21 November,2018

هــل يكون مؤتمـــر اسطمبــول الاسلامــي إشراقــة لإنـهــاء الـشغــور الــرئاسي فــي لـبـــنـان؟!

 

بقلم وليد عوض

geagea-hariri  

هل في لبنان رجال سياسة يمكن أن يدخلوا التاريخ مثل رياض الصلح وصائب سلام وفؤاد شهاب وشارل مالك وفؤاد بطرس؟!

ميزة رجال الأمس انهم ذوّبوا مصالحهم الشخصية في متطلبات الوطن، فلم يعقدوا صفقات، ولم يتورطوا في فضائح كفضائح النفايات التي أطلقت جحافل البعوض في المدن الساحلية، ولا تورطوا في فضائح <الانترنت> غير الشرعي، ولا في الانتفاع من المغاور، مثل مغارة جعيتا مثلاً، أو كازينو لبنان الذي انفتحت سجلاته أخيراً.

ولا حاجة الى نشر الأسماء والمثول أمام القضاء، لأن الناس جميعاً يعرفون من بكى، ومن تباكى، من جمع مالاً وعدده يحسب أن ماله أخلده، ومن دخل في مشاريع على حساب الشاطئ المملوك بصورة غير شرعية، وصفقات النفايات التي وصل خبرها وإخبارها الى القضاء، والمال السائب في بعض مغاور الأمن الداخلي، وشركات المقاولة في عالم النفايات والحرق والطمر.

كان هم رياض الصلح توفير الدعم الكبير للميثاق الوطني، ولوحدة اللبنانيين، وكان يتردد على صيدلية الشيخ بيار الجميّل في ساحة البرج ليكسبه الى جانب دعاة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي. وقد نجح رياض الصلح في خطته الوطنية تلك، واختير الشيخ بيار الجميّل رئيساً لحزبي الكتائب والنجادة، وبهذه الصفة نزل الى حي الجميزة على رأس تظاهرة ضد عسكر الانتداب وتعرض لجروح في رأسه ونقل الى المخفر الفرنسي في حي الصنائع مع لويس أبو شرف.

ولم يكن من السهل تفكيك العلاقة الكتائبية مع الانتداب الفرنسي بعد شعار <فرنسا أم الدنيا عموم اعتزوا يا لبنانيي>. لكن رياض الصلح استطاع أن يفكك تلك العلاقة ويتيح للشيخ بيار أن يكون واحداً من أبطال الاستقلال، وأن يلغي كل ما كان محسوباً من عالم المستحيل الذي يقول عنه <نابوليون بونابارت> انه ذريعة الضعفاء والجبناء عندما يقولون انهم لا يستطيعون محاربة المستحيل.

والرئيس صائب سلام، طيب الله ثراه، كان في الأساس محسوباً كزعيم مسلم، وبهذا الحسبان تولى زعامة المقاومة الشعبية في ثورة 1958. ولكن عندما نشبت حرب 1976، وبحث نفير الوطن عن رجال منقذين تقدم صائب سلام وقطع المسافة بين البسطة والأشرفية ليلتقي الشيخ بيار الجميّل صديق الأمس من زمن الملاكمة، مغامراً بعبور حواجزميليشياوية بالجملة وأزيز رصاص يشتعل هنا وهناك.

كانت مغامرة من صائب سلام، بل مغامرة بالحياة، ولكن إنقاذ الوطن بالجمع بين الجناح المسلم والجناح المسيحي تقدم على أي اعتبار. صحيح ان صائب سلام لم يستطع بعد ذلك ايقاف الحرب الدموية، بعدما أصبحت حرب الآخرين على أرض لبنان كما التعبير للصحافي العريق الراحل غسان تويني، إلا ان صائب سلام جعل من وردة عروة الجاكتة وردة سلام بين اللبنانيين ومصدراً للتلاقي.

ولا ينسى أصحاب الذاكرة الحية كيف طلب الرئيس سلام الاجتماع بالرئيس كميل شمعون زعيم الجبهة اللبنانية في فندق <فاندوم> ربيع 1970 وتوصل الى اقناعه بالانسحاب من معركة الرئاسة لصالح وزير الاقتصاد سليمان فرنجية الكبير لأنه كان الأقدر على جمع أصوات النواب المسلمين، وهكذا كان. وربما يعيد التاريخ نفسه مع سليمان فرنجية الحفيد الذي يملك من أصوات النواب المسلمين ما لا يملكه ميشال عون ولا سمير جعجع.

hollande-salamمن صائب سلام الى فؤاد شهاب

والرئيس فؤاد شهاب كاد يخسر جمهوره المسيحي وهو يفتح صدره للنواب المسلمين، مثل رئيس حزب النجادة عدنان الحكيم الذي جاءه في قصر صربا الرئاسي ليطلب إليه تمرير قانون في مجلس النواب باسم <نص بنص> أي نصف الوظائف والمناصب للمسيحيين والنصف الآخر للمسلمين، وهو ما انتهى إليه اتفاق الطائف عام 1989. وظل فؤاد شهاب يحاور عدنان الحكيم في مسألة <النص بنص> حتى ضاق صدره وهتف <لا إله إلا الله>، فبادره عدنان الحكيم قائلاً: <بسيطة.. رجعت لأصلك>، إشارة الى عائلة الشهابية المسلمة.

لكن فؤاد شهاب عمد الى توحيد المسيحيين والمسلمين بعد ذلك وصهرهم في جملة فتوحات تشريعية مثل مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي والضمان الاجتماعي، قبل أن يأتي الرئيس سليمان فرنجية عام 1971 ويضم الى المشروع الضمان الصحي. وكان اعتقاد هؤلاء الرجال أن انصاف الطبقات المحرومة وضمان معيشتها هو أفضل وسيلة للوصول الى الصف الوطني الواحد.

على هذه الخطى سار الرئيس الشهيد رفيق الحريري فكان يجول في بيروت والضواحي والبقاع والشمال والجنوب وجبل لبنان ومعه في كل مرة مستشفى جديد، أو مدرسة جديدة، أو طرقات جديدة، لإيمانه بأن التنمية والعناية بالبنى التحتية هما مدخل لتفكيك أواصر الحرمان، والجوع، والمرض، والجهل.

وقد التزم الرئيس الشهيد بخط وطني واضح، فلم يكن نصيراً للمسلمين وحدهم، بل ناصر كذلك المسيحيين، وأرسى جذورهم في المجتمع الأهلي، وكان واحداً من أبطال الكواليس في مؤتمر الطائف بحيث وازن بين حقوق المسلمين وحقوق المسيحيين في لبنان دون الوقوف عند العدد المحسوب في لوائح الشطب، بل اعتبار المسيحيين نصف الوطن وكفى.

ولا يستطيع أحد أن يزايد على الرئيس تمام سلام في التوازن الاسلامي ــ المسيحي، وحسبه في ذلك الانضمام الى حزب الكتائب في مقاطعة انتخابات 1992، دون أن يحسب حساباً لردة الفعل الاسلامية والنفس اللوامة، بل سجل موقفاً للتاريخ، وقال كلمته ومشى، كما يقول الفيلسوف أمين الريحاني. وهو في كل ذلك يبقى ابن الرئيس صائب سلام صاحب التوازنات الأهلية، والجامع بين حق المسيحي وحق المسلم، ولا يمكن رميه بالتهمة الطائفية، كما يحصل اليوم في ملف أمن الدولة الذي تقطعت به السبل جراء الخلاف القائم بين مديره العام جورج قرعة ونائبه محمد الطفيلي. فالموضوع اداري ومناقبي وليس مسألة طائفية، كما يراها وزير السياحة الكاثوليكي ميشال فرعون، ويؤازره فيها الوزيران جبران باسيل والياس بوصعب.

الطبيب السياسي <هولاند>

 

وما يدعو الى الخجل هو وجود مثل هذه البيئة الطائفية أمام الزائر الكبير الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> ضيف لبنان اعتباراً من غد السبت. فالرجل آتٍ الى لبنان ليلعب دور الطبيب السياسي، فيشخص المرض في ملف الشغور الرئاسي، ويطرح ما عنده من أفكار للحل. ولا يهم هنا أن يكون على لائحة الترشيح للرئاسة مسيحيان قويان هما سليمان فرنجية وميشال عون، بل أن يكون هناك مرشح مسيحي يستقوي بروابطه الاسلامية، وهو توصيف ينطبق على سليمان فرنجية أكثر مما ينطبق على العماد ميشال عون. وهذا ما دعا الرئيس سعد الحريري يوم الاثنين الماضي الى مطالبة حليفه رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع بالتصويت للمرشح الرئاسي سليمان فرنجية، مخترقاً بذلك جدار المجاملة.

وقد أراد الرئيس الحريري من هذا الطلب الى سمير جعجع كشف موقف حزب الله الذي يرشح للرئاسة حليفه ميشال عون، فهل يبقى على هذا الترشيح إذا سار سمير جعجع على درب المؤيدين لسليمان فرنجية؟! ربما سيؤدي ذلك الى تفكيك الحلف السياسي بين العماد عون وحزب الله، وإما اختيار جانب العزلة والخروج من الاجماع الوطني.

ولا يجوز في هذا المقام أن ننسى دور الرئيس نبيه بري الذي هو في الأساس حليف سياسي انتخابي لحزب الله في الجنوب والبقاع، ولكنه قبل ذلك كله حليف الانصهار الوطني، والتفاهم بين السعودية وإيران. وهناك من القاهرة خلال ترؤسه لجلسة الاتحاد البرلماني العربي في الجامعة العربية دعا الى صيغة تفاهم بين السعودية وإيران للوصول الى قاسم مشترك في ملف الشغور الرئاسي اللبناني. وربما كان بذلك يمارس التصويب على المؤتمر الاسلامي المنعقد في اسطمبول، وعلى محاولات الجمع بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الإيراني <حسن روحاني>. وهناك تحضيرات في الكواليس لهذه القمة يشارك فيها بعض الأطراف الخليجية مثل سلطنة عمان.

وهذا ما جعل الرئيس نبيه بري يعلن من القاهرة بأننا في موضوع الشغور الرئاسي وصلنا الى آخر النفق، مثلما جعلت هذه المعطيات الرئيس سعد الحريري يتوقع أن تشهد اردوغان-11معركة الرئاسة انفراجاً في شهر نيسان (ابريل) الجاري.

وقد يكون مستشارو قصر <الإليزيه> قد راهنوا على هذه الاحتمالات، ومنها لقاء اسطمبول بين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس <حسن روحاني>، فقرروا التوقيت لزيارة سيد <الإليزيه> للبنان في هذا الوقت بالذات، ليبدو الرئيس <هولاند> وكأنه المخلّص..

وتبقى الجلسة التشريعية التي دعا إليها الرئيس نبيه بري وتواكب كل هذه المستجدات. وهو مصر عليها، ولا يرضى أن يتعرض أحد لميثاقيته، لأن وجود نواب مثل بطرس حرب وروبير غانم وميشال فرعون وسمعان دويهي وسليم كرم ونايلة تويني وميشال المر وعاطف مجدلاني، هو جزء من هذه الميثاقية، وهم ليسوا أحجار شطرنج بل هم سحب لكل اتهام للجلسة التشريعية بعدم حيازة الميثاقية.

فهل هبت رياح الربيع اللبناني؟!

وهل وصلنا الى آخر الشوط أو آخر النفق، على حد تعبير الرئيس نبيه بري؟!

راقبوا المؤتمر الاسلامي في اسطمبول. فقد يأتي منه الترياق الذي ينتظره لبنان في معركة الشغور الرئاسي، فتكون اسطمبول مثل الدوحة عام 2006، ومؤتمر الطائف عام 1989، القابلة القانونية للرئيس العتيد..