24 October,2018

هل تجلس إيران مع الشيطان الأكبر أم تنهار اقتصاديا وماليا؟!

 

بقلم خالد عوض

 

الجلوس مع الشيطان الأكبر هو الانتحار السياسي بعينه بالنسبة للنظام الإيراني. فالإيديولوجية السياسية للثورة الإيرانية قامت على العداء للولايات المتحدة <راعية الشر> في العالم وعلى إلغاء <بنتها المدللة> إسرائيل من الوجود لأنها اغتصبت الأراضي العربية. عندما يعرض الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> على الإيرانيين اجتماعا مباشرا من دون شروط فهو إما لا يعي طبيعة النظام الإيراني أو يقصد احراجه داخليا أكثر فأكثر.

منذ أيام تراجع الريال الإيراني في السوق السوداء إلى أقل من ١١٩ ألف ريال للدولار الواحد. الرساميل تهرب من كل حدب وصوب خاصة بعدما تبين أن الأوروبيين غير قادرين على المحافظة على مكاسب إيران التجارية من الإتفاق النووي من دون الولايات المتحدة. الشركات الأوروبية كلها تراجعت رغم ضغط حكوماتها لأنها لا تقدر على تحمل أي عقوبات أميركية قد تطالها.

إنهيار العملة الإيرانية هو انعكاس لأزمة اقتصادية ومالية ستتفاقم مع بدء تطبيق العقوبات الأميركية الجديدة إبتداء من هذا الأسبوع وتحديدا يوم ٦ آب (أغسطس) الحالي. منذ هذا التاريخ لم يعد بإمكان إيران شراء الدولار الأميركي أو الذهب والمعادن النفيسة ولا حتى التجارة بها، كما ستحظر الولايات المتحدة التعامل بالريال الإيراني وستفرض عقوبات على قطاع السيارات وتمنع إستيراد بعض البضائع الإيرانية التي كان الإتفاق النووي معها قد أعفاها من المقاطعة الأميركية. أما حزمة العقوبات الثانية التي ستنطلق في ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) أي بعد ثلاثة أشهر فهي ستشمل قطاع الشحن والنفط وستطال حتى الدول التي تستورد النفط الإيراني، كما ستتطبق العقوبات على جميع المؤسسات المالية الإيرانية ومن يتعامل معها. هاتان الموجتان من العقوبات كفيلتان بالقضاء على الاقتصاد الإيراني بالضربة القاضية ولا يمكن لإيران تحملها مهما كابرت.

الوقت إذا ليس في مصلحة الايرانيين والخيارات امامهم محدودة جدا بعد أن تبين لهم أن الأوروبيين ليسوا جديين وغير قادرين على مواجهة الولايات المتحدة. يبقى التعويل الإيراني على الصين لتخفيف وطأة العقوبات الأميركية ونتائجها القاسية، ولكن كل ما يمكن للصين أن تفعله هو إستيراد المزيد من النفط وهذا لن يحل المشكلة. الصين تستورد حوالى ٧٥٠ ألف برميل يوميا وهذا أكثر من ثلث الانتاج الإيراني الحالي

ويمكنها أن ترفع ذلك إلى مئة أو مئتي ألف برميل على الأكثر، وبشروطها التجارية، ولكن هذا لن يعوض أكثر من مليون برميل يمكن أن تخسرها إيران قريبا بسبب الحظر الأميركي. أما إرسال الرساميل والاستثمارات فحتى الشركات الصينية، التي عادة ما تقوم بالمهمات الاستثمارية نيابة عن الحكومة المركزية في <بيجينغ>، تستهاب العقوبات الأميركية وليست في وارد المجازفة بمصالحها بسبب خلاف أميركي – إيراني، فالعقوبات الأميركية التي تصل إلى تجميد الأصول وحتى السجن تطال أي شخص أو شركة تتعامل مع إيران. نصيحة الصين للإيرانيين ستكون هي نفسها التي أسدوها للرئيس الكوري الشمالي: اجلسوا مع

<ترامب> لأن العين بصيرة واليد قصيرة في هذه المرحلة.

 في الوقت نفسه يبدو عرض <ترامب> سطحيا جدا بالنسبة للإيرانيين، فهم يعرفون أنه استثمار إعلامي للرئيس الأميركي أكثر من أن يكون فيه أي شيء مفيد لهم، وهم رفضوا في السابق مجرد احتمال لقاء <على الواقف> ومصافحته خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي. ولكن في ظل انعدام الخيارات هم اليوم بين نارين: إما مفاوضة الشرير الكبير أو الهلاك الاقتصادي والمالي. ما يمكنهم أن يشرعوا به بسرعة هو استثمار الوساطة العمانية الأخيرة التي أدت إلى عرض الرئيس الأميركي بالاجتماع من دون شروط والبدء بمفاوضات غير مباشرة أو حتى <سرية> مع الأميركيين، مع العلم أن مع <ترامب> من الصعب إبقاء أي شيء خلف الكواليس. كل المؤشرات تؤكد أن مسار التفاوض الإيراني – الأميركي سيبدأ قريبا، إما على الطريقة الإيرانية أي من دون ضوضاء أو بشكل مسرحي يتيح للرئيس الأميركي تسجيل انتصار إعلامي جديد قبل الانتخابات النيابية الأميركية النصفية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

وحتى يتبين شكل ومدى التفاوض بين النظام الإيراني والإدارة الأميركية لن تكون هناك حكومة في العراق ولا في لبنان ولن تنتهي فصول <داعش> الإجرامية في سوريا… هي مع الأسف جزء من أوراق إقليمية يستجمعها الطرفان قبل التفاوض.