسابات في الخارج، حتى يتمكّن لبنان أن يجبي منه ضريبة عن الفائدة طالما انّ الفائدة هي ربح.

ــ ألا يمكن إعتبار هذه الخطوة ممراً في اتجاه كشف السرية المصرفية عن الأموال المنهوبة او تلك العائدة الى سياسيين كما صرح وزير المال؟

– وفقا للخبر المنشور، هذا القرار لا علاقة له بالأموال المنهوبة إنما محصور فقط بتبادل المعلومات الضريبية.

وتابع مرقص قائلا:

– انّ سويسرا لن تفصح عن هكذا معلومات لغير غايات ضريبية، وألفت نظر الجميع الى أنّ اموال السياسيين ليست محصورة فقط في سويسرا إنما ربما في أكثر من بلد، كما يمكن أن تكون الحسابات بأسماء مستعارة او بأسماء شركات يؤسّسها سياسيون في الخارج أو يملكون الشركات التي تتملّكها.

 

حبيقة والاتفاق المتأخر!

وللإطلاع اكثر على مدى جدية الموضوع نقلت <الأفكار> رأي الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة الذي أشار الى أن هذا الاتفاق إيجابي كونه بات يسمح بملاحقة من يحوّل أمواله إلى الخارج، وهو ما كان متعذرا القيام به، لكنه اتفاق متأخر، وطبعا يجب أن يرفق بإصدار حكم قضائي كي تكشف المصارف السويسرية عن الأرقام المتوافرة لديها.

وتابع حبيقة قائلا:

– أرى أن المودعين في سويسرا المتخوّفين من ملاحقتهم يمكنهم تحويل أموالهم إلى بلد آخر في أفريقيا أو أميركا… فلن ينتظروا القضاء لمحاسبتهم، لذلك أمور كهذه يجب أن تكون سرية وجدية وأن تطبق الاجراءات لمرة واحدة على الأقل.

ــ أتعتبر هذه المحاولة قابلة للتطبيق؟ وهل هي ذات جدوى لإعادة الاموال المنهوبة؟

– أعتبر انه وبالرغم من الحاجة إلى خطوات مماثلة، إلا أنه في هذه الحالة أعتقد أنها من بين العروض والمحاولات لدفن الاحتجاجات، لأنها لا تطبق وغير جدية، فأي سياسي سيحاكم الآخر؟ والموضوع متشعب وتطبيقه صعب بعض الشيء، فليبدأ المسؤولون بتطبيق القرار على حالة واحدة لإثبات جديته، وأعتقد أنهم لن يقوموا بذلك، بخاصّة على صعيد ملاحقة أموال السياسيين.

ــ الوضع مأساوي لا محالة، والأمل باستعادة الاموال معدوم، ولكن ماذا عن احتمالية خلق ارتدادات ايجابية نتيجة شراء مصرف لبنان سندات خزينة بقيمة مليارَي دولار من الحكومة بفائدة 1 بالمئة، لاسيما بعد التساؤلات حول قدرة الدولة على تسديد ديونها؟

– أن إجراءات كهذه مستمرة وروتينية يقوم بها المركزي لتمويل الدولة، ولا أرى أنها جديدة، وبالتالي لا تشكل صدمة إيجابية مطمئنة. أما في ما خصّ الاستعانة بصندوق النقد الدولي في ظلّ الظروف الاقتصادية التي يمر بها لبنان، فأؤكّد بأنه ما من ضرورة لذلك، لأن الدول التي تلجأ إليه تكون في آخر درجات المرض ويكون الدواء غير متوافر، في حين أن لبنان لم يصل إلى هذه المرحلة المزمنة من الداء، والدواء موجود محلياً لكننا لا نتناوله، وهنا أشدد بأن صندوق النقد لا يتعاطى السياسة بل الأمور الاقتصادية والمالية ويضع برنامجاً يطبّق عبر الحكومات والمؤسسات الرسمية، اما اذا كانت المشكلة محلية سياسية والطبقة الحاكمة عاجزة، فماذا يمكن لصندوق النقد أن يفعل؟