19 December,2018

هـل يـؤدي الحــوار مـع عــون الى انتخـابــه رئيســاً؟ أم يستمرّ الشغور الرئاسي الى ما بعد الانتخابات الأميركية؟!    

pope-francis---1 مع حلول الخامس والعشرين من شهر حزيران/ يونيو الجاري، يكون الشغور الرئاسي قد أنهى الشهر الأول بعد السنتين، واستقبل الشهر السادس والعشرين، في وقت تكثر فيه <الروايات> عن أن انتخاب الرئيس العتيد للجمهورية <لم يعد بعيداً>، وأن شهر أيلول/ سبتمبر المقبل سوف يشهد عودة الحياة الرئاسية الى قصر بعبدا.. والبلاد، بعدما تكون أسس <التسوية> التي يُعمل لها في مواقع القرار في الخارج قد توضحت وتوافرت لها كل مقومات النجاح، لاسيما منها <ضمان> تجاوب سائر الأطراف اللبنانيين مع <الحل – المخرج> المقترح، تفادياً لمزيد من التأخير الذي قد يضع الاستحقاق الرئاسي <على الرف> إذا لم ينجز قبل شهر تشرين الأول/ اكتوبر المقبل حين تدخل الولايات المتحدة الأميركية في <كوما> الانتخابات الرئاسية مع ما يعني ذلك من توجيه اهتمام الإدارة الأميركية الى الداخل <وأخذ إجازة> من كل مشاكل الخارج واستحقاقاته.

مصادر مطلعة تؤكد أن <الروايات> حول قرب انتهاء حالة الشغور الرئاسي ليست متأتية من فراغ، بل تستند الى جملة معطيات تجعل إمكانية الوصول الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية حقيقة قائمة إذا ما أسفرت الاتصالات الخارجية والداخلية عن نتائج إيجابية تأخذ في الاعتبار تطور المواقف من ترشيح رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون للرئاسة، والمعادلة التي يدور عنها الحديث بقوة حول الدور المستقبلي لرئيس تيار <المستقبل> الرئيس سعد الحريري وعودته المرتقبة الى السرايا الكبير في أول حكومة يشكلها العهد الجديد.

وفي هذا السياق، تقول المصادر نفسها ان المعنيين بالاستحقاق الرئاسي، داخلياً وخارجياً، وصلوا الى قناعة مفادها أن فكرة تنحي العماد عون عن الترشيح ليست واردة، وبالتالي فإن بقاءه في المسرح الرئاسي سيبقي حزب الله الى جانبه انطلاقاً من المواقف المعلنة من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، واستطراداً، لا نصاب في أي جلسة انتخابية يدعو إليها الرئيس نبيه بري (الجلسة المقبلة رقمها 41)، ما لم يتم الاتفاق على انتخاب <الجنرال> رئيساً. وعليه، فإن المشاورات تنطلق من الدعوات التي وجهت الى الرئيس الحريري لـ<التواصل> مع العماد عون والبحث معه في ما يمكن أن يكون <ضمانات> في مواضيع أساسية يلتزم بها في حال وصل الى قصر بعبدا، ولائحة هذه المواضيع طويلة سبق أن ناقش الرئيس الحريري معظمها مع العماد عون في لقائيهما في باريس و<بيت الوسط> قبل أن يتبلغ رئيس تيار <المستقبل> أن لا مجال لانتخاب عون رئيساً، فيوقف التواصل وينتقل لاحقاً الى تبني ترشيح رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية، وفق السيناريو الذي عرضه وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق في إطلالته التلفزيونية التي لا تزال تفاعلاتها مستمرة.

إشارات الحريري وجنبلاط وفرنجية… ووهاب!

وتتوقف المصادر عند إشارتين مهمتين تندرجان في السياق نفسه: الأولى الموقف الذي أعلنه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط حول عدم ممانعته انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية إذا ما توافق حوله المسيحيون، ودعوته الرئيس الحريري الى التعامل مع هذا الأمر بشكل مباشر وفق ما <نصحه> به الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند>. أما الإشارة الثانية فكانت من المرشح الرئاسي النائب فرنجية الذي قال انه اتصل بالرئيس الحريري وأبلغه ان لا إحراج لديه إن هو صوّت للعماد عون، على أن يكون هو – أي فرنجية – البديل رئاسياً إذا تنحى العماد عون وليس اللجوء الى خيار ثالث. واللافت في هذا السياق أن النائب فرنجية توقف عن توجيه الملاحظات والتعليقات <القاسية> التي أكثر من توجيهها في حق العماد عون منذ ترشيحه، واستبدلها بالتأكيد على <الثوابت> التي يلتزمها في حال انتخب رئيساً للجمهورية. وتزامن هذا التطور في موقف فرنجية، مع غياب أي انتقادات للعماد عون عن الخطب التي ألقاها الرئيس سعد الحريري في الإفطارات الرمضانية المتتالية في بيروت والمناطق اللبنانية، على رغم الحملات التي شنها على حزب الله وإيران، من دون أن يربط ذلك بأي استهداف لـ<الجنرال>، علماً أن الأمر نفسه انسحب على تصريحات ومواقف وزراء <التيار الأزرق> ونوابه والمتحدثين باسمه، وإن كان بعض هؤلاء يكرر في لازمة لا تتغير أن النائب فرنجية هو مرشح تيار <المستقبل> للرئاسة الأولى… حتى الآن.

وتتوقف المصادر نفسها عند ما أعلنه رئيس حزب <التوحيد العربي> الوزير السابق وئام وهاب بعد لقائه العماد عون ومن منبر الرابية بالذات، من أن <الجنرال> يملك تفويضاً من القوى السياسية وبالتحديد من السيد نصر الله بالتفاوض مع الرئيس الحريري على موضوع العودة الى رئاسة الحكومة، <وهو الوحيد الذي يملك هذا التفويض، وبالتالي فإن مفتاح رئاسة الجمهورية ومفتاح رئاسة الحكومة في يده>. وتكمن أهمية مواقف وهاب من كونها صدرت من الرابية وبعد لقاء مع عون، وأتت متزامنة مع تنامي الحديث عن <مناخ> سياسي، داخلي وخارجي، قد يقود العماد عون في حال نجاحه الى قصر بعبدا. وفسّرت المصادر نفسها دعوة وهاب للرئيس الحريري وللنائب جنبلاط النقاش في موضوع الخروج من الأزمة الرئاسية، على أنها مبادرة تضاف الى سلسلة المبادرات التي تشهدها الساحة السياسية اللبنانية وهي تحظى بـ<بركة> حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصر الله الذي سبق أن أطلق موقفاً مماثلاً قبل أسابيع، خصوصاً أنه لم يصدر أي نفي لكلام وهاب عن حزب الله.

ويقول متابعون للحراك الرئاسي إن الزيارة التي قام بها مسؤول جهاز الإعلام في القوات اللبنانية ملحم رياشي للرئيس الحريري في <بيت الوسط> بداية الأسبوع الماضي، تمحور البحث فيها حول الاستحقاق الرئاسي ورغبة الدكتور جعجع في أن يأخذ رئيس <المستقبل> المبادرة في تحريك المياه الراكدة في هذا الاستحقاق، فضلاً عن سعي الى <تعبيد> الطريق بين <بيت الوسط> ومعراب بهدف إعادة الحرارة الى العلاقات بين الزعيمين.

وعلى رغم أن أوساط <القوات> أشاعت جواً إيجابياً عن لقاء الحريري – رياشي، وان التشاور سيستمر، فإن مصادر <المستقبل> أشارت الى أن الرئيس الحريري أعاد التذكير بالأسباب التي دفعته الى ترشيح النائب فرنجية معتبراً أن لا تطورات عون-عسيري---2جديدة تجعله يعيد النظر بموقفه وإن كان قد أكد انفتاحه على مناقشة كل المواضيع المرتبطة بالاستحقاق الرئاسي <بانفتاح وموضوعية>.

عون <مرتاح> ويطمئن القلقين

وسط هذه المعطيات، ينقل زوار الرابية أن العماد عون يتعاطى مع مسألة انتخابه رئيساً للجمهورية قبل نهاية فصل الصيف، كما تعاطى مع ترشيحه للرئاسة منذ ما قبل انتهاء عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، أي انطلاقاً من المثل الشعبي القائل <ما تقول فول حتى يصير بالمكيول>. إلا أنه هذه المرة يعتبر أن الظروف باتت مؤاتية أكثر من السابق لإنهاء الأزمة الرئاسية وإخراجها من عنق الزجاجة، وذلك لأسباب عدة أبرزها اقتناع المهتمين بالشأن الانتخابي أن الصعوبات التي كانت قد برزت في وجه وصوله الى قصر بعبدا بدأت تتذلل واحدة تلو الأخرى، وأن ثمة رغبة في إعادة بناء السلطات الدستورية في البلاد وتفعيلها وإحياء صيغة تعاون الطوائف اللبنانية في إدارة شؤون البلاد بعدما اتضح أن لا إمكانية لتغييب مكون أساسي لصالح مكون آخر، وأن التطورات في المنطقة فرضت حماية الوجود المسيحي في لبنان بعد المآسي التي تعرض لها المسيحيون في سوريا والعراق، وأن بقاء دور لبنان في محيطه والعالم يحتم بث الروح في السيبة الثلاثية المارونية والسنية والشيعية التي نجحت في الماضي في قيادة البلاد سنوات، على رغم العثرات التي حصلت في الطريق.

أكثر من ذلك – يضيف زوار الرابية – فإن العماد عون الذي يرفض أن يخضع لـ<امتحان> يؤهله لاستلام المركز الأول في البلاد، سبق له أن <طمأن> جميع القلقين على أنه حريص على <اتفاق الطائف> وعلى العيش المشترك وعلى إزالة كل الأسباب التي يمكن أن تثير علامات استفهام، سواء في سياسته الداخلية أو في سياسته الخارجية، لاسيما في مسألة العلاقات مع ايران التي يدعي خصوم عون أنه سيكون <ملكياً أكثر من الملك> في مقاربته للتعاون اللبناني – الايراني، في وقت يعرف الجميع أن العماد عون <ملتزم حتى العظم> سيادة لبنان واستقلاله وحريته، وهو خاض <حروباً ومعارك> للمحافظة على هذه الثوابت، وهو صاحب شعار أن <لبنان أصغر من أن يقسّم وأكبر من أن يُبتلع>.

وعندما يُسأل العماد عون عن موقف السعودية من ترشيحه، ينقل الزوار عنه كلاماً مطمئناً ينطلق من كون المملكة حريصة على لبنان وشعبه ولن تقف حجر عثرة في طريق أي خطوة تساعد على إعادة إحياء المؤسسات الدستورية ودعم خيارات اللبنانيين، وهو ما يحرص السفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري على تأكيده دائماً وسمعه العماد عون منه مباشرة في أكثر من مناسبة، لاسيما في الخطب التي يلقيها السفير عسيري في الإفطارات الرمضانية، وفي اللقاءات التي يعقدها مع السياسيين والإعلاميين.

ويلاحظ زوار الرابية هذه الأيام أن هامش المناورة الذي يلجأ ليه بعض <الفاعلين> في الاستحقاق الرئاسي، بدأ يضيق، وأن هؤلاء استنفذوا ما لديهم من أفكار وطروحات ومقترحات سقطت كلها نتيجة ثبات العماد عون والحلفاء سواء في الضاحية الجنوبية أو في معراب على رغم الاختلاف في وجهات النظر بين القوتين، وبالتالي فإن إمكانية الوصول الى حلول عملية لم تعد بعيدة، وإن كان تحديد توقيت زمني ليس من عادة العماد عون الذي يرى أن <انضاج> الحل هو الذي يحدد ساعة تنفيذه ووفق أي قواعد وأسس.

تجدّد الحراك الفرنسي بطلب من الفاتيكان

wahhab_aoun_rabieh-1-----3

وتعتقد مصادر مطلعة أن <الاستعداد الداخلي> لإنهاء الشغور الرئاسي ليس وحده العامل المؤثر في انتخاب الرئيس العتيد، لاسيما وأن الحراك الخارجي الذي تراجع لفترة، عاد من جديد بحيث أن المصادر نفسها دعت الى مواكبة حصيلة المحادثات في باريس بين المسؤولين الفرنسيين وولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، والتي سيكون فيها الملف اللبناني من بين المواضيع الاساسية التي يعتزم الجانب الفرنسي اثارتها مع ضيفيه، وذلك استكمالاً لما كانت بدأته باريس قبل أشهر، واستباقاً لما سوف يحمله وزير الخارجية الفرنسي <جان – مارك ايرولت> الى بيروت في العاشر من شهر تموز/ يوليو المقبل، وهي الزيارة التي أرجئت مرتين حتى الآن. وفي هذا السياق، أكدت مصادر ديبلوماسية معنية ان الفاتيكان طلب الى باريس، بعد التشاور مع واشنطن، إعادة تحريك مساعيها مع كل من السعودية وإيران لتسهيل انتخاب رئيس جديد للبنان بعدما عجز اللبنانيون عن الاتفاق في ما بينهم على  إنجاز هذا الاستحقاق بعيداً عن تدخل الخارج. وأتى الرد الفرنسي إيجابياً وستكون مفاعيله العملية خلال اللقاءات مع المسؤول السعودي والوزير الايراني، على أمل ان يكسر الجمود الذي أصاب الانتخابات الرئاسية اللبنانية.

وفي رأي المصادر المطلعة نفسها ان التحرك الفرنسي سيشكل فرصة إضافية لإخراج لبنان من أزماته المتنوعة وإذا لم يحقق نتائج إيجابية، فإن التطورات المتسارعة في الدول المحيطة بلبنان، ولاسيما منها سوريا، قد تصرف الأنظار عن الوضع اللبناني ككل وخصوصاً الاستحقاق الرئاسي، ما يجعل فرصة انتخاب الرئيس العتيد بعيدة وقد تنتظر حتى توقيت أول مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية وتسلم الرئيس الجديد وتشكيل إدارته، ما يعني استطراداً أن السنة الثالثة قد تنقضي ولبنان…. بلا رأس!