18 August,2019

هل تستجيب الأمم المتحدة لمطالب مصرية بإعادة التحقيق في اغتيال الرئيس أنور السادات؟  

بقلم صبحي منذر ياغي

274850  كان كل شيء هادئاً يوم 6/10/1981، خلال بداية العرض العسكري في مدينة نصر احتفالاً بذكرى انتصار 6 اكتوبر/ تشرين الاول على العدو الاسرائيلي، وكان الرئيس المصري انور السادات على المنصة الرئيسية، وإلى يمينه نائبه محمد حسني مبارك، والوزير العُماني شبيب بن تيمور مبعوث السلطان قابوس، وإلى يساره وزير الدفاع المصري المشير عبد الحليم أبو غزالة، وشيخ الأزهر عبد الرحمن بيصار. بدأ العرض العسكري في الساعة 11 حيث كان الحاضرون يستمتعون بمشاهدة عرض طائرات <الفانتوم> وهي تمارس ألعاباً بهلوانية في السماء، وأسهمت تشكيلات <الفانتوم> وألعابها في صرف نظر الحاضرين واهتمامهم عن توقف شاحنة الضابط خالد الإسلامبولي، وهي تجرّ المدفع الكوري الصنع عيار 130مم، وقد أصبحت أمام المنصة تماماً، وفي لحظات وقف القناص (حسين عباس)، وأطلق دفعة من الطلقات استقرت في عنق السادات، بينما نزل الاسلامبولي مسرعاً من السيارة، وألقى قنبلة ثم عاد ووجّه دفعة طلقات جديدة إلى صدر السادات، في الوقت الذي ألقى فيه كل من عطا طايل بقنبلة ثانية لم تصل إلى المنصة ولم تنفجر، وعبد الحميد بقنبلة ثالثة نسي أن ينزع فتيلها فوصلت إلى الصف الأول ولم تنفجر هي الأخرى، بعد ذلك قفز الثلاثة وهم يصوّبون نيرانهم نحو الرئيس، وكانوا يلتصقون بالمنصة ويمطرونه بالرصاص. سقط السادات على وجهه مضرجاً في دمائه، بينما كان سكرتيره الخاص فوزي عبد الحافظ يحاول حمايته برفع كرسي ليقيه وابل الرصاص، فيما كان أقرب ضباط الحرس الجمهوري برتبة عميد يُدعى(أحمد سرحان) يصرخ بهستيريا <إنزل على الأرض يا سيادة الرئيس>، لكن صياحه جاء بعد فوات الأوان. صعد عبد الحميد سلم المنصة من اليسار، وتوجّه إلى حيث ارتمى السادات، ورَكَله بقدَمه، ثم طعنه بحربة بندقيته، وأطلق عليه دفعة جديدة من الطلقات، فيما ارتفع صوت الإسلامبولي يؤكد أنهم لا يقصدون أحداً إلا السادات، بعد ذلك انطلقوا يركضون عشوائياً، تطاردهم عناصر الأمن وهي تطلق النيران.

اخر-صورة-للسادات-وبجانبه-مبارك-قبل-الاغتيال-بلحظات

من هو خالد الاسلامبولي ورفاقه؟

خالد الإسلامبولي كما تصفه اوساط مصرية ضابط عامل في اللواء 333 مدفعية، هو المخطط والمنفذ الرئيسي لعملية اغتيال السادات حيث ترجل من سيارته أثناء العرض بعد إجبار سائقها – والذي لم يكن مشتركاً في العملية – على إيقاف السيارة، ثم أخذ طريقه بشكل مباشر نحو المنصة وهو يطلق النار بغزارة على الصف الأول مستهدفاً السادات، وبالفعل استطاع توجيه رصاصات نافذة إلى صدر السادات بشكل عام وقلبه بشكل خاص وقد أدّت الى وفاته، أُصيب في ساحة العرض وتم القبض عليه ومحاكمته ومن ثم إعدامه رمياً بالرصاص.

اما عبود الزمر، فهو ضابط بالمخابرات الحربية شارك في تخطيط و تنفيذ عملية اغتيال السادات، وصدر عليه حكمان بالسجن في قضيتي اغتيال السادات (25 عاماً) وتنظيم الجهاد (15 عاماً).

القناص حسين عباس هو قناص في القوات المسلحة، كان ضمن فريق الاغتيال المنفذ للعملية، أطلق طلقة واحدة اخترقت رقبة الرئيس الراحل السادات وكانت من الأسباب الرئيسية لوفاته.

ضريح-السادات-aa إعادة التحقيق في الاغتيال

باتت ذكرى حادث المنصة بمنزلة ملف يتم طرحه في كل عام، وكانت آخرها الدعوة التى أطلقها عدد من الشباب المصري فى العام 2008، ثم تم تكرارها فى العام 2010، من خلال خطاب اعده هؤلاء يناشدون منظمة الأمم المتحدة لاعادة التحقيق في اغتيال السادات وجاء فيه: <حيث إن جريمة اغتيال السادات لم يتم التحقيق فيها أبداً بصورة صحيحة، كما أن الجناة الحقيقيين فيها لا يزالون مطلقي السراح، فإن <الموقعين> يلتمسون تفضلكم بتشكيل لجنة تحقيق خاصة وإرسالها إلى مصر للتحقيق فى جريمة اغتيال السادات، بهدف كشف الجناة الحقيقيين وتقديمهم للعدالة>.

مبارك وحادثة الاغتيال..

الرئيس السابق حسني مبارك يصف ما حصل بعد أكثر من ربع قرن في حديثه مع الإعلامي عماد الدين أديب فى كلمته للتاريخ وقال:«قبل 6 أكتوبر كنت أسمع كلاماً كثيراً عن الجماعات التى تريد قتل الرئيس السادات، خصوصا أن وزير الداخلية أبلغني مرة أن أفراداً يتدربون فى الصحراء على عمليات اغتيالات وقتل، وقال وزير الداخلية ذلك للرئيس السادات ولكنه لم يهتم، واقترحت وقتئذٍ بأنه لا داعٍ للاحتفال بالسادس من أكتوبر، وأبلغت الرئيس ذلك ولكنه قال: <لا… لا مفيش حاجة>، المهم أنني حضرت معه في سيارة مكشوفة إلى أن وصلنا للمنصة. وأنا طبعاً لا أخاف لأننا دخلنا حروباً كثيرة، وخضنا معارك والمبدأ الذي أسير عليه في حياتي أن <الأعمار بيد الله>.. وكان لدي إحساس أن هناك شيئا سيحدث فوق المنصة. كنت بجوار الرئيس السادات، <مفيش سنتيمترات>، العرض الجوي بدأ، والطائرات تحلق في الأعلى، وبعد ذلك فوجئنا بإحدى السيارات تتوقف مع إطلاق رصاص، نزل منها شخص يمسك ببندقية ويطلق منها الرصاص، كان هناك ساتر على المنصة ارتفاعه حوالى متر ونصف المتر، احتمينا خلفه، حتى أنهم اقتربوا جداً من المنصة، ولم أرَ الإسلامبولي وهو يضع المدفع الرشاش كما يظهر فى الصور فوق رخام الحاجز، كل منا كان مهتماً بنفسه، وبعد توقف إطلاق النار بدقيقة أو دقيقتين كان جسد الرئيس السادات على الكرسي>.

b00004  

المخابرات الاميركية وأسرار الاغتيال

 

وكانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية قد رفعت السرية عن مئات الوثائق حول الشرق الأوسط ومصر، عرضت فيها لفترة حكم الرئيس السابق أنور السادات، مشيرة إلى أن خطر اغتياله كان قائماً في أية لحظة، كما أشارت إلى أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تحصل على مساعدات مالية وعسكرية من نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي. وتغطي الوثائق الفترة ما بين شباط/ فبراير 1976 وحتى آذار/ مارس 1979، وقالت وثيقة من 20 صفحة، تعود إلى الأول من حزيران/ يونيو 1976 حول الوضع الداخلي لنظام الرئيس أنور السادات، إن الأخير كان في وقت إعداد الوثيقة يسيطر على الوضع في البلاد مدعوماً من مؤسسة الجيش، رغم التضارب في الأشهر الأخيرة في تقارير المراقبين حول الأوضاع الداخلية واستقرار النظام.

ولكن الوثيقة حددت مصادر إضافية للخطر على السادات تتمثل بوضعه الصحي أو احتمال تعرضه للاغتيال، وهو ما حصل بالفعل بعد ذلك بسنوات، إذ قالت: <باختصار، فما من خطر يهدد السادات باستثناء رصاصة اغتيال أو أزمة قلبية جديدة>.

شارع-خالد-الاسلامبولي-في--طهران

الجيش يدعم السادات

 

واعتبرت الوثيقة أن الجيش هو المؤسسة الأهم في الدولة المصرية، وهو يدعم السادات، كما شكل منصة لوصول سلفه جمال عبد الناصر إلى الحكم. ولكنها رصدت أيضاً معاناة قطاعات الجيش من تراجع في المعنويات ونقص لوجستي، مضيفة أن الضباط يتذمرون من تقلص إمدادات السلاح وتراجع العلاوات المالية التي كانوا يتقاضونها. كما أشارت إلى أن الجيش كان يخشى من اقتصار دوره على الموقف الدفاعي بسبب النقص اللوجستي الناتج عن سحب الخبراء السوفيات من مصر، إذ لم يتمكن الخبراء الذين قدموا من الصين ويوغوسلافيا السابقة من ملء الفراغ.

وتحدد الوثيقة أيضاً مكامن خطر إضافية على نظام السادات، وفي مقدمتها القوى اليمينية المتمثلة في الإسلام السياسي، وجماعة الإخوان المسلمين، واللافت أن الوثيقة تشير إلى أن الجماعة وسّعت نفوذها في صفوف الجيش والمؤسسات الحكومية، كما تلقت دعماً ليبياً بالمال والسلاح، بينما كان الرئيس المصري السابق أنور السادات يعتمد على شخصيات إسلامية من أجل الترويج لبعض طروحاته ومواجهة القوى اليسارية في البلاد. كما لم يفت التقرير الإشارة إلى طاقم العمل المحيط بالسادات، فلفت إلى وجود صدامات دائمة بين أطراف ذلك الفريق، إلى جانب سعيه إلى عزل السادات عن ما يحصل في البلاد على الصعد السياسية والاقتصادية، وعدم اطلاعه على المشاكل الموجودة، ما قد يؤثر على دوره القيادي بحال وقوع اضطرابات.

Egyptian-president-Anwar-El-Sadatاسطورة الاسلامبولي!

وماذا عن اسطورة الاسلامبولي والشائعات حول انه ما زال حياً، وان عملية اعدامه كانت صورية؟

الكاتب أحمد عرفة يؤكد ان شائعات بقاء خالد الإسلامبولى على قيد الحياة تتردد بقوة ويقتنع بها الكثير من أصحاب هذه الفكرة وأولهم لبنى بنت الرئيس الراحل أنور السادات. وما زالت كيفية إعدام المتهمين لاسيما خالد الإسلامبولى مثيرة للأذهان. ففي 15/4/1982 اي منذ 33 عاماً نُفذ حكم الإعدام على قتلة الرئيس الراحل أنور السادات وعلى رأسهم خالد الإسلامبولي، وأُعدم <الإسلامبولي> منفذ الجريمة، وحسين عباس رمياً بالرصاص، بينما أُعدم محمد عبد السلام فرج، وعبد الحميد عبد السلام، وعطا طايل حميدة بالإعدام شنقاً في اليوم نفسه أيضاً، وقد شهدت عملية إعدامهم تفاصيل مثيرة للجدل، أبرزها حضور الحارس الشخصي للرئيس الراحل محمد أنور السادات أثناء تنفيذ حكم الإعدام وذلك للتشفي.

ابنة السادات

وكشفت رقية ابنة الرئيس الراحل أنور السادات، عن أن قرار إقالة حسني مبارك من منصبه كنائب لرئيس الجمهورية كان في حقيبة السادات الخاصة صباح يوم السادس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1981 حتى لحظة خروجه من القيادة العامة متوجهاً للمنصة للاحتفال بذكرى النصر، واختفت تلك الحقيبة كلها ولم يُعثر عليها بعد اغتياله، معتبرة أن هناك غموضاً رهيباً ما زال يحيط بمقتل أبيها، وأن عدة أطراف لديها مصلحة كامدب-دايفيد-هل-قتلت-الساداتفي إخفاء الحقيقة.

لبنى السادات أضافت قائلة: <إن اغتيال أنور السادات مؤامرة كبيرة، ومبارك كان شريكاً في الجريمة بالتآمر من جانب وإخفاء المعلومات من جانب آخر>. وأشارت إلى أنها التقت بالمتهم الأول في قتل والدها خالد الإسلامبولي في مكة بعد 12 سنة من الإعلان عن إعدامه، وأنها لم تكن تتخيل رؤيته على قيد الحياة، وتعرفه جيداً من خلال صور يوم الحادث حين كان ينتعل حذاء رياضياً بشكل لافت للنظر في عرض عسكري، وتابعته في كل اللقطات التلفزيونية التي سجلت وقائع المحاكمات في قضية والدها، مشيرة أنها لم تستطع التصرف عند رؤيتها له.

اما منتصر الزيات محامي الجماعات الاسلامية الشهير، فاعتبر أن التشكيك في اعدام خالد الاسلامبولي قاتل السادات لا معنى له، مشيراً إلى أن والدته متأكدة من إعدامه، ولم تقصد ما استنتجه البعض من كلامها حول عدم استلامها لجثته أو معرفتها لمكان دفنه، <وعرفت منها أنهم لم يعرّفوها بمكان دفنه، ولكنهم أعطوها متعلقاته، بما فيها ساعة يده وبطاقته الشخصية وأوراقه والرسالة التي كتبها لها قبل تنفيذ حكم الاعدام، وقالت لي: أنا متأكدة من إعدامه>.

 

شارع الاسلامبولي في طهران!

بعد اتفاقية <كامب ديفيد> واستضافة السادات لشاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي بعد الثورة الإيرانية، رداً على جميله بتموين حرب اكتوبر بالنفط، توترت العلاقات بين مصر وإيران بقوة، وبعد اغتيال السادات خالد-الاسلامبوليتمت تسمية شارع في طهران باسم خالد الاسلامبولي.

 وقال صبحي عبد السلام انه في أول زيارة لرئيس إيراني لمصر منذ عام 1979، حاول الرئيس أحمدي نجاد فتح أبواب مصر المغلقة في وجه الإيرانيين منذ أكثر من 35 عاماً، بعد أن قام الإمام الخميني بقطع العلاقات بين البلدين احتجاجاً على توقيع الرئيس السادات معاهدة «كامب ديفيد»، واستضافة الشاه محمد رضا بهلوي في مصر، قبل أن توافيه المنية ويُدفن إلى جوار الأسرة المالكة في مسجد الرفاعي بالقاهرة. وفي الوقت الذي بذل فيه الرئيس نجاد وحكومته جهوداً مكثفة لتطبيع العلاقات مع مصر ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، كان شارع «خالد الإسلامبولى» قاتل الرئيس السادات فى طهران، إحدى العقبات التي تعرقل المساعي الإيرانية لدخول مصر، وقد تسبب تأخر بلدية طهران في تغيير اسم الشارع إلى «شهداء الثورة المصرية» في استياء السلطات المصرية التي طلبت أكثر من مرة تغيير اسم الشارع الذي يقع في أرقى منطقة في طهران ويتفرع من شارع «ولي العصر» الذي يبلغ طوله 35 كيلومتراً، حيث ما زال الشارع يحمل اسم قاتل الرئيس السادات. وقد كشف صبحي عبد السلام عن وجود شارع آخر باسم خالد الإسلامبولي في مدينة «مشهد المقدسة» التي تطل على بحر قزوين في أقصى شمال شرقي إيران.

وعن الأسباب التى تقف وراء عدم تغيير اسم الشارع حتى الآن، قال توفيق صمدي المستشار الثقافي في مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، إن ذلك يعود إلى النظام اللامركزي في إيران حيث لا تستطيع الحكومة المركزية تنفيذ شيء في بلدية طهران قبل إقراره من النواب المحليين في البلدية، وقال الديبلوماسي الإيراني إن الحكومة الإيرانية في انتظار قيام بلدية طهران بتغيير اسم الشارع.

ورغم تحقيق تقدم كبير بين الجانبين المصري والإيراني في اتجاه استعادة العلاقات بين البلدين خلال حكم الإخوان، والاتفاق على إلغاء اسم «خالد إسلامبولي» من أحد أبرز شوارع العاصمة طهران، إلا أن هذا الملف تم تجميده مرة أخرى، رغم انه قيل ان المجلس البلدي في طهران صادق على تغيير اسم شارع خالد الإسلامبولي (قاتل الرئيس أنور السادات)، واطلاق اسم الشهيد محمد الدرة عليه، وان ايران تنتظر اتخاذ القاهرة خطوة مماثلة لتغيير اسم شارع بهلوي (شاه إيران السابق) في القاهرة، واعتماد اسم جديد له.