23 September,2018

هل تتشكل حكومة العهد الأولى من وزراء غير مرشحين أم ان الظروف السياسية ستفرض تكرار صيغة سلام؟

بري-و-علي-حسن-خليل
تلتقي الأوساط السياسية، الموالية منها والمعارضة لخيار دعم رئيس <تكتل التغيير والاصلاح> العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، على القول بأن مرحلة تشكيل الحكومة الأولى في العهد الرئاسي الجديد ستكون حتماً أصعب بكثير من مرحلة الانتخاب الرئاسي إذا أُنجز في نهاية الشهر الجاري، ذلك ان المعطيات المتعلقة بالاستحقاق الرئاسي تختلف عن تلك المرتبطة بالاستحقاق الحكومي خصوصاً بعد المواقف المعلنة للرئيس نبيه بري بالتزامه المعارضة، وتجاوب كتل نيابية أخرى مع هذا الطرح، إضافة الى مجموعة من النواب المستقلين الذين باتوا يتخوفون من التنسيق <العوني> و<القواتي> و<المستقبلي> في الملف الرئاسي الذي يُفترض أن ينسحب حكماً على الواقع الحكومي.

وتتحدث الأوساط نفسها عن عدة سيناريوات بدأ تداولها في الأندية السياسية حول التركيبة الحكومية المقبلة والصعوبات التي ستواجه رئيسها الذي يُفترض أن يكون الرئيس سعد الحريري. وعلى رغم ان <التفاهمات> التي تمت مسبقاً بين وزير الخارجية رئيس <التيار الوطني الحر> جبران باسيل ومدير مكتب الرئيس الحريري المهندس نادر الحريري لم تُشر الى دخولهما في تفاصيل التركيبة الحكومية الأولى في <العهد العوني>، إلا ان مصادر مطلعة أشارت الى <فرضيات> تم التداول فيها حيال التركيبة الحكومية لاسيما وان الحكومة المقبلة يُفترض أن تشرف على الانتخابات النيابية التي تجمع الكتل النيابية على ضرورة اجرائها في شهر أيار (مايو) المقبل قبل انتهاء ولاية مجلس النواب بشهر.

 

تكرار تجربة حكومة سلام

 

السيناريو الأول يشير الى وجود خيار بأن تكون حكومة متوسطة الحجم، تشبه الى حد ما حكومة الرئيس تمام سلام التي كانت شُكلت أصلاً للإشراف على الانتخابات النيابية قبل أن يتعرقل المسار الانتخابي النيابي ويتم التمديد للمجلس، مع تعديل في توزيع التمثيل على الكتل النيابية التي سوف تعلن رغبة الاشتراك في الحكومة.

وفي هذا الإطار، يتوقع ان تنال <القوات اللبنانية> حصة مسيحية توازي تلك التي حصل عليها الرئيس السابق ميشال سليمان (وزيران ماروني وأرثوذكسي) مع تعديل في حصة حزب الكتائب ــ إذا اشترك في الحكومة ــ يقلص عدد وزرائه الى اثنين بدلاً من ثلاثة كما هو الحال في الحكومة الحالية (قبل أن يستقيل الوزير آلان حكيم بقرار من المكتب السياسي الكتائبي). أما حصة <التيار الوطني الحر> فستبقى مقتصرة على وزيرين، إلا إذا قرر رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية عدم المشاركة فتزاد حصة <التيار> ليصبح عدد وزرائه ثلاثة. أما حصة الرئيس سلام (3 وزراء) فستنتقل حكماً الى تيار <المستقبل> خصوصاً إذا امتنع نجيب ميقاتي عن المشاركة. ولن تتبدل حصة حزب الله وحركة <أمل>، لأن ثمة من يرى ان لا مشاركة للحزب إذا لم تشارك <أمل>، وفي حال كانت الحكومة ثلاثينية، فستزاد حكماً الحصص كافة حسب التوزيع الطائفي والمذهبي ضمن المناصفة.

أما السيناريو الثاني، فيرتبط بإصرار الرئيس بري على الانتقال الى صفوف معارضي الحكومة من الخارج أي عدم المشاركة، علماً ان مثل هذا السينايو مستبعد لأن لا امكانية لتشكيل حكومة ولا وزراء فيها لكل من <أمل> وحزب الله، إضافة الى ما يعنيه ذلك من تصعيد سياسي في وجه الرئيس الجديد والرئيس الحريري على حد سواء، خصوصاً ان معارضة العهد في أشهره الأولى شيء، ومعارضة الحكومة شيء آخر…

 

أم حكومة للمعارضة الثلث المعطل فيها؟

من هنا، ترجح مصادر سياسية معنية سيناريو ثالثاً يقوم على نجاح حزب الله بإقناع الرئيس بري بالمشاركة في الحكومة حيث يتوقع ان يتمسك رئيس مجلس النواب بامتلاك الثلث المعطل في حكومة ثلاثينية أو متوسطة الحجم تضم وزراء يمثلون الكتل التي سوف يحجم نوابها أصواتهم عن العماد عون سواء من خلال الاقتراع بأوراق بيضاء أو من خلال التصويت لصالح النائب فرنجية. وتقول المصادر نفسها ان نواة الثلث المعطل في هذه الحالة ستكون من ممثلين عن <أمل> وكتلة الرئيس ميقاتي، و<المردة> وحزب الكتائب والنائب طلال ارسلان وعدد من النواب الذين يصفون أنفسهم بـ<المستقلين> مثل الوزير بطرس حرب أو النائب روبير غانم. ويرى أصحاب هذا السيناريو ان التمثيل الدرزي داخل الثلث المعطل سيكون للنائب طلال ارسلان ــ إذا صوّت ضد العماد عون ــ أو النائب وليد جنبلاط إذا أراد أن يبقي تحالفه مع الرئيس بري حياً يُرزق سواء إذا صوّت لمرشحه النائب هنري حلو، أو وزع أصواته بين حلو وعون، ويكون جنبلاط بذلك قد أرضى حليفه الرئيس بري حكومياً بعدما لم يتجاوب مع الرغبة في الاقتراع ضد عون أو وضع أوراق بيضاء.

غير ان <المفاجأة> التي تتوقعها أوساط متابعة قد تكون توافق العماد عون والرئيس الحريري على أن تكون الحكومة الأولى التي سوف تشرف على الانتخابات من دون وزراء مرشحين (باستثناء رئيسها طبعاً الرئيس الحريري)، لأن ذلك سوف يخلط أوراق هويات الوزراء المرشحين لدخولها من دون أن يؤثر على التوزيع السياسي فيها ولاسيما الثلث المعطل، وما يدفع هذه الأوساط الى الاعتقاد بامكانية طرح عنوان <وزراء غير مرشحين> ان الانتخابات النيابية تفرض حداً أدنى من الحياد الرسمي، ووجود وزراء مرشحين يسقط هذا الحياد ولو بالشكل ويعطي الوزراء المرشحين أولوية على خصومهم لأنهم في موقع المسؤولية أولاً ويمكن أن يستغلوا الوزارات التي يتولونها ثانياً لتقديم <تسهيلات> يوظفونها في معاركهم الانتخابية.

أما السبب الثاني فيعود الى ان العماد عون ــ إذا أصبح رئيساً للبلاد ــ سبق له أن رفع شعار الفصل بين الوزارة والنيابة وأقرن ذلك بتقديم اقتراح قانون في هذا المعنى لم يلق تأييد غالبية الكتل النيابية. ومثل هذا الخيار ــ تضيف المصادر ــ لن يغيّر من التركيبة السياسية للحكومة العتيدة إلا جزئياً، ويقتصر الأمر إذ ذاك على اشخاص الوزراء وليس على انتماءاتهم السياسية والطائفية والمذهبية. إلا ان التسليم لـ<المعارضة الجديدة> بزعامة الرئيس بري بامتلاك الثلث المعطل، يعني عملياً امتلاك القدرة على شل مجلس الوزراء وتراجع الانتاج فيه إذا ما حصلت خلافات داخل الحكومة، إضافة الى ان امساك هذا الثلث بمصير الحكومة، لأن استقالة ثلث أعضاء الحكومة (سواء كانت متوسطة أو ثلاثينية) تؤدي الى استقالتها حكماً، يضع الحكومة ــ وربما العهد الجديد ــ <تحت رحمة> المعارضة الجديدة بزعامة الرئيس بري، إضافة الى انه لن يكون من السهل حكومة-نجيب-ميقاتيالوصول الى هذه الصيغة إذا ما استمرت الأوضاع السياسية الراهنة على تشرذمها وتباعدها.

عقدة المال والنفط

 

وبعيداً عن التوزيع السياسي داخل الحكومة العتيدة القابل للأخذ والرد من خلال المفاوضات، تبقى عقدة أشد خطورة وإحراجاً، هي تمسك الرئيس بري بالحصول على وزارتي المال والطاقة المياه، وهو ما شكل إحدى نقاط الخلاف بين رئيس المجلس والرئيس الحريري الذي رفض الالتزام بجعل وزارة المال من حصة وزير شيعي، فضلاً عما يثيره من تشنج وردات فعل لدى العماد عون الذي أكد لزواره انه لم يقدم أي تنازلات للرئيس الحريري، بما في ذلك أسماء الوزراء المرشحين لدخول الحكومة أو الحقائب الوزارية التي سوف يشغلونها. وتتوقع الأوساط ان تكون هذه النقطة التي سوف ترسم مسار العمل الحكومي المقبل، ومدى قدرة الحلفاء ــ قبل الخصوم ــ على التعايش مع الواقع المستجد بكل تشعباته.

وأشارت الأوساط الى ان خيار <حكومة التكنوقراط> للإشراف على الانتخابات لا يجد <حماسة> لدى الكتل النيابية، وإن كان خيار <وزراء غير مرشحين> قد يجد صدى ايجابياً أكثر من <التكنوقراط>، وهو سبق أن اعتمد في الحكومة التي رئسها الرئيس نجيب ميقاتي في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وأشرفت يومها على الانتخابات النيابية التي أجريت في تلك الفترة. غير ان ثمة من يرى بأن الظروف السياسية التي كانت سائدة في العام 2005 مختلفة عن تلك السائدة راهناً خصوصاً في ظل التجاذبات السياسية القائمة. ولا ترى الأوساط نفسها امكانية لتشكيل قريب لحكومة العهد الأولى ــ إذا ما تمت الانتخابات الرئاسية في موعدها ــ متوقعة ان يأخذ تشكيلها وقتاً طويلاً إذا لم تنجح الاتصالات والوساطات في تحقيق أي تقدم على جبهة العلاقة بين الرئيسين بري والحريري، وكذلك بين <الرئيس> عون ورئيس مجلس النواب <زعيم> المعارضة الجديدة!