25 May,2019

هـنـــاك عوامــل سياسيـــة خارجيـــة تـــرجـح كـفـــة الاخـتـلاف بـيــن الـمـسـلـمـيـــن أحـيـانـــاً!

 

SAM_2127في رحاب شهر رمضان نستعرض حال الأمة الإسلامية التي تشهد العديد من دولها الحروب والاقتتال الداخلي، وتطفو الى السطح ظواهر التطرف والإرهاب واستباحة حرمة الشهر الفضيل بالقتل والحرق والتفجيرات الانتحارية، وكأننا في الجاهلية الأولى التي لم تعرف دين الإسلام وانه دين الرحمة والتسامح والاعتدال والاعتراف بالآخر وتحريم قتل النفس بغير ذنب.

<الأفكار> التقت مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار داخل منزله في طرابلس وحاورته على هذا الخط، بالإضافة الى شؤون وشجون الوضع الإسلامي والانقسام الحاصل الذي يتخذ أشكالاً مذهبية في بعض الأحيان، ناهيك عما جرى في سجن رومية من تعذيب لبعض السجناء.

سألناه بداية:

ــ الملفت في شهر رمضان هذا العام التقاء معظم العالم الإسلامي على توحيد يوم الصوم، ما يستدعي التساؤل عما يمنع ان تتكرر هذه التجربة كل عام بما يردم الهوّة بين المذاهب ويقرّبها من بعضها البعض أم ان السياسة تحول دون ذلك. فماذا تقول سماحتك؟

– لا شك في ان العبادات هي إطار جامع لكل المسلمين ولغيرهم لأن العبادات لها بعدها الإنساني، وليس لها علاقة بالله في تأدية فريضة وكفى، وأن تجمع بين المسلمين السنّة والشيعة، فهذا هو الأصل وهذا أمر عادي آمل أن يستمر… فالسياسة ما دخلت شيئاً إلا وأفسدته، وللأسف الشديد، السياسة تباعد بين المسلمين في الشكل لكن آمل ان نبقى متوحدين في المواقف والمضمون وفي القيم التي جاء بها الإسلام. وأنا أزداد استبشاراً بالخير عندما يكون سماحة الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان على رأس الطائفة الشيعية لأنني لا أجد له موقفاً مناقضاً لما نحن عليه أو مختلفاً عنا، فهو من رموز المصالحة والتقارب. وأنا أعتقد بأن سماحته مشى على طريقة سلفه سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين الذي كان يدعو دائماً الى الوحدة الإسلامية ثم الى الوحدة الوطنية.

ــ لماذا لا تبادر المرجعيات الى توحيد المواعيد بشكل دائم سواء في بدء الصوم أو الإفطار في الأعياد الإسلامية الأخرى، خاصة وان كل وسائل الاتصال والرؤية ممكنة مع التطور العلمي الحاصل، أم ان المطلوب أن تبقى هذه الأمة مشرذمة ومنقسمة على نفسها؟

– هناك ثغرة وهي نقطة ضعف في عدم التوافق ولها عوامل متعددة آمل أن نتجاوزها لأن الذي تتفضل به هو الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه حال المسلمين. وللأسف هناك عوامل سياسية خارجية هي التي ترجح كفة الاختلاف أحياناً.

 

حال الأمة وواقعها

 

ــ يمر الشهر الفضيل وحال المسلمين لا يبشر بالخير، تطرّف وتكفير وإرهاب، قتل بأبشع الصور وحديث عن خرائط تقسيم… وطبعاً العلة ليست بالنصوص ونحن خير أمة أخرجت للناس والقرآن الكريم هو الإعجاز بحد ذاته. فأين العلة من وجهة نظركم وكيف الخلاص منها؟

– أرحتني في جزء كبير من الجواب عندما يجري على لسانك في معرض السؤال على ان النصوص هي منطلق أمان وخلاص وأمن وسلم، لا أقول للمسلمين وحدهم إنما للعالم كله. والمتتبع لآيات القرآن الكريم يدرك أن الإسلام هو رحمة الله الى العالمين. وأنا الآن كمفتٍ لو جاء رجل وسألني: اعطني عبارة واحدة لأعرف ما هو الإسلام لأجبته على الفور بأن الإسلام هو دين الرحمة ودين الاخاء، وان الإسلام جاء ليحقق منفعة المصالح للعباد… والواقع الذي نحن فيه يختلف عن هذا السمو والتآلف الذي تحمله الآيات القرآنية في مدلولها وبُعدها وفي مضمونها، لأن عامة المسلمين كثير منهم لا يعرف من الإسلام إلا الاسم ولا يعرف من القرآن إلا الرسم، أضف الى ذلك شيئاً أدهى وأمرّ هو أن بعض الذين ينتمون الى الإسلام جعل من الإسلام جسراً عابراً للوصول الى مآرب دنيوية وشخصية ومالية وأكثر من ذلك، وبعضهم ارتهن لأحزاب سياسية ولدول، فأعطى في تصرفه دلالة مشوّهة ومعاني قاتلة ومظلمة لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد…

وأضاف قائلاً:

– إذاً هناك فريق أستطيع أن أقول عنه انه جاهل لم يعرف من الإسلام إلا الشيء اليسير، وبالتالي فإن سلوكه غير منضبط في مضامين الآيات القرآنية. أما الفريق الثاني وهو الأدهى والأمرّ فهو مؤلف من أولئك الذين يسخّرون الإسلام لمآرب سياسية وشخصية ومنافع مادية ويعملون لمصالح خارجية، وهذه المصالح ليست عربية دائماً وإنما تصل الى أبعد من ذلك. فهذه ضمائر ميتة وقلوب معتمة وغرائز طاغية ونهم للأصولية جعل من قلوبهم حضناً للعتمة والظلمة، ولذلك لم يعد أحد يرى إلا مصلحته، وبمقدار ما يحقق مصالح للآخرين يحقق بالتالي مكاسب مادية أو مناصب دنيوية. فهذا باع نفسه وافترى على الإسلام، لكن حقيقة هؤلاء أصبحت واضحة وظاهرة للعيان لأن عامة الناس يدركون ان الإسلام دين من عند الله وانه لا يمكن ان يكون في الدين أو تطرف أو كراهية أو اعتداء أو أي من هذا البلاء الذي اتسعت رقعته على مساحة الوطن العربي والإسلامي للأسف، ما يدل ويؤكد ان الفاعل يد شريرة خارجية، وان هؤلاء لا يتحركون من خلال قناعات دينية أو من خلال رؤى اتضحت لهم.. فلنعد 50 سنة مضت، لنجد أن هذه المظاهر لم تكن موجودة، والإسلام كان موجوداً والمسلمون كانوا موجودين والمسيحيون واليهود وأيضاً…..

ــ صحيح والمعابد غير المسلمة كانت موجودة والقلاع التاريخية والآثار، ومع هذا حافظ الإسلام عليها، لكن ما نشهده اليوم يسير عكس تيار الإسلام ويشوّه صورته لدى الآخر في القتل والهدم والإرهاب باسم الدين.

– لا أريد ان أضرب أمثلة كثيرة بل أن أذكر بمثل حي وهو اننا ندرك جميعاً موقف العالم الإسلامي من الاعتداء الذي حدث ضد تمثال <بوذا> في أفغانستان منذ سنوات، وكيف صدرت الفتاوى بحرمة الاعتداء على معتقدات الآخرين. كل هذا كان موجوداً، المعابد والبوذيون كانوا موجودين والهندوس أيضاً. فهؤلاء لهم في مجتمعهم الإسلامي ما لنا وعليهم ما علينا، فالإسلام مجتمعه يقوم على الحرية أولاً بكل أنواعها، ونحن نتحدث أحياناً عن الحرية الدينية أو حرية المعتقد، لكن هناك حرية الفكر وحرية العمل والحرية الاجتماعية وكل أنواع الحريات التي يتناولها العلماء والإسلام يقرها دون نقاش. كما ان المجتمع الإسلامي الذي يقوم على الحرية أولاً يقوم على العدل، والعدل قضية أهم من رفع الظلم، لأن وجود العدل يتضمن رفع الظلم من باب أولى والمجتمع الإسلامي يقوم على عمود ثالث وهو المساواة. فنحن ننظر الى الآخرين من باب <لهم ما لنا وعليهم ما علينا>، والعلاقة مع الآخرين فيها الإباحة والأصل فيها أن نعترف بالآخرين، ولذلك قال ربنا: <لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين>.

وتابع قائلاً:

– إذاً ليس هناك نهي ومعناه ان الأصل هو إقامة العلاقة والاعتراف والود، وتعبير البر يدل على نوع من الوداد وحسن العلاقة واحترام الآخرين، وان لهم ما لنا وعليهم ما علينا. ولذلك نعتبر كل تصرف يخرج عن هذا الإطار الذي يعطي للناس حريتهم والذي يضمن للناس حقوقهم بالتساوي، هو كل عمل يبتعد عن هذه المعاني نعتبره دخيلاً وباطلاً لا علاقة بالإسلام، بل فيه نوع من الافتراء على دين الله الذي وسعت رحمته كل شيء.

 

الدعوة لمؤتمر إسلامي

 

ــ أمام ما يجري وفي ظل اتخاذ الأمور صبغة طائفية ومذهبية واتنية، ألا يستدعي ذلك ان تطلق المرجعيات الإسلامية صرخة تقول <كفى> وتصدر فتوى جامعة تحرّم الإرهاب والتطرف لاسيما مكة المكرمة، الأزهر الشريف والنجف الأشرف وقُم المقدسة بحيث تتداعى الى كلمة سواء بين عموم المسلمين؟

– أستطيع ان أجيب عن الشق الأول وهو ان مرجعية مشيخة الأزهر التي يكن لها العالم الإسلامي الاحترام والتقدير والإجلال ومرجعية دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية التقتا وأعلنتا في مؤتمرات متعددة كنت حاضراً بعضها بحرمة كل ما تراه أعيننا من أنواع التطرف والاعتداء على الآخرين، فضلاً عن هذه الموبقات الجديدة من الذبح والحرق والإعدام وملحقاتها. فمرجعيتنا السنية أعلنت ذلك مراراً، وأنا مطمئن الى ان كل المرجعيات السنية في العالم الإسلامي لم تخرج عن هذا الإطار أبداً وأعلنت رفضها للتطرف وتحريمها للإرهاب وتجريمها لأي اعتداء دموي مما يسيء ويلطخ صفحة الإسلام المشرقة بالرحمة واحترام حقوق الإنسان..

واستطرد قائلاً:

– لا أستطيع التحدث عن النجف وقُم ولو انه من باب إحقاق الحق، فأنا لم أسمع عن المرجعيات الشيعية غير ذلك، لكن بقيت خطوة التقارب واللقاء في مؤتمر إسلامي سنّي – شيعي تلتقي فيه هذه المرجعيات الأربع وتعلن موقفاً موحداً تتقارب فيه النفوس بعدما تتفق فيها المواقف والأقوال.

الأزهر والمؤتمر الإسلامي

ــ لماذا لا يبادر الأزهر الى هذا المؤتمر وهو الأقرب الى الجميع؟

– أطالب مشيخة الأزهر – لأنها صلة الوصل مع العالم – بأن تقوم بهذه المبادرة وعلى وجه السرعة لأنه لا يجوز أن تستمر هذه الهوّة بين السنّة والشيعة في أي منطقة من مناطق العالم.

ــ هل تخاف ان تمتد الى لبنان، أم انك مطمئن الى أن التنوّع اللبناني كفيل بمواجهة هذه الظاهرة؟

– أعتقد أن خلاف السنّة في لبنان هو مع حزب الله وليس مع الشيعة. أما عموم الشيعة وخاصة سماحة الإمام عبد الأمير قبلان والرئيس نبيه بري وبقية الفاعليات الفكرية والثقافية والاقتصادية، فهناك تقارب وتعاون معهم. وأعتقد أننا متفقون على انه ينبغي ان نخرج جميعاً من هذه الأزمة المفتعلة التي تعود الى سبب واحد هو استخدام حزب الله لسلاحه في الداخل، ولولا هذه لم تكن هناك مشكلة مستحكمة أبداً. فالمشكلة بدأت بالتباين مع استخدام حزب الله لسلاحه في الداخل لأن حزب الله عندما استخدم سلاحه ضد اسرائيل وقف اللبنانيون جميعاً وأيدوه بل العالم العربي والإسلامي أيد وناصر ودعم، لكن عندما تحولت وجهة استخدام السلاح تآكل الرصيد وتراجع ثم نشأت المشكلة الى درجة التحدي. وأنا أعتقد أن هذه فترة لن تكون هي النهاية التي ستستقر عليها العلاقة بيننا كسنّة وبين الآخرين على الإطلاق.. فهذه فترة ستمضي.

ــ انعقدت قمة إسلامية – مسيحية وتلتها قمة إسلامية. فهل هذا كافٍ لتحصين الساحة الداخلية، أم ان هناك ما يستلزم أكثر من ذلك؟

– أعتقد أن ما حدث هو في إطار الشكل لأنه لم يكن هناك في الأساس تصارع أو تضارب أو اختلاف أو تصادم بين دار الفتوى وبين الصرح البطريركي أو بين مطلق مرجعية مسيحية ما يؤكد التفاهم، وحسناً حصلت قمة إسلامية وهي خطوة مباركة، لكن لا تختصر بهذه الطريقة…

ــ ما المطلوب؟

– ينبغي أن يكون هناك مؤتمر وفيه كم من المواضيع التي ينبغي أن تناقش لنتوصل فيها الى نتائج تحسم الأمور، وإلا ليس هناك خلاف بين سماحة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان وسماحة الإمام عبد الأمير قبلان، كما انه ليس هناك خلاف بين دار الفتوى وبين مشيخة عقل الطائفة الدرزية، وبين دار الفتوى وسماحة الشيخ أسعد عاصي رئيس المجلس الإسلامي العلوي، فهذه قمم تؤكد العلاقة والتقارب، لكن القمم التي تريد أن تستأصل المشكلة، ينبغي أن تقوم على دراسات أخرى وأن تضاف إليها إضافات جديدة، وأن تكون هناك مشاركة واسعة. فليست الطائفة الشيعية قاصرة عن الإطار الديني وكذلك الطائفة السنية، فهناك اقتصاديون ومثقفون وكم كبير من الحضور الفاعل في المجتمع عند كل المذاهب، وبالتالي المطلوب أن يكون هناك مؤتمر موسع  يحسم الأمور الخلافية الى غير رجعة…