21 November,2018

هكذا يحمــى لبــــنان مـــن ريــــــــــــــاح الــتفتت الآتيـــة إلينــــا!

سلامة ما يحصل في مصر تجربة تستحق المتابعة.  لم يكن أحد يتوقع أن تمر قضية رفع الدعم عن المحروقات بهذه البساطة. نجح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حتى الآن، في إقناع المصريين بأن التضحية اليوم أقل ثمناً مما ستكون عليه خلال بضع سنوات. رفع سعر المحروقات بمعدلات تتفاوت بين ٤٠ بالمئة و٧٨ بالمئة في خطوة قال عنها هو نفسه أن الكل نصحه بأن لا يقوم بها. ربما لم يلمس الشارع المصري بعد تأثير رفع الدعم على حياته اليومية ولم يبتلع الخطوة القاسية بسبب انهماكاته اليومية وثقته الكاملة برئيسه الجديد. كما أن قيام السيسي بذلك في شهر رمضان وبعد اسابيع من توليه منصبه هو مجازفة كبيرة بشعبيته. يحاول الرئيس المصري استثمار حب الناس له في إصلاح اقتصادي ضروري جداً ولكنه غير كافٍ لإحداث تغييرات محسوسة في حياة المصريين.

الحدث الآخر هو ما قاله السيسي في مناسبة العاشر من رمضان وفي السياق نفسه عندما تحدث عن <تدمير المنطقة>. الرجل ليس محترف تنظير أو خبير <بروباغندا>. فعندما يقول رئيس مصر الآتي من الجيش ومن وزارة الداخلية ان ما يحصل هو عملية تفتيت للمنطقة يجب الاستماع جيداً لذلك وترجمته اقتصادياً.

هناك كلام كثير عن <داعش> وأنها صنيعة لعبة مخابراتية غربية تريد وقف صعود <عزت إبراهيم الدوري> نائب الرئيس العراقي السابق <صدام حسين> والبعثي بامتياز ومنعه من الوصول إلى السلطة. فالرجل كان يصول ويجول في المناطق السنية من الفلوجة إلى الموصل وتمكن من جمع مئات الآلاف من المناصرين السنة حوله تحت ما يسمى التيار النقشبندي. ولم تتمكن حكومة المالكي من وقف زحف <الدوري> وتحجيم نفوذه كما لم يكن باستطاعتها الطلب من الإيرانيين أو الأميركيين التدخل ضد شعبها المتظاهر في الأنبار. فكان لا بد من خلق حالة مكروهة تبرر تدخل خارجي حتى أتت <داعش>. وفي سوريا كان يجب أيضاً خلق حالة أبشع من <بشار الأسد> حتى يتمكن الرئيس السوري من تبرير بقائه. ومن أفضل من <داعش>  لتظهير ذلك؟

هذا السيناريو هو أحد السيناريوهات <الداعشية> المتداولة وفيه شيء من المنطق. لكن النظرة الاقتصادية لما يحصل تدل على أن التقسيم أصبح خياراً دولياً وليس فقط عراقياً لأسباب عديدة:

١- المنطقة غنية بالموارد، أهمها النفط والغاز وبالتالي تمتلك قدرة تمويلية ذاتية. تقسيمها إلى دويلات يعني خلق عدة حكومات وجيوش ومستشفيات ووكلاء تجاريين. وبدل أن تبيع شركات الأسلحة دولة واحدة طائرات ودبابات وقطع غيار يمكنها بيع ذلك لعدة دول وإبرام أضعاف العقود والصفقات. شركات الأدوية تستفيد بالطريقة نفسها. وكل الشركات الكبرى في القطاعات الزراعية والصناعية كذلك.

2 – ما سيعزز كل ذلك هو التنافر العرقي والطائفي ومتوسط السن المنخفض عند العرب. النمو السكني في المنطقة هو من بين الأعلى في العالم، أي أن الطلب الداخلي لهذه الدويلات سينمو. وفي غياب القدرة الاقتصادية الذاتية من صناعة وزراعة سيزيد التقسيم من حاجة هذه الدويلات للاستيراد.

3 – الشرق الأوسط المفتت لا يمكنه محاربة إسرائيل. بل سيصبح التطبيع غاية اقتصادية عند العرب المشرذمين بقدر ما هو حلم إسرائيلي.

من المنظار الاقتصادي <العولماني>، فإن تقسيم بـــــلاد الشام يفيد العـــــولمة. وما قاله الســـــيسي عن أن تدمير المنطقة عندنا سيصبح نموذجاً عالمياً، وليس فقط حالة إقليمية لم يكن كلاماً فحسب.

أين لبنان من اللعبة التقسيمية في المنطقة؟ بما أن الغاز لم يعد في الأفق المرئي، فإن لبنان هو آخر ما يهم أي أحد. وما يحصل عندنا اليوم هو من صنيعتنا بالكامل. لا نلومنّ إلاّ أنفسنا في كل ما يحصل وسيحصل.

صحيح أن لبنان أصغر من أن يقسم ولكنه سيصبح سهلاً للابتلاع. هناك عدة أمور يمكن أن تحمي البلد:

1 – العودة إلى العقل وإكمال المسيرة الإنتخابية من دون شخصانية

عبد-الفتاح

2 – العمل بصمت وجدية في ملف النفط مع الأخذ بعين الاعتبار التقسيمات المحتملة في المنطقة وكيف ستكون الطريقة الأكثر أمناً لاستخراج الغاز.

 

3 – عقد مؤتمر حوار اقتصادي تتمثل فيه النقابات العمالية والحكومة والهيئات الاقتصادية

4 – التوجه بسرعة نحو اللامركزية الادارية وتوسيع دور البلديات.

بانتظار أن يأتي إلينا رئيس يحمل البوصلة الاقتصادية، مبروك لمصر بعبد الفتاح السيسي، الرجل الذي اختار أن يحمي مصر عبر حماية اقتصادها أولاً.