16 October,2019

هل أصبحت تهمة الفساد ثانوية أمام التحديات الإقتصادية الآتية؟

 

بقلم خالد عوض

 

هناك قواسم مشتركة طريفة حاليا بين الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل تتعلق بأهمية محاربة الفساد في الأنظمة الليبرالية. الدول الثلاث قائمة على نظام ديمقراطي ليبرالي، وهذا النظام مأزوم اليوم ويعاني بشكل لا سابق له. على رأس النظام ثلاثة رؤساء تلاحقهم تهم الفساد بأشكال مختلفة. <دونالد ترامب> الرئيس الأميركي ملاحق بتهمة إستغلال مساعدات عسكرية أميركية لأوكرانيا لحث الرئيس الأوكراني على البحث عن صفقات مالية مشبوهة قام بها <هانتر بايدن> إبن نائب الرئيس السابق <جو بايدن>، المرشح الديمقراطي الأوفر حظا لمواجهة <ترامب> في الإنتخابات الرئاسية المقبلة بعد سنة. رئيس الوزراء البريطاني <بوريس جونسون> ملاحق بتهم إستغلال المال العام عندما كان عمدة مدينة لندن لإغواء عدة نساء. ورئيس الوزراء الإسرائيلي <بنيامين نتنياهو> متهم بأنه تلقى هو وزوجته <سارة> هدايا هي أقرب إلى رشاوى من الملياردير الأوسترالي <جايمس باكر> لتسهيل اعماله في إسرائيل كما أنه استعمل نفوذه لتمرير قوانين تساعد شركات إعلامية مقابل حصوله على تغطية إعلامية إيجابية. الرؤساء الثلاثة سيتقرر مصيرهم خلال الأشهر المقبلة. ولكن رغم كل التهم الموجهة اليهم ومختلف الإثباتات ضدهم هناك أمر ربما سيساعدهم على تخطي كل ذلك: لا بديل مقنعاً ضدهم وخروجهم من السلطة يمكن أن يكون سلبيا جدا على المستوى السياسي والإقتصادي، فالمنافسون الحاليون للرؤساء الثلاثة غير قادرين على جمع أغلبية شعبية أو برلمانية، بالتالي هناك معادلة جديدة يمكن أن تدخل إلى النظام الديمقراطي الذي نعرفه: قائد مع <بعض> الفساد أفضل من فراغ سياسي مؤذ لمصلحة الدولة والإقتصاد.

 

إسرائيل العاجزة سياسيا، تنحني أمام السيجار والشمبانيا؟ 

 

بدأت يوم الأربعاء الماضي جلسات الإستماع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي سيشرح للمدعي العام خلفية تلقيه مئات الآلاف من الدولارات وعشرات علب السيجار وزجاجات الشمبانيا من صديقه الأوسترالي <جايمس باكر> الذي جاء إلى إسرائيل عام ٢٠١٤ وأسس شركة تعمل في الأمن السيبرياني (Cyber Security) وإشترى قصرا قرب بيت رئيس الوزراء فأصبح جاره. <نتنياهو> يواجه ثلاث قضايا وعدة تهم من بينها تلقي رشاوى وخيانة الثقة والفساد. المدعي العام سيقرر إذا كان <نتنياهو> مذنبا أو لا وساعتئذٍ سيخضع رئيس الوزراء إلى محاكمة يمكن أن تفضي به إلى السجن لمدة لا تقل عن سنة ونصف السنة. قبل جلسات الإستماع كان الرئيس الإسرائيلي <روفن ريفلين> قد كلف <نتنياهو> الذي جاء حزبه ثانيا في الإنتخابات أن يؤلف حكومة لأن منافسه <بيني غانتس> الذي جاء حزبه <أبيض أزرق> أولا غير قادر على تأمين أغلبية برلمانية. <نتنياهو> حاول التعاون مع <غانتس> لتأليف حكومة وطنية ولكن الأخير رفض بحجة أنه لا يقبل أن يكون مشاركا في حكومة رأسها فاسد. الأحزاب اليمينية أصبحت هي ملاذ <نتنياهو> الأخير ولا يبدو انها مستعدة لإنقاذه بل تتحين الفرصة لسقوطه حتى تأخذ مكانه. الأسابيع المقبلة صعبة جدا على إسرائيل لأن مستقبل الدولة الصهيونية السياسي بات غير واضح نهائيا. إنعدام الرؤية السياسية في إسرائيل يحمي <نتنياهو>.

<جونسون> او … اوروبا من جديد؟

الأخبار في بريطانيا ليست أفضل. هناك عشرات الأسباب تكفي لإتهام رئيس الوزراء <بوريس جونسون> بالفساد واستغلال المال العام واساءة إستعمال السلطة. ولكن أم الديمقراطيات في العالم الحديث أمام إختبار مصيري بعد ثلاثة اسابيع وبالتحديد في ٣١ تشرين الأول (أكتوبر) عندما يحين وقت الخروج من الإتحاد الأوروبي. البريطانيون مقتنعون أن التفاوض مع الإتحاد الأوروبي يلزمه شخص متفلت مثل <بوريس جونسون> ومعظمهم لا يريدون البقاء في أوروبا بالشروط المقبلة. <جونسون> يعدهم بمستقبل زاهر، وعلاقته المميزة مع الرئيس الأميركي يمكن ان تضمن له إتفاقا تجاريا يفتح الأسواق الأميركية أمام صناعتهم. مع إقتراب موعد <بركزيت> لا يمكن للبريطانيين أن يخلعوا <بوريس> حتى لو كان مد يده على المال العام بل حتى لو كان كذب على الملكة كما قالت المحكمة العليا في بريطانيا. <بركزيت> يحمي <جونسون>.

 

لا بديل لـ<ترامب>… حتى لو حوكم؟

 

الرئيس الأميركي في أسوأ أحواله على عكس اقتصاده القوي وعملته الخضراء التي تحقق مستويات قياسية تاريخية مقابل معظم العملات. الرجل ضبط في مخابرة هاتفية مع الرئيس الأوكراني عن طريق مخبر من الداخل سيدلي بشهادته قريبا. من الأرجح أن <ترامب> سيتهم بإستغلال السلطة والتلاعب بأموال دافعي الضرائب حتى يهزم منافسه <جو بايدن> ويفوز بإنتخابات ٢٠٢٠. ولكن حتى الإتهام لن يكفي لإقناع الأميركيين أن هناك شخصاً آخر يمكن أن يخوض الحرب التجارية الشرسة مع الصين. هكذا حرب تتطلب شخصا بتفلت <ترامب> ووقاحته خاصة أن المعسكر الديمقراطي لم يفرز الشخص القادر على مواجهة التحدي الصيني. الحرب مع الصين تحمي <ترامب>.

الديموقراطيات العريقة في العالم مأزومة. حتى في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا الناس تتأرجح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار والوسط في فترات لا تزيد عن سنة لأن الخوف من الآتي إقتصاديا وماليا هو الذي يتحكم بالخيارات الإنتخابية. الكل يبحث عن قبطان قادر على مواجهة العواصف بطريقة غير تقليدية… فهل أصبحت الديمقراطيات بحاجة لـ<أزعر> حتى يقودها أو ينقلها من ضفة سياسية وإقتصادية إلى أخرى؟ أم أن الفساد أصبح عنصرا ثانويا أمام التحديات الإقتصادية الكبيرة الآتية؟ …الجواب خلال الأسابيع المقبلة.