19 April,2019

هل تحل حقبة ”الرايوا“ على العالم العربي؟

 

بقلم خالد عوض

منذ أيام أعلنت الحكومة اليابانية إسم الحقبة الجديدة للإمبراطورية والتي تبدأ في أول ايار (مايو) المقبل عند إستلام الإمبراطور الجديد <ناروهيتو> (٥٩ سنة) بعد تنحي أبيه الإمبراطور <آكيهيتو> (٨٥ سنة). وقد أصبح تقليدا أن يطلق على حقبة كل إمبراطور اسم خاص ليعبّر عن طموحات الشعب الياباني مع مليكه الجديد مع أن الإمبراطور في اليابان هو مثل ملكة بريطانيا رمز وطني ليس بيده سلطة أو أي وسيلة حكم. الإسم الجديد لحقبة الإمبراطور <ناروهيتو> والذي سيظهر على الصحف والعملات والمطبوعات الرسمية هو <الرايوا> ومعناها التناسق والإنسجام وهي مستنبطة من الشعر الياباني القديم وتعبير عن التناغم بين أزهار الربيع مع أن أيام اليابان الاقتصادية حاليا ليست ربيعا، فهي تمر في مرحلة اقتصادية صعبة بفعل تراجع النمو في الصين وهو أكبر سوق للشركات اليابانية. وربما لا تساعد المؤشرات الاقتصادية الحالية رئيس الوزراء <شنزو أبي> في الإنتخابات المقبلة بعد أشهر ولكن الأكيد أن المجتمع الياباني هو من أكثر المجتمعات تماسكا وتناغما، وأن القيادة السياسية في اليابان تعرف جيدا ماذا يريد مواطنوها، وهي اغتنمت فرصة مجيء إمبراطور جديد لبث الأمل في شعبها. هذا هو بالتحديد ما ينقص العالم العربي الذي يمر بمرحلة تفتت لا سابق لها.

بريطانيا وضياع البوصلة السياسية!

 

ما يحصل في ثاني أقدم إمبراطورية في العالم بعد اليابان مضحك مبك. البريطانيون مع الخروج من أوروبا وضده في الوقت نفسه. على الأقل هذا ما يبدو من الجدالات العقيمة في مجلس العموم البريطاني. لا أحد يعرف ماذا يريد بالتحديد. أكثر من ٤٠ بالمئة من صادرات بريطانيا تذهب إلى الإتحاد الأوروبي، وخروجها من دون إتفاق واضح أو ما يسمى <الإنسحاب الفوضوي> <No Deal Brexit> سيعرض هذه الصادرات إلى رسوم وبالتالي ستفقد تنافسيتها في السوق. التبعات الاقتصادية لـ<البريكزيت> الفوضوي يمكن أن تكون هائلة ولا يمكن تحديدها لأن الأسواق المالية والشركات لا زالت في حالة إنتظار حتى تعرف الشكل النهائي للخروج البريطاني. لا أحد يريد أن يصدق أن <البريكزيت> سيحصل وربما خلال أيام أو اسابيع في أقصى حد. هل هذه الفوضى هي نتيجة للاستفتاء الذي قال من خلاله الناس في بريطانيا منذ أكثر من سنتين أنهم يريدون الخروج من أوروبا من دون أن يعرفوا ماذا يعني ذلك؟ أو أنها نتيجة فشل القادة السياسيين في إتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته؟ الأرجح أنها الإثنان معا، فمن جهة قيل للشعب أن بيروقراطية <بروكسيل> تكلفهم عشرات المليارات سنويا وهذه أولى أن يتم إنفاقها في إصلاح القطاع الصحي، كما قيل لهم أن منافسة اليد العاملة الأوروبية هي التي تضيع عليهم وظائفهم فصوتت اكثريتهم على هذا الأساس. لم يصارحوا بنتائج الخروج من أوروبا أو إلتزامات بريطانيا في المعاهدات الأوروبية أو حاجة الاقتصاد البريطاني الماسة لليد العاملة الأجنبية. بريطانيا هي صورة لإضاعة القيادة السياسية lلبوصلة وتضليل الناس وإحباط طموحاتهم.

ربما سينطبق قريبا على السياسيين البريطانيين المثل الإنكليزي الشائع <هناك عدة آباء للنجاح ولكن الفشل يبقى دائما يتيماً>.

العرب بلا تصور للمستقبل!

 

قيل عن القمة العربية الثلاثين التي اختتمت اعمالها في تونس منذ أسبوع الكثير وأطلق عليها العديد من الأسماء. منها أنها قمة تثبيت السيادة السورية على الجولان وتجميد <صفقة القرن>، وقمة بداية الحل السياسي في ليبيا، وقمة إخراج <بوتفليقة> من حكم الجزائر من دون أن يذهب إلى المنفى مثل زين العابدين بن علي أو إلى السجن مثل حسني مبارك أو إلى القبر مثل معمر القذافي. ولكن ما ينقص هذه القمة وغيرها من القمم العربية السابقة هو التصوّر لمستقبل العالم العربي وبالتحديد رؤية تجسد طموحات شعبه. العالم العربي بحاجة إلى مشروع جديد أو فكرة حديثة ليستمر. لم تعد قضية فلسطين تجمعه ولم يعد الخطر الاسرائيلي يوحده ولم تعد دبي التي تعاني اقتصاديا اليوم كافية لإلهامه، حتى دول الخليج دخل إليها سم الإنشقاق مع أنه بالاتحاد في ما بينها يمكن ان تشكل سابع أقوى قوة اقتصادية عالمية وربما هذا ما لا يريده العالم. في منطقة فيها أكبر نسبة بطالة بين الشباب في العالم وحوالى نصف سكانها أصغر من ٢٥ سنة، وفي منطقة تتصدر فيها نسب الفساد اللوائح العالمية، تصبح قضية فلسطين والإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وحتى مسألة اللجوء والنزوح قضايا درجة ثانية لأنها قضايا الحاضر والماضي رغم أهميتها وضرورة المتابعة الحثيثة والملحة لها. ولكن هل يمكن أن يعود الفلسطينيون إلى ارضهم حتى لو سمحت إسرائيل لهم بذلك؟ وهل يمكن أن يعود السوريون من ألمانيا والسويد وكندا حتى لو شرع النظام السوري أبوابه لهم؟ كيف يعودون إلى أرض بلا موارد نضب فيها حتى الماء؟ التصور الاقتصادي أصبح ضرورة ملحة ويستدعي قمة أو قمماً طارئة تبحث في العمق ما يريده ويحتاجه الشباب العربي لأن القرارات الكلامية لم تعد تشفي غليله.

طالما الشباب العربي عاطل ومسلوب الأحلام فلا عجب أن تصبح فلسطين من ثاني اهتماماته ويصبح أمثال <داعش> من ملاذاته… كل المطلوب تصور طموح لحقبة <رايوا> عربية تعيد نسج القواسم المشتركة… أو ما بقي منها.