19 September,2018

هل تجر تركيا العالم إلى أزمة مالية جديدة؟!

بقلم خالد عوض

هناك اعتقاد سائد في العالم اليوم أن ما نشهده من سياسات غريبة ومتطرفة للرئيس الأميركي <دونالد ترامب> هي من بنات أفكاره أو نتيجة رؤيته السياسية والإقتصادية الخاصة. الحقيقة ليست كذلك أبدا. يكفي أن نعرف أن هناك ١٨٧٠ موظفا يعملون مباشرة لمكتب الرئيس الأميركي وهم متصلون به مباشرة، منهم حوالى ٤٥٠ في البيت الأبيض والباقون في المباني المجاورة، ليتبين أن <ترامب> هو بوق كبير لسياسات وإستراتيجيات بدأت حياكتها منذ أكثر من خمس سنوات واختارها <ترامب> المرشح ليجعل منها عناوين حملته الإنتخابية ثم ركائز سياسته الرئاسية.

رجال الرئيس!

هناك أكثر من خمسين موظفا أو مستشارا إما استقالوا أو طردوا من مكتب الرئيس منذ مجيء <ترامب> من دون احتساب الوزراء أو المدراء في الدولة مثل وزير الخارجية المستقال <ريكس تيليرسون> أو رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي المعزول <جايمس كومي>. هذا العدد يعتبر من الأرقام القياسية في الإدارة الأميركية لرئيس لم تمض سنة ونصف السنة على تسلمه الحكم، ولكن هناك مهندسين ثابتين لسياسات الرئيس الأميركي لا يمكنه أن يستغني عنهم بسهولة لأنهم نواة سياساته. هناك بالطبع صهره <جاريد كوشنر> المهندس الأول لصفقة القرن والوسيط المباشر في العلاقات الأميركية – الخليجية، وابنته <إيفانكا> التي يحب <ترامب> أن يأخذ رأيها في مواضيع الهجرة والعلاقات الدولية. كما هناك الممثل التجاري للولايات المتحدة <روبرت لايتهزير>، والبروفيسور <بيتر نافارو> رئيس مجلس التجارة الأميركي وهو مجلس جديد استحدثه <ترامب>، والإثنان يعتبران من الأعمدة الأساسية لسياسة الرئيس الأميركي التجارية، ومعظم ما نراه اليوم في خطوات الرئيس الأميركي مع الصين وأوروبا موجود في كتاباتهما ونظرياتهما منذ أكثر من خمس سنوات. بالإضافة إلى هؤلاء توجد السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة <نيكي هايلي> وسفيرا الولايات المتحدة في الصين وروسيا <تيري برانستاد> و<جون هنتسمان> المقربون جدا من الرئيس. بالخلاصة <ترامب> يعتمد على مئات المستشارين والاختصاصيين وأفكاره مستمدة من دراسات وتحليلات وحسابات لا وقت لرئيس أقوى دولة في العالم أن يستنبطها بل كل ما يمكنه فعله هو قبولها أو رفضها وتعديلها ثم التعبير عنها على طريقته… الخاصة جدا.

الأزمة الأميركية – التركية… إلى أين؟!

إذاً لا بد من استقراء مستقبل العلاقات الأميركية مع أي دولة أو منطقة من خلال آراء المقربين جدا من الرئيس. هذا ينطبق اليوم على الأزمة الأميركية – التركية التي تهدد الإقتصاد التركي فعلياً بعد أن هبطت الليرة إلى مستويات خطيرة. الاستراتيجية التي يؤمن بها المستشاران التجاريان <بيتر نافارو> و<روبرت لايتهزير> هي أن مصلحة الولايات المتحدة ليست في إتفاقيات جماعية مع كتل كبيرة مثل الإتحاد الأوروبي أو بلاد <النافتا> أو مجموعة دول جنوب شرق آسيا (الأسيان) بل في عقد إتفاقيات ثنائية منفصلة مع كل دولة أو جهة لأن مصالح الولايات المتحدة ليست نفسها مع كل دولة من مجموعة معينة، أي أن الهدف النهائي المنشود مع أي دولة مثل تركيا هو إتفاقية مباشرة خارج إطار الناتو أو أي تجمع آخر تعيد صياغة العلاقات الأميركية – التركية على أسس جديدة. لا شك أن موضوع إحتجاز الأتراك للقس الإنجيلي <أندرو برونسون> أشعل فتيل الأزمة ولكن من المؤكد أنها لن تنتهي تماماً بالإفراج عنه، رغم أن تركيا لم تجد حتى الآن المخرج اللائق الذي يمكنها من إعادته إلى الولايات المتحدة من دون أن تظهر في موقع المنهزم. ويأتي وقف <ترامب> تسليم تركيا طائرات <أف ٣٥> في إطار الضغط لإبرام صفقة جديدة مع الأتراك لأن الحلف القائم بين الدولتين منذ عقود لم يعد صالحا.

ورغم كل الضغوط التي تتعرض لها تركيا اليوم والمرجح أن تزداد فهي اليوم صاحبة القرار الإستراتيجي في التوجه غربا أو شرقا، أي هل تعود إلى الأحضان الأميركية (والإسرائيلية) أم تختار روسيا والصين؟ القرار اليوم عند <رجب طيب اردوغان> وسيبنيه على عدة عوامل من بينها موقف الصين المالي والإقتصادي المرتقب من الأزمة التركية ومدى استعدادها لدعم تركيا، ومقابل ماذا؟

 

لماذا هزت الأزمة التركية الهند وجنوب أفريقيا وإندونيسيا؟!

 

بعدما هبطت الليرة التركية منذ أيام سرعان ما اهتزت عملة جنوب أفريقيا <الراند> وسقطت أكثر من ١٠ بالمئة ثم تبعها <البيزو> الأرجنتيني و<الروبي> الهندي و<الروبي> الإندونيسي. ما حصل هو هروب الرساميل إلى الملاذات الآمنة كالدولار والفرنك السويسري والين الياباني من عملات الأسواق الناشئة التي تبين، من خلال الأزمة التركية، مدى هشاشتها. فإذا كانت عملة اقتصاد تركيا القوي والذي ينمو بقوة لا تحتمل عقوبات أميركية بسيطة أو زيادة في بعض الرسوم، يعني أن معظم الأسواق الناشئة المماثلة لا تؤتمن عملاتها وهذا ما يفسر جزئيا هروب بعض الرساميل. السبب الثاني هو الخوف من أزمة مالية عالمية لأن دين تركيا الخارجي يتجاوز ٤٠٠ مليار دولار وأكثر من ثلثه هو لمصارف أوروبية خاصة إسبانية وفرنسية وإيطالية وألمانية. وإذا استمرت الليرة بالهبوط فلن تتمكن تركيا من الوفاء بديونها فتجر معها عدة دول مثل إيطاليا وإسبانيا وتبدأ أزمة مالية دولية جديدة لا أفق لمداها. السبب الثالث لتحوط الرساميل هو أن الأزمة التركية ليست سياسية فقط بل قائمة على نظريات خاصة بالرئيس التركي لا تحبها الأسواق المالية منها أن رفع الفوائد يزيد التضخم وهو عكس كل النظريات المالية المعاصرة، ولذلك يمنع <اردوغان> زيادة الفوائد على الليرة للحفاظ على سعر الصرف. وبما أن <أردوغان> باق لخمس سنوات على الأقل بعد فوزه الحاسم في الإنتخابات الأخيرة يعني أن عدم إستهضام الرساميل الدولية له ولسياساته باق هو أيضا.

من مصلحة الجميع عدم تفاقم الأزمة التركية حتى لا يدخل العالم في دوامة مالية جديدة. ولكن ربما من رأي بعض مستشاري <ترامب> أن لا تنتهي هذه الأزمة بسرعة وتبقى على النار في ظل الضغط الأميركي المستمر على الصين التي، بدل التركيز على طريق الحرير، تجد نفسها يوما بعد يوم في ثوب الإطفائي المالي مرة في روسيا ومرة في إيران وقريبا ربما في تركيا.