13 November,2018

هكذا وقعت معركة رأس بعلبك بكل أسرارها!

بقلم علي الحسيني 

قدره أن يرابط على الحدود وأن تسهر عيونه ليرتاح الوطن، فيحيك من نور شمس الحرية خيوطاً دفئة علّها تقيه صقيع كانون وثلج الجرود ليعود ويزف في ميدان الوغى رجالاً برتبة شهداء يشهدون على حقيقة الارهاب ويعرّونه أمام العالم. انه الجيش اللبناني الذي قرر أن يضرب بسيفه كل من تسوّل له نفسه الاعتداء ولو على حبة تراب من هذا الوطن.

بلحمهم الحي يقاتلون، القوات-الخاصة-للجيش-في-رأس-بعلبكومن ايمانهم بوطن السلام يصنعون من الاحلام رصاصة تخترق اجساد المعتدين. يعبرون الجبال والوديان حتى باتوا اصدقاء لا يفارق بعضهم بعضاً. لا هم ان احرق الثلج وجوههم ولا ان لفحتهم شمس كانون، فالمهم ان يعودوا منتصرين لاوجاع وطن لم يعد يقوى على فقدان مزيد من ابنائه. لهم موعد يومي مع الشهادة فهم اصحاب منذ زمن الصحابة. مشى اسلافهم مع الرسول وكانوا من خيرة تلاميذ السيد المسيح. تعلموا منهما الصبر والتضحية وساروا على درب الشهادة فاستحقوا لقب عشاقها. وقفوا في ساحات النضال وولّوا وجوههم شطر السماء، اسمعوا العالم كله صلاتهم الاخيرة ثم رحلوا الى دنيا الخلود.

في رأس بعلبك كما في جرود عرسال كانت كل المعلومات تؤكد أن هناك نية للجماعات الارهابية القيام بعمل عسكري ضد مواقع للجيش اللبناني. الارهابيون كانوا مصرين على تحقيق مكسب نوعي يعيد اليهم ثقة فقدوها على يد الجيش اللبناني الذي فكك الكثير من السيارات المفخخة خلال الاشهر المنصرمة وعدداً من الخلايا النائمة التي كانت تتحضر للقيام بعمليات امنية في اكثر من منطقة اضافة الى الضربة القاصمة التي تلقاها الارهاب في سجن رومية بعد جرى فرط عقدهم وكشف المجموعات التي كانوا يديرونها من داخل السجن، والامر الذي زاد من جنون هذه الجماعات الزيارة التي قام بها قائد الجيش العماد جان قهوجي قبل يومين من معركة راس بعلبك الاخيرة والتي تفقد خلالها مواقع متقدمة للجيش وتحديداً اللواء الثامن الذي استحدث مواقع متقدمة في جرود عرسال.

 

كيف وقعت المعركة؟

بعدما عجزت يد الارهاب عن تنفيذ مخططاتها الاجرامية في الداخل اللبناني كان القرار أن تعاود الكرّة ثانية لضرب مقرّات الجيش المنتشرة عند مرتفعات السلسلة الشرقية ومحاولة فتح ثغرة في الجدار العسكري الذي يفرضه عليهم علهم يتمكنون من الدخول الى قرى لبنانية عند الحدود تكون بمنزلة ملجأ آمن لهم ولعائلاتهم، لكن الجيش كان بالمرصاد لكل انواع التحركات. فعند الخامسة فجراً من يوم الخميس ما قبل الماضي تحركت مجموعات من الارهابيين باتجاه تلة الحمرا في رأس بعلبك وجرت معارك عنيفة استمرت حتى ليل اليوم التالي سقط للجيش خلالها ثمانية شهداء بينما تكبدت المجموعات الارهابية اكثر من ثلاثين قتيلاً بينهم قائد ميداني مسؤول عن عملية خطف العسكريين التي جرت منذ ستة اشهر القوة-الخاصة-للجيش-في-عرسالتقريباً، كما جرى الحديث عن وقوع بعض المهاجمين أسرى بيد الجيش اللبناني وما تزال قيادة الجيش تتكتم حول هذا الموضوع لأسباب ربما تكون لها علاقة بعمليات التفاوض في وقت لاحق.

وبدورهم لا يوفر الإرهابيون المنتشرون في جرود السلسلة الشرقية فرصة للانقضاض على الجيش اللبناني، فيوماً بعد يوم يثبت هؤلاء أن الحل الوحيد الممكن معهم هو الحسم العسكري فقط استناداً إلى التجارب السابقة ولذلك يبدو ان خيارات الجيش ومن خلفه كل اللبنانيين الذين تمثّلهم المؤسسة العسكرية باتت اكثر من واضحة، ولذلك اصبح من الضروري جداً التحضير لعملية حسم ضد الإرهابيين الذين يحتلون أرضاً لبنانية ويهددون الأمن الوطني والسلم الأهلي. ففي رأس بعلبك والقرى المجاورة كانت القلوب تُصلي لجنود وتدعو لهم بالنصر يرافق دعواتها هذه اختلاط اصوات اجراس الكنائس مع اصوات الآذان في المساجد وكأنها دعوة موحدة للوقوف خلف ابطال كانت تزّف الارض بشائر نصرهم.

 شبان في مقتبل العمر تحرّكت في داخلهم الغرائز الوطنية فدفعتهم للقدوم الى قراهم واضعين أرواحهم رهن إشارة من الجيش. نساء وأطفال وعُجّز حجزوا السماء لصلواتهم وأدعيتهم مرددين جملة <الله ينصر الجيش> في الوقت الذي كان فيه الجيش يخوض معركة مصير فاصلة يقف عندها مصير وطن بأرضه وشعبه. وهنا يروي اهالي رأس بعلبك ان انتصار الجيش كان يقيناً ثابتاً بالنسبة اليهم خصوصاً وأن أخباراً جرى تناقلها في ما بينهم تتحدث عن طلب الجيش من جميع القوى الحزبية الموجودة والمستنفرة في المنطقة عدم التدخل في المعركة لاسباب ربما تتعلق بالطريقة التي كان يخوض فيها الجيش معركته.

 

ولعرسال وقفة مع الجيش

النائب-مروان-فارس

الأمر ذاته انسحب على عرسال التي لا تقل اهمية الاتكال على الجيش لدى أهلها عن تلك الموجودة في رأس بعلبك. فمن على هذه البقعة كانت أولى المعارك التي يخوضها الجيش ضد الارهاب، ومن هنا ايضا زُفّت طلائع شهدائه. اشارة واحدة من الجيش كانت كفيلة لتعبئة كل اهالي البلدة. هذا ما يؤكده <العراسلة>. وتحدث الاهالي عن قوة ومنعة اللواء الثامن الذي ينتشر على الجرود. يحاول اهالي عرسال من وقت الى اخر مد جيشهم بأطعمة وبمؤن غذائية ولو بشكل غير منظم لكن جميعها تُرد مع شكر وتقدير كبيرين لتعاطفهم إذ ان القيادة تهتم بأدق التفاصيل المتعلقة بجنودها المنتشرين عند المرتفعات.

 

حكاية الجنود الثلاثة

 

وللعراسلة حكايات وبطولات عن جنود يقاتلون باللحم الحي من ضمنها حكاية ثلاثة جنود ظلّوا يلاحقون فلول الارهاب حتى سقطوا شهداء. ويتحدثون عن نصر مؤكد يلمع في عيون هامات من الرجال امتشقت بنادقها وذخائرها وتحضّرت لساعة المواجهة الفعلية والتي ربما تكون الحاسمة. ينتظر العراسلة بفارغ الصبر كما جيشهم وصول السلاح الذي بات على بعد رمية حجر من الوصول بحسب المعلومات السياسية والعسكرية المتداولة، وعندئذ سيتحوّل هذا الجيش من لواء ووحدات حدودية واجبها الدفاع عن الحدود فقط الى مبادر يدخل وكر الارهاب لاقتلاعه من تربة الجرد.

عند الظهر من يوم بدء المعركة أدخل الجيش الطائرات المروحية في المعركة حيث شوهدت بحسب الاهالي مروحية  <غازيل> في سماء راس بعلبك تغير على مواقع الإرهابيين بالصواريخ الموجهة. وفي الوقت الذي استفاد فيه الإرهابيون من وعورة الأرض في محيط تلة الحمرا حيث تنتشر الصخور والمغاور، تمكن الجيش مع ساعات ما بعد الظهر إثر إدخال قوات مشاة من استعادة السيطرة على الموقع بعدما كان سقط لفترة ساعات وليستلم على اثرها الجيش زمام المبادرة حيث تمكن من اسقاط العشرات من إرهابيي داعش كما تمكن من من سحب جثث ارهابيين ودمر إحدى الشاحنات وبداخلها 12 جثة لم يتمكن الإرهابيون من سحبها اضافة الى عدد من الجثث تمكن الجيش من سحبها في وقت لاحق.

 

علي-عواض-العسيريبيان للجيش يشرح تفاصيل العملية

وفي خضم المعركة أصدرت مديرية التوجيه بياناً قالت فيه: على أثر الكمين المتقدم الذي نفذته وحدة من الجيش ليل الأربعاء الفائت لعدد من المسلحين المتسللين باتجاه حاجز وادي حميد في منطقة عرسال وأوقع أربعة قتلى في صفوفهم وعدداً آخر من الإرهابيين في جرود المنطقة بالإضافة إلى احباط الجيش محاولة نقل سيارة مفخخة إلى الداخل اللبناني، هاجمت مجموعات من التنظيمات الارهابية صباح اليوم مركز مراقبة متقدماً جداً للجيش في تلّة الحمرا في جرود رأس بعلبك لجهة الحدود اللبنانية السورية. وبنتيجة الاشتباكات العنيفة احكمت هذه القوى ظهر اليوم سيطرتها على التلّة المذكورة بعد أن قامت بطرد العناصر الإرهابية التي تسلّلت إليها موقعة في صفوفها عدداً كبيراً من الإصابات بين قتيل وجريح. وقد سقط للجيش من جراء الإشتباكات عدد من الشهداء والجرحى.

 

فارس: لدعم الجيش عسكرياً ولوجستياً

وفي الوقت الذي علق فيه مصدر مقرب من <حزب الله> لمجلة <الأفكار> على الهجوم في رأس بعلبك ربط خلاله بين الارهابيين والعدو الاسرائيلي من اجل اشغال الجيش والمقاومة في ظل ما يحكى عن رد محتمل للحزب على اعتداء القنيطرة، أكد النائب مروان فارس للأفكار ان كل منطقة بعلبك والهرمل هي الى جانب الجيش اللبناني الذي يقوم بمهمات كبيرة حفاظاً على أمن المنطقة التي اعلنت انها عسكرية منذ زمن، كما أن زيارة قائد الجيش الى عرسال أتت لتؤكد وقوف الجيش إلى جانب الأهالي الذين يقفون بدورهم الى جانبه وينتظرون منه اشارة لدعمه بكل الخيارات المتاحة والممكنة. ولا بد من القول انه في حال تعرض الجيش لضربة لا سمح الله فإن لبنان كله سيكون عرضة للارهابيين وسيكون مسرحاً لكل عمل ارهابي ولذلك لا بد من دعم الجيش وتقديم كافة المساعدات العسكرية واللوجستية التي يحتاجها.

يقول مصدر عسكري <للأفكار> كان موجوداً عند مشاريع القاع ان الارهابيين اختاروا هذه النقطة بالذات لكونها تشرف تماماً على الجبال التي يتحركون من خلفها وقد اصبح هذا المرصد نقطة بالغة الاهمية بعد كشف العديد من عمليات التسلل خصوصاً وان طبيعة رأس بعلبك تختلف تماماً عن بقية المناطق مثل جرود القاع ونحلة ويونين اذ تقع خلف التلال. في راس بعلبك منطقة سهلية منبسطة يسميها الأهالي <سهل الوسعات> تسمح كثافة الضباب فيها للإرهابيين بالتسلل وذلك على عكس أماكن أخرى حيث يمكن للجيش أن يحصر منافذ التسلل. وقال المصدر ان الاجهزة الامنية تمتلك منذ أكثر من شهرين معلومات عن ان راس بعلبك قد تكون الهدف التالي للإرهابيين لعدة أسباب بينها أن <داعش> لا يمانع في أن يعلن عن وضعيته القتالية الجديدة في القلمون من خلال السيطرة على بلدة مسيحية من اجل ارباك الساحة الداخلية اللبنانية والسياسية، اضافة الى ان فتح معركة مع الجيش من جهة عرسال يعني خسارة البلدة على نحو نهائي كخلفية حاضنة في ظل العجز عن إحداث اختراقات في القرى الأخرى مع وجود كثيف لمواقع حزب الله.

 

مروحيات-الجيش-والدور-الابرز-في-المعركةسلاح الجيش متى يصل؟؟

الاسبوع الماضي انشغلت بعض ابواق الاعلام بموضوع مليارات الدولارات التي تبرّع بها الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز كهبة للبنان لشراء ما يحتاجه من اسلحة متطورة من فرنسا، وقد وجد هذا الاعلام فرصة للانقضاض على الهبة، الا ان سفير المملكة في لبنان علي عواض العسيري أعاد وجهة البوصلة الى حيث يجب ان تكون عندما اكد ان بلاده غير مسؤولة عن توقيت تسليم السلاح الفرنسي للجيش اللبناني وان السعودية تقف إلى جانب لبنان في كل الظروف ودعمها له هو بالأفعال لا بالأقوال، كاشفاً ان اي تأخير في تسليم الهبة ليس سببه المملكة. فنحن قمنا بدورنا والكرة الآن في ملعب الفرنسيين واللبنانيين الذين يتباحثون جدياً في هذا الموضوع وليؤكد ان السلاح المقدم الى الجيش اللبناني بات واقعاً ولم يبق سوى التسليم.

 

بيان داعشي يدعو

 الى احتلال لبنان

ولاحقاً اصدر تنظيم الدولة الاسلامية داعش بياناً اعلن فيه ان الأوضاع أصبحت جاهزة لتحرير ولاية لبنان، واللافت في البيان انه صدر عن ما يسمى بوزارة الحرب في التنظيم وبأن المواجهات التي جرت في رأس بعلبك بين الجيش اللبناني ومجموعات كبيرة من المسلحين للسيطرة على تلة الحمرا كانت بداية الغزوة الشاملة التي ستحرر لبنان وتعيده إلى أحضان دولة الإسلام في العراق والشام. ودعا البيان جميع من وصفهم بالمجاهدين الذين يرغبون في الحصول على شرف الشهادة للمبادرة إلى المساهمة في غزوة تحرير ولاية لبنان والانضمام إلى مجاهدي التنظيم.

يخوض الجيش اللبناني معاركه الشرسة شبه اليومية في الجرود البقاعية. لا يُشكل صقيع كانون ولا ثلجه عائقاً أمام الجيش لملاحقته الارهاب أينما فرّ وأينما حلّ. يُطلق الجنود صرخات باسم الوطن ترتعد لها الجبال وتسمع الوديان صداها. هي جباه لم تتعوّد إلا على النصر، تمتزج دماء اصحابها بلون الثلج فينبت مكانها اقحوان يبقى ابداً رفيقاً دائماً ليشهد على قصص الرجال الرجال الذين لاحقوا فلول الارهاب حتى نفذت ذخائرهم.