21 September,2018

هل تخلع الصين قناعها السلمي وتنتفض أمام هجمات ”ترامب“ التجارية؟

 

بقلم خالد عوض

xi jinping

ملامح الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ترتسم يوما بعد يوم. وبداية الحرب التجارية، مثل كل الحروب، سهلة ولكن إنهاءها ربما يكون من الصعب جدا.

الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> يفكر بالأرقام ويريد نجاحات بالأرقام فقط. لا يهمه ما يحصل في سوريا من حرب إقليمية لتقاسم السلطة في المنطقة بقدر ما تهمه كلفة ذلك ومردوده على الولايات المتحدة. <البنتاغون> خطط لزيادة التدخل الأميركي في سوريا هذا العام وأورد كلفة ذلك في ميزانيته السنوية منذ ستة أشهر، وها هو الرئيس الأميركي ينقض كل هذا بالإعلان عن جديته في الإنسحاب من سوريا <قريبا جداً>. تاريخيا لم تظهر تناقضات بهذا الوضوح بين البيت الأبيض من جهة و«البنتاغون> أو وزارة الدفاع من جهة أخرى، وكأن الرئيس في واد والإدارات الأخرى في واد آخر. <استقيل> وزير الخارجية <ريكس تليرسون> واليوم يعاني وزير الدفاع <جايمس ماتيس> من القلق نفسه لأن صاحب البيت الأبيض يغرد خارج سرب المؤسسات، أو على الأقل هذا ما يظهر . من الواضح أن <ترامب> يحاول ابتزاز الجميع، من أوروبا إلى الصين مروراً بالسعودية ولكنه باستخدام الخداع السياسي وحتى الإستراتيجي لتحقيق موارد مالية تبين له ولجمهوره إنجازاته، يدخل الولايات المتحدة، والعالم، في مسار مجهول.

المنطق المالي الذي يستخدمه <ترامب> يزج بالأميركيين والصينيين في حرب تجارية بلا هوادة. الرئيس الأميركي بدأ منذ أسابيع بوضع تعرفة جمركية ٢٥ بالمئة على الحديد و١٠ بالمئة على الألمنيوم الآتي من الصين. ردت الأخيرة بوضع تعرفة على ١٢٨ منتجاً أميركياً وصلت إلى ٢٥ بالمئة أيضا من بينها الفواكهة ولحم الخنزير التي تصدر معظمها ولايات أميركية معروفة بولائها التقليدي للجمهوريين ولـ<ترامب>. رد الرئيس الأميركي جاء سريعاً وتحت بند التضييق على الصين لتشديد حمايتها للملكية الفردية حيث أعد لائحة بـ١٣٣٣ منتجاً صينياً معظمها صناعي (بينها قاطرات وروبوتات) لتطبيق تعرفة الـ٢٥ بالمئة عليها. الصين ردت بأنها سترد بالمثل وتستهدف مجموعة منتجات أميركية من بينها حبوب الصويا التي يقدر حجم الصادرات الأميركية منها إلى الصين بأكثر من ١٢ مليار دولار سنويا، كما لمحت أنها ستخفف من شراء سندات الخزينة الأميركية لتضييق السيولة المالية في الولايات المتحدة.

لا شك اننا سنشهد، ومعنا البورصات العالمية، في الأشهر المقبلة لعبة عض أصابع تجارية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. إلى أين يمكن أن تصل هذه الحرب؟ بالطبع ستسهم الإجراءات الأولى برفع الأسعار على المستهلكين الأميركيين وزيادة التضخم، ولكن حتى الآن رغم كل هذه التعرفات المعلنة يبقى التأثير المالي مضبوطا بعض الشيء وليس بالحجم الذي يهدد الاقتصاد العالمي، ولكن إذا بقيت المعاندة من الطرفين وبدأت التعريفات تشمل سلعا أخرى مثل الإليكترونيات والألبسة والأحذية فعندئذٍ ستصبح الحرب التجارية حقيقة وليس مجرد تهويل.

باختصار شديد، الكرة في الملعب الصيني، فإما أن تختار الصين التفاوض وتقدم تنازلات حقيقية، من بينها تخفيف القيود أمام الاستثمارات الأجنبية ومحاربة جدية لانتهاك حقوق الملكية أو أنها تنتفض ويستيقظ الشعور القومي عندها فتعلن ساعة donald trump المواجهة التجارية الكبرى مع أميركا <ترامب>.

ماذا يريد الرئيس الأميركي؟ في الظاهر هو يقول أن العجز التجاري مع الصين لا يمكن السكوت عنه بعد اليوم لأنه أصبح يناهز ٤٠٠ مليار دولار أي أن الصين تصدر بأكثر من ٤٠٠ مليار دولار مما تستورده من الولايات المتحدة، وأنها زادت صادراتها إليها بحوالى ٦٠ مليار دولار في آخر سنتين فقط. وفي الوقت نفسه لا يمكن الاستثمار في الصين من دون شريك صيني كما أن الحكومة الصينية تفرض على أي مستثمر أن ينقل التكنولوجيا <Technology Transfer> الى السوق الصيني. كذلك في الوقت نفسه يتهم <ترامب> الصين بأنها تستفيد من أكثر من ٢٠٠ مليار دولار سنويا من خلال سرقة الملكية الفكرية الأميركية وبأن ذلك يعد من اكبر عمليات نقل الثروة العالمية في التاريخ، عبر السرقة… كل هذه الأرقام ليست بعيدة عن الحقيقة، ولكن ما يقلق الأميركيين فعليا هي خطة <صنع في الصين ٢٠٢٥> التي يسعى من خلالها الرئيس الصيني <شي جين بينغ> إلى تحديث الصناعة الصينية وجعلها أكثر جودة والإعتماد بأكثر من ٧٠ بالمئة منها على مواد ومنتجات صينية الصنع. سياسة <صنع في الصين ٢٠٢٥> تعني باختصار أن الصناعة الصينية في طريقها إلى الهيمنة العالمية وأن صناعات الدول الأخرى على طريق الاندحار.

الحرب التجارية التي يلوح بها <ترامب> تستهدف تعطيل أو على الأقل تأجيل <صنع في الصين ٢٠٢٥> عدة سنوات عبر إجبار الصين على فتح اسواقها وعدم الاستفادة وحدها من قوة سوقها الداخلي حتى يتسنى تخفيف النمو الاقتصادي فيها إلى ما دون الخمسة بالمئة وبالتالي منعها من أن تصبح أقوى اقتصاد في العالم قبل سنة ٢٠٢٥.

 لا الحرب في سوريا ولا حتى نتيجة المفاوضات الآتية في كوريا الشمالية الشهر المقبل ستحدد مستقبل <ترامب> في البيت الأبيض مثل الحرب التجارية التي بدأها مع الصين. بالنسبة لحاكم البيت الأبيض، الأولوية الأميركية هي هناك اليوم وكل أمر آخر، بما فيها الثروات والأموال العربية، يجب أن يصب في ذلك.