16 November,2018

هكذا يمكن نفي صفة ”اللصوصية“ عن الحكومة الحالية...  

بقلم خالد عوض

الياس-بو-صعب

الخبر الاقتصادي الاستثنائي الآتي من الألعاب الأولمبية في <ريو دي جانيرو> ليس نجاح البرازيل في تنظيم الحدث الأولمبي رغم غرق اقتصادها في اسوأ فترة انكماش في تاريخها، بل هو يتعلق بنجاح بريطانيا في حصد عدد قياسي من الميداليات (خمسون حتى كتابة هذ السطور) تنافس بها الصين على المركز الثاني بعد أن تأكد أن الولايات المتحدة ستتصدر الجميع. عندما تسأل كيف تمكنت بريطانيا من تخطي روسيا واليابان وكل الدول الأوروبية الأخرى مع أنها أقل سكاناً وأصغر اقتصاداً من معظمها، يأتي جواب واحد: رئيس الوزراء السابق <جون مايجور> الذي أصبح اليوم البطل البريطاني الأولمبي الأول. لماذا وكيف؟

عام ١٩٩٤ منح رئيس الوزراء البريطاني ورئيس حزب المحافظين آنذاك رخصة لإدارة اليانصيب الوطني. قامت دنيا <حزب العمال> عليه ولم تقعد لأن ذلك من شأنه أن يفقر الشعب. ولكن <مايجور> اشترط يومئذ أن تخصص ٢٠ بالمئة من عائدات اليانصيب الوطني لتنمية الرياضة الأولمبية في بريطانيا. سخر معارضوه منه في ذلك الحين لأن هذه المداخيل المخصصة للرياضة كانت لا تزيد عن ٥٠ مليون جنيه استرليني. أما وقد تخطت ٣٥٠ مليون جنيه استرليني بعد ألعاب لندن الأولمبية عام ٢٠١٢، فهي كانت المساهم الرئيسي في تحويل بريطانيا إلى قوة اولمبية عالمية، مع كل ما يعني ذلك من تأثير إيجابي على مستقبل الشباب وعلى اللحمة الوطنية الداخلية والسمعة العالمية. وأصبح <جون مايجور> إلى حد كبير شبيها برئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية <ونستون تشرشل> من حيث أن الأخير قاد بريطانيا لتنتصر في الحرب والأول قادها لتفوز في السباق الأولمبي.

ولكن في المثل البريطاني خلاصة اقتصادية مهمة وهي أن النظام الرأسمالي، الذي فيه الكثير من العيوب والمطبات، يمكن أن يستخدم بطريقة ذكية إذا كان لا بد منه. في النهاية مَن من البريطانيين كان سيقبل بتطبيق ضريبة اولمبية مثلاً تساوي عشرين بالمئة من عائدات اليانصيب؟ لو فعل <جون مايجور> ذلك يومئذٍ لنزل الناس إلى الشارع وتحولت شوارع <لندن> إلى موجات غضب. في النهاية الناس دفعوا خمس أضعاف هذه الضريبة من دون أن يشتكوا. وأصبحت بريطانيا من وراء اليانصيب جون-ماجورمن أهم الدول في عالم الرياضات الأولمبية. اليانصيب هو تجارة بيع الأحلام، ولكنه موّل الحلم الأولمبي البريطاني من خلال طمع الناس بالثروة.

لا نريد الدخول في موضوع عائدات <اللوتو> واليانصيب في لبنان وأين تذهب ولكن الأكيد أن جزءاً غير قليل منها يذهب إلى بؤر الفساد وليس إلى المدينة الرياضية أو النوادي المختلفة. في جميع الأحوال لو كان هناك رؤية بعيدة المدى للبلد لكان تحقق استثمار أكثر  فعالية من عائدات اليانصيب اللبناني الذي تأسس عام ١٩٥٩!

ولكن هناك فرصة اقتصادية واستراتيجية عن طريق تخصيص عائدات الغاز الموعودون بها في العام ٢٠٢٣، وذلك منذ اليوم من خلال تصور دور مستقبلي للبنان يلائم طبيعة شعبه وكفاءاته. كيف؟

في البداية لا بد من تخصيص جزء من العائدات الغازية والنفطية لإطفاء الدين العام. فمجرد إعلان ذلك والمضي عملياً وتشريعياً به يساعد لبنان مالياً إلى حد كبير ويعطي الثقة بأن الدولة جدية في تخفيض حجم الدين.

ولكن يمكن أن يخصص كذلك منذ اليوم عشرون بالمئة من عائدات الغاز لقطاع التعليم والجامعة اللبنانية. هذا هو الاستثمار البشري الحقيقي الذي يمكن أن يعطي لبنان تميزه الإقليمي، كما يمكن أن تركز الاستثمارات هذه في قطاعات تعليمية معينة تعكس عطش سوق المستقبل إلى كفاءات خاصة وتأخذ بعين الاعتبار الميزات التفاضلية عند الشباب اللبناني.

تخصيص جزء من عائدات الغاز منذ اليوم لإطفاء الدين العام والتعليم، عن طريق مرسوم حكومي، يعطي إشارة أن هذه الحكومة العاجزة بفعل الوضع السياسي ليست بالضرورة حكومة سارقين ولصوص.