23 August,2019

هل تحرك زيارة ”ساترفيلد“ لبيروت ملف المفاوضات لترسيــم الحــدود البريــة والبحريــة معــاً فـي الجنــوب؟

 

بقلم وليد عوض

انشغال المسؤولين اللبنانيين بإنجاز مشروع موازنة العام 2019 والتجاذبات السياسية التي رافقت مناقشته بالتزامن مع التحركات في الشارع للمعترضين على خفض حقوقهم ومكتسباتهم، لم ينس هؤلاء المسؤولين الملف الأصعب والأكثر دقة المعلق منذ أشهر، وهو ملف ترسيم الحدود الجنوبية، البرية والبحرية على حد سواء. كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون جالساً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في قصر بعبدا ينتظران وصول رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بعد الإفطار للبحث في مسار المناقشات حول الموازنة بعد نهار طويل من التحركات الاعتراضية والمخاوف على الوضعين المالي والاقتصادي بعد اضراب موظفي مصرف لبنان، وتحركات العسكريين المتقاعدين، حين سأل الرئيس بري رئيس الجمهورية <وماذا عن الوضع على الحدود، هل حصل أي تقدم في مسار الاتصالات التي تجريها الأمم المتحدة في موضوع الترسيم؟> رد الرئيس عون بأن الملف مجمّد منذ رفض الاسرائيليون البحث في موضوع الترسيم البحري من خلال الأمم المتحدة على غرار ما حصل على صعيد الترسيم البري، وقد أدى ذلك الرفض الى تجميد المفاوضات على الحدود البرية. واستطرد الرئيس عون ان ملف الحدود يجب أن يقفل بشقيه البحري والبري بهدف تعزيز الاستقرار الهش السائد منذ صدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي، لأن المنطقة تغلي والتطورات المتسارعة قد تحمل تداعيات على الوضع في لبنان الذي يعاني من حالة اقتصادية صعبة تتطلب تفرغاً للاهتمام بها والحد من مضاعفاتها.

وفيما الحوار بين الرئيسين عون وبري يدور حول الملف الحدودي وصل الرئيس الحريري الى القصر، واستمر الحديث عن الموضوع نفسه قبل الشروع بالبحث في موضوع الموازنة وشجونها.

كان أمام رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس والحكومة خيارات محدودة، فإما المبادرة الى تحريك ملف الحدود وفق صيغة متجددة، أو بقاء الوضع على حاله ما يعني عملياً استمرار الحذر على الحدود، والمزيد من التأخير في بدء أعمال التنقيب عن النفط والغاز في <البلوك> رقم 9 من المنطقة الاقتصادية الخالصة القريبة من الحدود مع الأراضي التي تحتلها اسرائيل. وطرح المجتمعون الثلاثة الصيغ التي تم التوصل إليها في محادثات سابقة مع الأمم المتحدة من جهة، ومع الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، والتقوا على ان كل هذه الصيغ وصلت الى طريق مسدود، الأمر الذي يستوجب مبادرة جديدة تزاوج بين الاقتراحات السابقة وتحمل عنصراً جديداً يمكن أن يحرك الملف عوض أن ينتظر المزيد من الفراغ وبالتالي المزيد من القلق والمخاوف.

 

عرض لبناني جديد للأميركيين

 

وفيما النقاش يدور حول البدائل، طُرحت فكرة تقديم عرض جديد للأميركيين يطلق مساراً تفاوضياً متجدداً لاستكمال ترسيم الحدود البرية، والبدء بترسيم الحدود البحرية. وقضت الفكرة التي توافق عليها الأركان الثلاثة بأن يقدم لبنان أفكاراً لآلية جديدة تتضمن إحياء الاتصالات بين لبنان واسرائيل والأمم المتحدة بمتابعة أميركية، على ان تشمل هذه الاتصالات ترسيماً بالتزامن للحدود البرية والبحرية معاً بحيث تتم عملية الترسيم ضمن سلة واحدة متكاملة تتولى التفاوض في شأنها لجنة ثلاثية لبنانية ــ دولية ــ اسرائيلية بمتابعة أميركية، تضع النقاط المختلف عليها براً وبحراً على طاولة التفاوض للوصول الى صيغة نهائية تنهي الوضع الغامض حدودياً وتؤسس لمزيد من الاستقرار على طول الحدود. وبذلك يكون الموقف اللبناني قد توحّد وتزول التحفظات التي كان عبّر عنها الرئيس بري عندما نادى بإنهاء ترسيم الحدود البرية، والانتقال الى الحدود البحرية بعد ذلك.

وتقول مصادر مطلعة على أجواء اجتماع بعبدا الليلي، ان الاتفاق حصل على تزامن التفاوض على المسارين البري والبحري خصوصاً ان الشق البحري كان تعرقل مع الوسطاء الأميركيين في السابق عند البحث بالنقطة الخلافية في رأس الناقورة التي لم يتفق الجانبان اللبناني والاسرائيلي على تحديدها، والتي يشكل ترسيمها مدخلاً ضرورياً للترسيم البحري، لأن الحدود البحرية تُرسّم على أساس خط الناقورة نزولاً في اتجاه البحر حيث <البلوك> رقم 9 التي ينتظر كونسيورسيوم شركات <ايني> الايطالية و<توتال> الفرنسية و<نوفاتيل> الروسية التفاهم على حدوده للشروع بأعمال التنقيب وفق الاتفاق مع وزارة الطاقة والمياه اللبنانية. وتقرر أن يتم وضع الأفكار التي تم التداول بها على ورقة تطلق عليها تسمية آلية للعمل على ترسيم الحدود البرية والبحرية، تُعرض على الجانب الأميركي الذي يتولى نقلها الى اسرائيل للحصول على موافقة تفتح باب المفاوضات من جديد.

 

<ريتشارد> حملت الصيغة

الى واشنطن

وتضيف المصادر المطلعة نفسها، ان إعداد الورقة لم يدم طويلاً، فاستدعى الرئيس عون السفيرة الأميركية في بيروت <اليزابت ريتشارد> وسلمها هذه الأفكار التي تتلخص بتشكيل لجنة ثلاثية لبنانية ــ دولية ــ اسرائيلية بمتابعة أميركية للبدء بالمفاوضات ضمن السلة التي تم الاتفاق عليها. استفسرت السفيرة <ريتشارد> بعض التفاصيل من الرئيس عون ووعدت بنقل هذه الأفكار الى الادارة الأميركية وفي حال الموافقة عليها تتولى واشنطن اقناع الاسرائيليين بها ويتم اخطار الأمم المتحدة بالمستجدات لأن المنظمة الدولية سوف ترعى مثل هذه المفاوضات لأن الجانب اللبناني لا يتكلم مباشرة مع الجانب الاسرائيلي. ومن حسن الصدف ان السفيرة <ريتشارد> كانت تستعد للسفر الى واشنطن لتكون حاضرة في المحادثات التي كانت محضّرة بين قائد الجيش العماد جوزف عون والمسؤولين في القيادة الأميركية،

في الاجتماع الدوري بين القيادتين لتقييم التعاون العسكري القائم بين الجيشين الأميركي واللبناني.

إلا ان السفيرة <ريتشارد> توجهت من بعبدا الى عين التينة سعياً وراء معرفة موقف الرئيس بري من الأفكار التي تسلمتها، خصوصاً انها تعرف ما كان عليه موقف رئيس مجلس النواب من تزامن التفاوض على المسارين البري والبحري، وكانت مفاجأة <سارة> بالنسبة الى السفيرة <ريتشارد> عندما سمعت من الرئيس بري دعمه للمبادرة التي قدمها إليها الرئيس عون ذلك الصباح، وهي لم تحتج الى موعد مع الرئيس الحريري، لأنها تعرف ان رئيس الحكومة يدعم مثل هذا التفاوض خصوصاً إذا ما حظي بمتابعة أميركية. وفيما حملت السفيرة الأميركية الأفكار على ورقة وسافرت الى واشنطن لاستمزاج المسؤولين الأميركيين حيالها، كانت المعلومات ترد الى بيروت ان ثمة زيارة قريبة لنائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط السفير <دايفيد ساترفيلد> الى بيروت لوضع المسؤولين اللبنانيين في صورة موقف الادارة الأميركية من التطورات في كل من سوريا والعراق، وما تعمل له ادارة الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> على صعيد تحريك ملف أزمة الشرق الأوسط التي يقول الأميركيون ان <ترامب> ينوي فعلياً الوصول الى صيغة حل في شأنها. وبالتالي فإن وجود

<ساترفيلد> في العاصمة اللبنانية سيشكل فرصة لمعرفة الموقف الأميركي من الأفكار اللبنانية والصيغة المقترحة لاستئناف التفاوض براً وبحراً، وذلك بعدما تكون واشنطن قد <استمزجت> رأي المسؤولين الاسرائيليين حيالها.

وفيما أعربت المصادر المطلعة عن أملها في أن تكون أجوبة السفير <ساترفيلد> ايجابية لاطلاق المفاوضات بهدف الوصول الى تفاهم على ترسيم الحدود البرية والبحرية معاً، كانت مراجع رسمية تشير الى ان الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركية <مايكل بومبيو> لبيروت، كانت مناسبة لـ<استمزاج> رأي المسؤول الأميركي في إعادة البحث في موضوع الحدود البرية والبحرية معاً، وان ردة فعل <بومبيو> كانت ايجابية في حينه، وتُرجمت بعد فترة قصيرة من الزمن باتفاق لبناني على توحيد الموقف وتسليم أفكار خطية يُبنى عليها لتحريك هذا الملف الحساس الذي أعارته الحكومة الأميركية اهتماماً عندما أرسلت موفدين في السابق أخرجا الملف من ركوده، لكنه عاد الى نقطة الجمود بعد تعثر المضي به نتيجة مواقف اسرائيل التي رفضت في حينه مشاركة الأمم المتحدة عبر <اليونيفيل> وأصرت علىأن تكون واشنطن هي التي تقود مثل هذا الحوار.

والى أن يتضح الخيط الأسود من الخيط الأبيض، فإن القيادة اللبنانية تأمل في أن يتحرك التفاوض من جديد مع التأكيد على الاعتراف بحق لبنان في كامل المنطقة المتنازع عليها استناداً الى لبنانية خط الناقورة، خلافاً لما كان المبعوث الأميركي السابق <فريدريك هوف> اقترحه على المسؤولين اللبنانيين بأن تحصل اسرائيل على 60 بالمئة من المنطقة المتنازع عليها. ومع اقرار المسؤولين اللبنانيين بضرورة الوصول الى صيغة توضح حصة لبنان انطلاقاً من الترسيم البحري المتوقع، فإن هؤلاء المسؤولين لا ينامون على حرير لاسيما وان ادارة الرئيس <ترامب> المتضامنة مع اسرائيل ضد كل العرب قد لا تكون حيادية في مقاربة هذا الملف!