15 November,2018

هكذا يطرق المسلحــون بـاب عرسال وجرودهــــا

الحجيري-1 ما زالت حتى اليوم جرود بلدة عرسال البقاعية المتاخمة لجرود القلمون السورية ارض نزاع ملتهبة بين الجيش اللبناني تسانده وحدات مقاتلة من حزب الله من جهة، وبين الفصائل السورية المسلحة من جهة أخرى وفي طليعتها تنظيما <داعش> و<النصرة>، من دون ان تبرز سيطرة واضحة لأي فريق على تلك المساحات الشاسعة، وهو الأمر الذي يتحول بين الحين والآخر الى اشتباك <مدفعي> يتمكن خلاله الجيش في معظم الاحيان من قتل عناصر للتنظيمين وجرح افراد منهما بالاضافة الى أسر بعضهم في احيان متفاوتة.

الدخول الى بلدة عرسال وغيرها من قرى الحدود يقود تلقائيا الى مخيمات النزوح المخصصة للنازحين واللاجئين السوريين، وهي الامكنة التي يكثر حولها الجدل بين من يرى فيها دعامة فعلية للإرهاب بأشكاله والوانه المتعددة، وصولاً الى حد اتهام العديد من شبان هذه المخيمات بالانتماء الى <جبهة النصرة> و<داعش> و<الجيش الحر> ووقوفهم خلف العمليات التي تستهدف الجيش اللبناني في بعض النقاط التي ينتشر فيها، وبين من يعتبرها آخر حصن يمكن ان يلجأ اليه المدنيون السوريون الهاربون من ريف دمشق الذي تحوّل الى كتلة نار مشتعلة يتم تقاذفها بين الجهات المتقاتلة.

 

مخيـــــم عــــالق ونازحــــون

 تائهـــون في ولائهــــــم

المسلحون-في-جرود-عرسال

لا اسم فعلياً لهذا المخيم ولا هو مدرج حتى على لوائح المؤسسات المعنية بشؤون اللاجئين السوريين الى لبنان وتحديدا مؤسسة الامم المتحدة. كل شيء داخل هذا المخيم – الذي اكتسب اسماء المخيم <الفالت> و«العالق> ومخيم <سوريا الكبرى> كنتيجة طبيعية لتفلته من القيود والضوابط الأمنية، ولأنه عالق بين الجيش والتنظيمات، او كدليل على جمعه معظم ابناء المدن السورية او المحافظات – يدل على صعوبة الوضع الميداني على هذه البقعة الصغيرة جغرافيا والكبيرة لجهة ترابطها مع جرود عرسال الواسعة. فمن هذا المخيم يمكن للاهالي التواصل مع المسلحين بشكل سريّ ويمكن لهؤلاء التسلل إليه ليلا، وتحديدا في مثل هذا الطقس الرديء حيث يصعب على الجيش رصد بعض التحركات الليلية خصوصاً وأنه لا يمتلك لغاية اليوم اعتدة لوجستية تمكنه من رؤية اهداف متحركة بشكل واضح ما عدا بعض المناظير الليلية والتي يمتلك الطرف الآخر مثلها، ولذلك يعمد الجيش اللبناني بين الحين والآخر الى اطلاق قذائف مدافعه على نقاط وطرق يشتبه بتسلل الإرهابيين عبرها الى حدود بلدة عرسال او الى المخيم المذكور وغيره.

ويعلن عدد غير قليل من سكان المخيم تأييدهم العلني لـ<الجيش السوري الحر> ويصل حجم هذا التأييد الى حد اعتراف هؤلاء به كممثل شرعي لهم، كما يدعمون الخطوات العملانية التي يقوم بها <الإئتلاف الوطني> في الخارج. يشرح الاهالي هنا معاناتهم التي لا تُعدّ ولا تُحصى بدءاً من ازمة الطعام مرورا بعامل التدفئة حيث تصل درجة الحرارة عندهم اثناء الليل احيانا الى اربعة او خمسة تحت الصفر وصولا الى ازمة الدواء والطبابة وصعوبة العبور الى جهة المخيمات الأخرى التي تقع في الطرف اللبناني عند الحاجة. وهنا تقول احدى السيدات بأن شقيقتها الحامل حاولت مع زوجها الدخول الى احد المخيمات في الطرف اللبناني اثناء الليل، وذلك بعدما شعرت بالمخاض لكنها بقيت لفترة تزيد عن الساعتين وهي تنتظر عند احدى النقاط التابعة للجيش حتى سُمح لها بالدخول.

 

محاولتا تسلل باءتا بالفشل

حزب-الله-في-الجرود 

محاولة العبور من المخيم المقصود باتجاه الجرود تعترضها احاديث تتعلق بصعوبة الوصول الى تلال بدت واضحة انها تمكّن زائرها من رؤية تحركات عناصر <جبهة النصرة> و<داعش> بالعين المجردة. في لحظة ما يحتدم القصف بين الجيش اللبناني من جهة وبين الفصائل السورية المسلحة من جهة أخرى، ليكون القرار بالعودة الى حيث المناطق الآمنة نوعا ما. المفاجأة الاكبر تكمن في معرفة عدد من أهالي المخيم بكل ما يجري على ارض المعركة بشكل تفصيلي. يخبر أحد الشبان ان عناصر من <الثوار> تمكنوا من اسقاط موقع متقدم لحزب الله في جرود بلدة فليطا السورية، وهو يقصد هنا تنظيم <داعش>، وقد تزامن هذا السقوط مع محاولة أخرى لـ<الثوار> للوصول الى نقطة قريبة من مشارف بلدة عرسال الا ان الجيش اللبناني احبط المحاولة، وهناك اصابات مؤكدة في صفوف عناصر الحزب والجماعات المُهاجمة.

التأفف الدائم الذي يبديه سكان المخيم من عمليات الدهم المستمرة على يد القوى الأمنية اللبنانية يزيد من شعورهم بالإهانة، هذا على حد وصف بعض المسؤولين عن المخيم. لكن من جهة أخرى تؤكد مصادر أمنية ان عمليات الدهم تسفر في غالبيتها عن كشف اعتدة عسكرية ومناظير ليلية وايضا عن مطلوبين للقضاء اللبناني لهم علاقات باعتداءات على عناصر للجيش وعلى نقاط عسكرية، ومن بين هؤلاء سوريون وفلسطينيون ولبنانيون، وهناك ايضا عناصر مسلحة تتسلل من الجرود بين الحين والآخر الى داخل هذه المخيمات اما بهدف ايصال بعض الاسلحة واما بهدف زيارة عائلاتهم او اشخاص لهم ارتباط بهم. ويكشف مصدر أمني آخر انه في احدى عمليات الدهم التي حصلت منذ فترة عُثر على كمية من الاسلحة داخل خيمة تعود لسيدة عجوز في الثمانين من عمرها، ولدى استجوابها انكرت معرفتها بوجود الأسلحة وبالجهة التي وضعتها داخل خيمتها، وهذا يؤكد ان هناك محاولات مستمرة للتمدد الى داخل خيم النازحين، علما ان هذا الامر ينعكس في الغالب بشكل سلبي على جميع النازحين وليس على جهة او شخص محدد.

ومن المؤكد ان المخيمات الموجودة داخل بلدة عرسال وجرودها لا تزال تشكّل مصدر خطر لما تحويه من مجموعات حاضنة للمسلحين. وهنا يبرز كلام خطير لمرجع أمني لبناني حيث اكد ان الجبهة هذه سوف تبقى تشكّل جبهة قلق دائم للبنان، خصوصاً وان الخطر الاكبر يكمن في احتواء تلك المخيمات وخصوصا المتقدمة منها على فتائل تفجير بدليل تكرار عمليات إطلاق النار على عناصر الجيش ومروحياته وعلى نقاط عسكرية من داخلها. وهناك صور جوية لدى قيادة الجيش تؤكد وجود مخازن اسلحة في عدد من المخيمات. ويضيف المرجع ان خطر الارهاب في لبنان ليس محصوراً فقط في مخيمات عرسال بل يتوزع في مناطق لبنانية مختلفة، ولذلك تتكثف عمليات التوقيف التي تقوم بها الأجهزة الأمنية والعسكرية في مختلف المناطق.

الجيش يمسك بمفاصل السلسلة

مخيمات-وادي-حميد-وخطورتها 

ويجزم المرجع الأمني نفسه أن الجيش حاليا يمسك بالمفاصل كافة عند السلسلة الشرقية، وهو في حالة جهوزية دائمة وقادر على التصدي لأية مغامرة للإرهابيين الذين لن يتوانوا بدورهم عن تكرار محاولاتهم للدخول الى مناطق في الداخل اللبناني سواء عرسال او غيرها من اجل توفير منطقة آمنة لهم. والجيش لم يعد بعيدا عن أن يكون مالكاً لزمام المبادرة بالكامل في كل تلك المناطق، خصوصاً في ظل المعلومات الواردة حول تعجيل مدّ المؤسسات العسكرية بالسلاح والأعتدة والذخائر التي يفتقر إليها الجيش تحديدا. ويمكن القول في هذا المجال أن المبادرة صارت تقريبا كاملة بيد الجيش، وعلى أساس ذلك سيُبنى المقتضى والمبادرات التي تؤدي إلى تحرير العسكريين.

 

الحجيري: لا سيطرة لـ<داعش> على البلدة

 

رئيس بلدية عرسال علي الحجيري لا يبدو متخوفاً من عمل ما قد يقدم عليه بعض النازحين السوريين في بلدته، وهو يقلل أيضاً من شأن تلك الروايات التي تتحدث عن وجود أسلحة فيها والا لكان الجيش برأيه قد تمكن من انتزاعها ولو بالقوة. ويقول الحجيري لـ<لأفكار>: <لا شيء يدعو الى الخوف على عرسال لكن هناك خشية دائمة من توسع رقعة الحرب الدائرة الى داخل البلدة التي ما عادت تحتمل هي واهلها المزيد من النكبات. أما اذا ظل الوضع على هذا النحو محصوراً في الجرود فقط، فنحن سنكون في أمان رغم اصوات القذائف التي نسمعها باستمرار. اما في حال توسع رقعة الحرب، فهذا يعني أن جميع الاهالي سيكونون تحت التهديد والخطر وقد يتطور الامر الى مذبحة، خصوصاً وأن هناك جهات معروفة تنتظر حصول أمر كهذا لتُشفي غلها من البلدة.

ويؤكد الحجيري وبشكل قاطع عدم وجود اية سيطرة لـ<داعش>على البلدة، وبرأيه ان حزب الله يسوّق لهذه الشائعة معتقداً أنه قادر عبرها على غزو عرسال، وهو أمر لن يحصل. كما انه لم يحصل اي نزوح من قبل اهلها، ولم يكن هناك اي ظهور مسلح أو اشتباك في المدينة في الفترة القريبة الماضية. وناشد رئيس الحكومة تمام سلام وقائد الجيش العماد جان قهوجي، العمل على فك الحصار عن البلدة، البالغ عدد سكانها الأصليين 40 ألف نسمة اضافة إلى 120 ألف نازح سوري، معتبراً أن الأهالي يعيشون ظروفا صعبة للغاية، لم يسبق لهم ان عاشوا مثلها من قبل، في ظل الحصار المفروض عليهم من قبل حزب الله بنسبة 70 بالمئة، ومن تنظيم <داعش> بنسبة 30 بالمئة.

وأشار الحجيري الى ان ارزاق الناس مقطوعة بسبب الحصار، وأن سلام وقهوجي وعدا وفد الأهالي الذي التقاهما برفقة عضو كتلة <المستقبل> النائب جمال الجراح، معالجة المشكلة، لكن لغاية الآن لم يتبدل شيء على الأرض. وتساءل: الى متى يبقى الأهالي محاصرين في بيوتهم فيما هم يعيشون من مقالع الحجارة والمزروعات على انواعها، بما فيها بساتين الفاكهة والخضار من الأنواع كافة، ولا يستطيع أحد الوصول إلى مدفعية-الجيش-الحاضرة-على-الدواماملاكه منذ نحو سنتين؟

مخيم العبور من ألفه الى يائه

 

منذ فترة وجيزة اصدرت قيادة الجيش تعميما منعت بموجبه الصعود باتجاه جرود عرسال الا بعد الحصول على اذن مسبق من مديرية المخابرات في الجيش، الأمر الذي اثار موجة غضب عارمة في صفوف اهالي البلدة الذين تجمعوا عند حاجز الجيش الاول الذي يفصل بين بلدتي عرسال واللبوة، وقد عبّر الاهالي عن غضبهم باحراق عدد من الدواليب مطالبين الدولة بالتراجع عن القرار المجحف بحقهم، كون معظم <العراسلة> يعتاشون من الجرود حيث توجد مقالعهم وكساراتهم ومعامل الحجارة إضافة الى كروم الكرز والمشمش. لكن سرعان ما فُضّ الاعتصام بعد تلقيهم وعوداً بالسماح لهم بالتوجه الى اعمالهم في الجرود ضمن آلية محددة. وفي السياق تؤكد مصادر عسكرية لـ<الأفكار> ان الإجراءات التي اتخذها الجيش اللبناني من عرسال في اتجاه الجرد هي تماماً بخلاف ما يحاول البعض أشاعته من أنها موجهة ضد أهالي عرسال، فالحركة في اتجاه الجرد يُفترض ان تخفّ تلقائيا بسبب أحوال الطقس وانتفاء الحاجة للصعود الى الجرد بحجة جني المحاصيل او العمل في الكسارات، ولان من يقصد الجرد في هذا الوقت انما يكون لهدف معين، ومن يريد ان يقصد الجرد من اهالي البلدة يمكنه الاستحصال على ترخيص وهذا متاح لأبناء عرسال فقط.

من المؤكد ان المنع هذا لن يؤثر على تنظيم <داعش> الذي لديه خطوط امداد من الداخل السوري، بل على العكس تماما فإن ذلك سيسمح للتنظيم بمزيد من السيطرة على بقية الفصائل المسلحة التي تعيش على بعض المنافذ المؤدية الى عرسال ومخيماتها، ولذلك تؤكد المصادر نفسها أن الغاية الاساسية هي حماية أهالي البلدة من تسرب المسلحين الى بلدتهم وجوارها، بعدما اعتاد بعض قياديي المجموعات الإرهابية على التسلل إلى منازل معينة في البلدة للمأكل والمشرب والتزود بما يحتاجونه بالاضافة الى وجود بعض العابرين الذين يهرّبون مواداً تموينية الى المسلحين، وقد جرى توقيف عدد منهم حيث اعترفوا بمشاركتهم في عمليات التهريب.

وهنا تكشف المصادر انه بعد المعارك الاخيرة التي وقعت في الجرود بين الجيش والمسلحين تبين ان هناك مخيماً موجوداً في الجرود يُرجح انه يضم عائلات مسلحي المجموعات الإرهابية، وهو غير المخيم الكائن في عرسال، والتحقيقات مع عدد من المهربين قادت الى اكتشاف هذا المخيم الجديد الذي كانت تُرسل اليه ايضا بعض المواد المهرّبة، ولذلك لم يعد من الجائز ترك الممرات بين البلدة وجرودها سائبة و<فالتة>، كما كانت في السابق.