9 April,2020

هل تختار حكومات العالم التأميم لإنقاذ إقتصاداتها؟

 

بقلم خالد عوض

 

الرئيس الاميركي دونالد ترامب يقترح برنامج التحفيزات لمواجهة الركود

البداية من لبنان. ما يحصل في بنوك الولايات المتحدة وأوروبا هو أسوأ بكثير مما حصل في لبنان وربما جعل مشكلة لبنان تبدو بسيطة بالنسبة لمشاكل العالم. حتى أموال المودعين في المصارف اللبنانية، رغم المخاطر الكبيرة عليها، تبدو أفضل حال من أموال المودعين في أي دولة غربية. قريبا ربما توضع القيود هناك على السحوبات النقدية بالعملة المحلية (أي الدولار واليورو) كما هي اليوم على السحوبات بالدولار من المصارف اللبنانية. الأمر المهم الآخر بالنسبة إلى لبنان هو إمكانية أن تصبح قيمة احتياطه من الذهب (حاليا يساوي ١٤ مليار دولار) في المستقبل غير البعيد تساوي أكثر من نصف دينه العام (أي أكثر من ٤٥ مليار دولار)، فسعر الذهب يمكن أن يكون في طريقه خلال السنتين الآتيتين لتحقيق ارتفاعات خيالية نظرا لحجم التضخم المالي الذي ستؤدي إليه برامج التحفيز الكمي الخيالية المتداولة هذه الأيام، والحبل على الجرار.

أزمة سيولة خانقة!

السيولة مع المصارف الغربية (وبينها) في الحضيض. لم نعد نعرف كم من مئات المليارات ستطبع البنوك المركزية حول العالم. ألف مليار دولار (تريليون) سيضخها الإحتياطي الفيدرالي الأميركي في إقتصاد الولايات المتحدة بعد أن خفض الفائدة على الدولار إلى الصفر (كانت واحداً ونصفاً بالمئة قبل أزمة “كورونا”)، خمسمئة مليار يورو من ألمانيا، ومئات المليارات الأخرى في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا.

من الواضح أن الجرثومة الفتاكة أصابت الإقتصاد العالمي، الطاعن في السن، وضربت كل رئاته الرأسمالية. مَن يسمع الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” هذه الأيام يُخيّل إليه أن الولايات المتحدة دولة إشتراكية: كل فرد أميركي بالغ سيحصل من خلال برنامج التحفيزات المقترحة على شيك بألف دولار من الحكومة. كل شركة أو مؤسسة ستحصل إما على ضمانات حكومية على قروضها لدى البنوك أو على مبالغ نقدية مباشرة. السؤال لم يعد إذا كان العالم سيدخل ركودا صعبا فهو أصبح فيه، ولا إذا كانت هذه الأزمة المالية أكبر من أزمة ٢٠٠٨ فتهاوي البورصات وخسارة المستثمرين فيها أكثر من ١٥ ألف مليار دولار أي كل ما كسبوه منذ إنتخاب “دونالد ترامب” عام ٢٠١٦ يؤكد ذلك… السؤال أصبح كم ستطول الأزمة وكيف سيخرج العالم منها وبأي نظام إقتصادي ومالي؟ هل هي فعلا بداية نهاية مفهوم الإستدانة والعودة بالمصارف إلى دورها الإئتماني المحض؟ أم أنها إعلان لنهاية قيمة العملات الورقية، كلها من دون إستثناء؟

هل تختار حكومات العالم التأميم لإنقاذ إقتصاداتها؟

 

النمو الإقتصادي… هدف أو وسيلة؟

المدافعون عن قيم الاستدامة يقولون أن ما يحدث في العالم ماليا هو نتيجة الركض الأعمى نحو النمو، فبدل أن يكون النمو وسيلة للتقدم والتطور وتحسين مستوى المعيشة وتخفيف البطالة أصبح هدفا أعمى. فالعالم أصبح يعيش على فقاعات مالية، تنفجر كل مرة في وجه اقتصادات العالم بفعل دبوس لم يكن ليفعل كل ذلك لو كان النظام الإقتصادي عقلانيا. مرة نلوم إنهيار البورصات ونرده إلى أزمة الديون العقارية، ومرة أخرى تتسبب جرثومة معدية في خسارة البورصات العالمية لثلث قيمتها خلال أيام. لو لم تكن الشركات الأميركية مدينة بأكثر من ١٩ ألف مليار دولار ولو لم تكن الحكومة نفسها مدينة بأكثر من ٢٢ ألف مليار دولار لما انفجرت البورصات بهذا الشكل. لماذا تستدين الشركات بهذه الطريقة؟ الجواب بسيط: لتحقيق النمو حتى لو لم تأت الأرباح بسرعة، وربما لا تأتي أبدا. الرهان هو دائما على المستقبل. هذا كان ممكنا عندما لم يكن مستوى ديون العالم بهذا الشكل وعندما لم تكن الإقتصادات العالمية معولمة ومترابطة كما هي اليوم. حاليا لا يتحمل الإقتصاد العالمي هزة بحجم فيروس “كورونا”، لا يزيد قطره عن ميكرون (أي أقل من واحد بالألف من المليمتر).

التأميم على الأبواب؟

لن تحتاج شركات “مايكروسوفت” أو “أبل” أو “غوغل” أو “امازون” أو “فايسبوك” إلى دعم مالي على عكس شركات أخرى مثل شركات النفط أو الطيران. السبب بسيط: شركات التكنولوجيا عندها مؤونات ومدخرات مالية تسمح لها بعبور الأزمة بينما غيرها غارق في الدين وسيفلس حتما إذا لم تتدخل الحكومات لإنقاذه. معظم الدول تتحدث اليوم عن ضخ الأموال في الشركات المتعثرة إما بشكل ضمانات قروض أو عن طريق تحويلات نقدية مباشرة، ولكن يبدو أن المبالغ المرصودة لن تكفي لإخراجها من الأزمة، وها هي الحكومات والمصارف المركزية تبحث جديا في شراء أسهم في الشركات الكبيرة لأن القروض اللامحدودة يمكن أن تخفض من قيمتها، مما يعني أنها تتجه إلى عكس الخصخصة أي إلى التأميم ولو جزئيا. انها إجراءات أقرب إلى الأنظمة الإشتراكية التي يبدو أن افكارها هي التي ستطغى على النظام الرأسمالي الذي نعرفه.

مرّ العالم والغرب تحديدا بأزمات وحروب كثيرة، ولكن طمع رأس المال كان الغالب في كل مرة… ترى هل ينتصر أيضا بعد “كورونا” أم تعود العقلانية إلى المسار الإقتصادي العالمي؟

إنه الخيار، الحاسم هذه المرة، بين “أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب” و… “خبئ قرشك الأبيض ليومك (الكوروني) الأسود”.