7 July,2020

هل أصبحت الطريق إلى فلسطين تمر من... سلعاتا؟

 

بقلم خالد عوض

أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله: هل دقت ساعة المعركة الكبرى؟

عام ١٩٧٦ أطلق نائب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية صلاح خلف (أبو إياد) الذي اغتيل في تونس عام ١٩٩١ شعارا غريبا جدا، ولكنه ما لبث أن أصبح تقليدا يردده أي زعيم عربي يسعى إلى تذكير جمهوره بالوجهة المفروضة لقضيته: “طريق القدس تمر من جونيه!” الهدف يومها كان محاولة تعليل الإنخراط الفلسطيني في الحرب في لبنان رغم غياب أي منطق في هذه العبارة. ثم سمعنا هذا الشعار يتردد في عدة مناسبات لتفسير إنحراف البوصلة بعيدا عن فلسطين، منها مثلا ما قيل على لسان قادة حزب الله مؤخرا أن طريق القدس تمر من بلدات القلمون والزبداني السورية ثم من مدينة حلب، وحتى من اليمن التي اعتبروها حجر الأساس لتحرير فلسطين. اليوم يمر لبنان بتحد داخلي جديد في السياق نفسه، ليس عسكريا بالضرورة، ولكن إستراتيجيا وكيانيا.

تفاهممار مخايلمنتهي.. الصلاحية؟

الخلاف المستجد بين حزب الله والتيار الوطني الحر ليس تفصيلا أو إختلافا في وجهات النظر، فهو يعكس إختلالا في حاجة كل طرف إلى الآخر على المستوى الإستراتيجي. لم يعد التيار بحاجة إلى حزب الله، بينما لا يبدو العكس صحيحا، لأسباب عديدة آخرها وليس أولها إنتفاضة ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٩. ويبدو أن مفاعيل تفاهم كنيسة مار مخايل في ٦ شباط (فبراير) عام ٢٠٠٦ بين الحزب والتيار والذي أسس لمرحلة إتفاق إستراتيجي بين مكونين اساسيين في لبنان قد انتهت.

فقد حصل التيار على الوزن الأكبر في كل الحكومات التي أتت بعد التفاهم بين الطرفين، ووصل العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام ٢٠١٦ بفضل تمسك حزب الله به بل العناد المطلق من أجل وصوله ولو على حساب فراغ رئاسي لم يشهد مثله لبنان منذ استقلاله عام ١٩٤٣. في المقابل غطى التيار الوطني الحر كل أعمال حزب الله في هذه الفترة بدءا من أحداث ٧ ايار (مايو) ٢٠٠٨ وصولا إلى الحرب في سوريا والتدخل في اليمن والعراق مرورا حتى بالخطاب العدائي للحزب ضد دول الخليج وكل تبعاته المالية والإقتصادية.  

اليوم، ينظر التيار ورئيسه جبران باسيل إلى حزب الله من منظار لبناني مختلف تماما عما كانت تمليه ظروف ٢٠٠٦، أثرت عليه بالطبع التغيرات التي جاءت بها انتفاضة الشعب اللبناني في ١٧ تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، كما ساهمت أيضا بقلبه تداعيات الوباء الإقتصادية والكيانية في لبنان والعالم. أساسا لم يخف باسيل ولا مرة إختلافه الايديولوجي مع حزب الله في مسألة حق إسرائيل في الوجود وأن مسألة الصلاة في القدس هي مسألة تعني حزب الله وحده ولا تنسجم مع خيارات التيار الوطني الحر الإستراتيجية والتي تحكمها النظرة إلى مستقبل لبنان. ولكن الجديد اليوم أن حزب الله ماض في حرب ضد إسرائيل ليست بالضرورة دفاعية فقط ومن المستحيل على التيار أن يتمكن من منحها الغطاء اللبناني. وحتى لو أراد التيار التورط في ذلك فمن أجل أي مقابل؟ حتى البند الرابع من تفاهم مار مخايل حول محاربة الفساد سقط بالضربة القاضية خلال السنوات الماضية وتوج انهياره في ١٧ تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، وبدل أن يكون التيار هو السباق في الإصلاح والتغيير أصبح من المتهمين بالفساد ويرد التيار بعض ذلك إلى تخاذل حزب الله في دعمه في مفترقات كثيرة.          

 

أي رئيس للبنان أو أي لبنان لأي رئيس؟

رئيس تكتل لبنان القوي جبران باسيل: سلعاتا… أولا

صحيح أن موعد إنتخابات الرئاسة في لبنان لا يزال على بعد سنتين، ولكن جبران باسيل يعتبر أن من حق التيار أن يطالب بوعد من حزب الله، فقط وعد لا أكثر، بدعم رئيسه ضد أي مرشح آخر من المحور نفسه كما فعل من أجل عمه. في المقابل يرفض الحزب إعطاء مجرد وعد ليس لأن الوعد يعني الإلتزام المطلق أخلاقيا وعمليا، بل لأنه يرى متغيرات كثيرة آتية على المنطقة، كيانية وحدودية وإقتصادية وتحالفية، تمنعه حتى من الوعد بغض النظر عن اقتناعه بباسيل. وهو يعتبر أن الكلام عن رئاسة الجمهورية ليس فقط سابقا لأوانه بل خارجاً عن الزمن والواقع و…المنطق، على عكس ظروف ٢٠١٦. 

وإستطرادا إذا، من جهة لا يمكن للتيار أن يعتمد على حزب الله لدعم وصوله إلى الرئاسة ويعرف أن أجندة حزب الله الإقليمية أصبحت عبئا عليه أكثر بكثير من أي فوائد لها، كما يستقرئ جيدا أن حكم لبنان في المستقبل لن يكون من خلال دولة مركزية بل من خلال إطار فدرالي أصبح الحديث عنه موضة الساعة. ومن جهة أخرى فإن إهتمام الحزب هو اليوم في مكان آخر وليس في لبنان أو “سخافات” فساده فهو يتأهب للمعركة الكبرى، ويستعد كما يقول امينه العام للصلاة في القدس، وكل شأن آخر هو تفصيل. ورغم نفي السيد حسن نصر الله لإحتمال حرب هذا الصيف، إلا أن كل المؤشرات تؤكد أن ظروف الحرب تتهيأ على قدم وساق. هذه المعطيات تفرغ تفاهم مار مخايل من كل مضامينه بل يمكن القول أن عدم دفنه هو بسبب غياب أي بديل له.     

الوضوء في خليج سلعاتا والصلاة في القدس؟

في هذا الجو يستغرب التيار كيف يمكن لحزب الله أن يصوت ضد مشروع معمل كهرباء سلعاتا الذي يعتبره باسيل أحد الأعمدة لمنظومته الفدرالية. وإذا كان الحزب لا يعطي وعدا بالرئاسة ويعمل إستراتيجيا خارج فضاء التيار فما باله يعرقل حتى مشاريعه الصغيرة؟ وما يضره أن يمضي بخطة كهرباء سبق حتى لسعد الحريري أن قبل بها؟ وهل فعلا إرتفع اليوم منسوب محاربة الهدر عند حزب الله لهذه الدرجة، وهو الذي سبق أن غطى مخالفات بالجملة لحلفائه الآخرين؟ بالنسبة للحزب طفح الكيل في مسألة الفساد وتبديد أموال الدولة كما يريد حقيقة لهذه الحكومة ولرئيسها أن تخطو إلى الأمام. كذلك فانه يعتبر معمل سلعاتا، ومحطة التغويز التي ستبنى لتوفير الغاز له، مقدمة لإدخال قطر في لعبة الغاز اللبناني لإن شركة “قطر بتروليوم” هي الوحيدة التي قدمت عرضا لإنشاء المعامل الثلاثة. ودخول قطر من باب الغاز اللبناني هو إستراتيجي إقليميا ومحليا ولا يمكن معالجته فقط بمعمل كهرباء هنا أو هناك.

بالنسبة للتيار أصبح معمل سلعاتا ورقة التين التي يمكن لحزب الله أن يحمي بها تفاهم مار مخايل ويستمر في الحصول على الغطاء العوني… وإن هو أراد الصلاة في القدس فلن يضره الوضوء في مياه خليج سلعاتا.