15 November,2018

هــل حــاول النظــــام الـســـوري إفـشــــال الـتـهـدئــــة الـتــي تـولـتهـــا إيـــــران والأمــم الـمـتـحـــدة؟

بقلم علي الحسيني

 

احرار-الشام-في-بساتين-الزبداني منذ أكثر من ثلاثة أشهر ومدينة القلمون السورية غائبة مع أميرها أبو مالك التلي عن الحدث لصالح مدينة الزبداني التي تصدرت الحدث واحتلت مساحات واسعة في الاعلام المتعدد بشاشاته وصفحاته وإذاعاته.

 

الزبداني.. صمود أسطوري ومفاوضات متقطعة

أكثر من ثلاثة أشهر ولم تزل الزبداني عصية على السقوط. تتعدد الاسباب والحقيقة واحدة وهي ان هذه البلدة او ما تبقى منها هي التي ترسم مصيرها بيدها وهي التي تحدد مستقبلها وترسم آفاقه بصمودها وبشهداء أهاليها.

معركة الزبداني في ريف دمشق مستمرة. الجيش السوري مدعوماً بحزب الله يحاول بكل ما أوتي من قوة السيطرة على المدينة بهدف تحصين العاصمة دمشق بينما يسعى حزب الله لإكمال سيطرته على المناطق الحدودية مع لبنان وهو الهدف الذي لم يكتمل بعد خصوصاً وان المعارضة السورية تحركت بكل فصائلها في المناطق المحاذية لدعم ثوار الزبداني ومنع اقتحامها. ولكن في المقلب الآخر كانت بلدتا الفوعة وكفريا الشيعيتان في ادلب على وشك السقوط بأيدي الثوار بعدما تم اقتحام جزء كبير من اراضيهما بواسطة سيارات مفخخة ولكثافة استهدافهما بصواريخ محلية الصنع، الأمر الذي أجبر الايرانيين ومعهم حزب الله على العودة الى طاولة المفاوضات للمرة الثانية رسمياً والثالثة ضمنياً والبدء بالبحث عن مخرج جديد للمأزق بأقل الخسائر والاضرار الممكنة.

أهم بنود ومراحل الاتفاق الجديد

 

الاطراف المفاوضة توصلت مطلع الاسبوع الفائت الى وقف لإطلاق النار يتضمن جملة بنود جرى التوافق عليها منها: خروج كامل المقاتلين من مدن الزبداني ومضايا وبقين وسرغايا مع كامل عائلاتهم الى ادلب، مقابل خروج الراغبين من النساء والاطفال والجرحى الذين لا يمكن علاجهم في كفريا والفوعة الى حمص او دمشق لكن شرط أن لا يتجاوز عدد الخارجين عشرة آلاف مواطن. والاتفاق سيتم تنفيذه على مدى ستة اشهر ويبدأ بإجلاء الجرحى، على ان تتضمن المرحلة الاولى وقف كامل العمليات العسكرية في مناطق التهدئة والتي تشمل الزبداني ومحيطها والفوعة وكفريا ومحيطهما، بالإضافة الى وقف القصف بالطيران الحربي والمروحي على المناطق الخاضعة للمفاوضات، كما تشمل التوقف عن تحصين الدشم والمواقع العسكرية خصوصاً مواقع المواجهة مع وقف اي تقدم في المناطق الفاصلة وعلى خطوط التماس وعدم إغلاق الطرق الانسانية في الفوعة وكفريا ومضايا وبقين وسرغايا، على ان يُنفذ هذا الاتفاق بضمان وإشراف وحضور من الامم المتحدة.

 

حوار-بين-عناصر-من-حزب-الله-والمعارضة-السورية-من-على-الشرفاتالمرحلة الثانية ومحاولة ضرب الهدنة

ومع انتهاء المرحلة الاولى تبدأ المرحلة الثانية والتي تشمل إطلاق سراح 500 معتقلة ومعتقل بينهم أطفال من سجون النظام السوري. وهو اتفاق سيخفف لا شك من معاناة المدنيين في مناطق ملتهبة لكنه يؤشر الى انطلاق رسمي للتغيير الديموغرافي كما سيؤثر على فقدان النظام للسيادة السورية على اراضيه لصالح حلفائه وعلى رأسهم ايران. ولكن يبدو ان هذا المسار التفاوضي لم يرق للنظام السوري الذي لم يحترم بدوره قرارات الهدنة فراح يعمل على تعطيلها من خلال قصفه مناطق شمال غرب سوريا وهذا ما أكدته المعارضة في بيان لها قالت فيه ان قوات النظام حاولت ضرب الهدنة وخرقها بعدما قامت بقصف قرية تفتناز بريف ادلب.

  

اعلام حزب الله يجمد جولة للصحافيين في الزبداني

 

قبل اطلالة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الأخيرة على شاشة قناة <المنار>، كان من المقرر ان تكون هناك جولة لعدد محدود من وسائل الاعلام من بينها <الافكار> ينظمها إعلام الحزب على مناطق محددة في الزبداني، ولكن بعد الوصول الى اتفاق الهدنة تم تجميد الجولة وترافقت مع إطلالة نصر الله الذي كشف عن بعض تفاصيل اتفاق الهدنة التي بدأت يوم الاحد الماضي بإشراف الأمم المتحدة ووساطة ايرانية، وانه لن يبقى اي مسلح في الزبداني وبالتالي سيدخل الجيش السوري الى الكيلومتر المربع المتبقي. واوضح ان المسلحين والجرحى في الزبداني سيخرجون الى منطقة ادلب في شمال غرب البلاد وان من يريد من المدنيين المتبقين في الزبداني او في محيطها او في مضايا وبلودان وريف دمشق ان يخرج مع المسلحين الى ادلب سيؤمن له هذا الخروج، وتعهد بتسوية وضع عائلات المسلحين الذين نزحوا من الزبداني إلى لبنان مع الحكومة اللبنانية لتأمين عودتهم الى بلادهم.

وعلى جبهة بلدتي الفوعة وكفريا في محافظة ادلب قال نصر الله ان الاتفاق يشمل خروج عشرة آلاف مدني من الفوعة وكفريا مع النساء من مختلف الأعمار والذكور ما دون 18 عاماً وما فوق سن الخمسين عاماً، بالإضافة إلى الجرحى باتجاه مناطق سيطرة الدولة السورية، وبعد وقف اطلاق النار وتنفيذ المرحلة الاولى تبدأ هدنة لمدة ستة أشهر تشمل سرغايا ومضايا بعد ان ينتفي وجود المسلحين في الزبداني.

 

ماذا يقول حزب الله؟

مصادر خاصة في حزب الله تؤكد عبر <الافكار> ان الحزب اصبح يتحكم بمفاصل القوة كافة في مدينة الزبداني التي باتت تنحسر فيها العمليات العسكرية داخل اقل من كيلو متر مربع وان ما تبقى من مساحات لم يدخلها الحزب لغاية اليوم ما هي الا مساحات سكانية وزراعية لا تشكل اهمية بالنسبة له. وعن أعداد الاصابات المرتفعة في صفوف عناصر الحزب والتي بلغت بحسب آخر الإحصاءات ما يقارب 300 عنصر وأكثر من 500 جريح، تشير المصادر نفسها الى ان هذه الارقام مبالغ فيها وبان الحزب يعلن عن عدد عناصره الذين يسقطون تباعاً، وبالتالي لا مجال لإخفاء هذه الأمور لا عن اهالي العناصر ولا عن القاعدة الجماهيرية.

 وتضيف مصادر حزب الله: كان بامكان الحزب كما قال سماحة السيد ان يحسم الامور بأقل فترة ممكنة في الزبداني لكن القيادة العسكرية كانت تضع على الدوام في الحسبان منطقتي الفوعة وكفريا إذ انه في كل مرة كان يشتد فيها الخناق على المسلحين في الزبداني كان يسقط مقابلها العشرات من المدنيين في البلدتين المذكورتين في ريف ادلب.

حزب-الله-في-جرود-القلمون

من ارض الميدان

لا ينفي عناصر حزب الله الذين يقاتلون في الزبداني صعوبة وشراسة المواجهات التي يخوضونها مع المسلحين المحاصرين ولا ينكرون صمودهم، لكنهم في المقابل يرون ان الحرب التي يخوضونها في هذه البقعة الجغرافية لا بد ان تنتهي لصالحهم. ولكن الوقائع على ارض الميدان تتغير وتتبدل من حين الى آخر، ففي وقت يعلن فيه الحزب والنظام السوري قرب الانتهاء من المراحل الأخيرة لبسط سيطرتهما على الزبداني ومحيطها، تؤكد من جهة أخرى معلومات الثوار ان المعارك ما زالت على حالها وبوتيرة اشد، وانها كانت تتركز قبل الدخول في الهدنة الأخيرة في وسط المدينة والاحياء المجاورة للوسط من الجزئين الشرقي والغربي وسط محاولات الثوار للاعتماد على انفسهم بالدرجة الاولى والحد من الخسائر البشرية في صفوفهم وعلى حلفائهم في الخارج.

المسلحون: نحن نرسم مستقبل الزبداني

 

ويؤكد الثوار انهم ما يزالون يتمركزون في الجزء الأوسط في المدينة بقطر يبلغ من 1 إلى 1.2 كلم مربع وبأنهم يعملون على الصمود امام قوة الجيش السوري وحزب الله التي تتمدد بشكل بطيء، مع تأكيد اضافي انهم هم من سيرسمون ملامح الزبداني المقبلة ومصيرها العسكري، لكنهم في الوقت عينه يؤكدون ان الحرب طويلة ولن تنتهي مع الانتهاء من موضوع الزبداني، اذ ان الحزب سرعان ما سيدير فوهة مدافعه باتجاه مضايا وسرغايا، خصوصاً ان تقارير الحزب تؤكد رصده في الايام الماضية نشاطاً مسلحاً في مضايا وعمليات تدعيم للتحصينات العسكرية. ومن المعلوم ان مضايا تحوي في داخلها نحو 35 ألف مدني سوري من المهجرين من مناطق الزبداني ومحيطها وهم ينتشرون في احياء المدينة كافة، كما ان غالبية عائلات مسلحي الزبداني يقيمون في مضايا.

 

ايران وضعت حلفاءها في الصورة

وبعدما ادركت القيادة الايرانية التي تقود الهجمات على عدة محاور في سوريا مدى صعوبة اسقاط الزبداني عسكريا، وضعت حلفاءها في اجواء صعوبة المرحلة ودقتها، وكشفت عن مساعدات عسكرية نوعية يتلقاها مسلحو الزبداني من دول عربية من بينها قطر والسعودية، وعلى هذا الاساس طلبت من حلفائها استبدال خطط اسقاط المدينة بالاستماتة في الدفاع عن البلدات الواقعة على الحدود اللبنانية من القصير الى القلمون فالزبداني والتي تُعتبر اول خطوة في آخر مرحلة ستنتهي في الغوطة الشرقية لتفريغ دمشق ومحيطها ديموغرافياً، وبهذا يمكنها فرض واقع سكاني مذهبي جديد على حدود حليفها حزب الله يستطيع ان يستوعب لاحقاً اهالي بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين في ريف حلب وغيرهم من أهالي القرى والبلدات الشيعية التي تقع ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار، وذلك كعملية استباقية لأي مخطط غربي وتحديداً اميركي يمكن ان يضع في الحسبان نهائية تقسيم سوريا، وهو ما تُرجم ايضاً مع دخول العسكر الروسي الى مناطق محددة في سوريا محسوبة على النظام عسكرياً ومذهبياً.

أين اصبحت عرسال في قاموس حزب الله العسكري؟

يعتقد حزب الله ان بلدة عرسال البقاعية الحدودية الى جانب بعض مخيمات النزوح التي تقع بجوارها وخلفها لجهة الشرق على مقربة من خطوط انتشار الجيش اللبناني هما العقدة المقبلة اذ ان كل المعطيات الميدانية والاستخباراتية التي يجمعها الحزب تؤكد وجود أمير <جبهة النصرة> ابو مالك التلي في منطقة قريبة نوعاً ما من الحدود. وهنا تكشف معلومات مهمة لـ<الافكار> عن تعقب مجموعة من وحدة الرصد في الحزب لاحداثيات المسلحين وتمكنها من تحديد ثلاث نقاط يمكن ان يكون التلي موجوداً في احداها، وقد تكون منطقة ما يعرف بوادي الخيل النقطة المرجحة بأن يكون امير <النصرة> موجوداً فيها. وهنا يقول مسؤول عسكري في الحزب يقع نطاق عمله ضمن منطقة القلمون ان مخيمات النزوح القريبة من عرسال والقلمون هي نقطة امتداد عسكري للمسلحين، وان قطع التواصل بين هذه المخيمات ومحيطها سوف يؤدي الى استسلام مسلحي <النصرة> و<داعش> في غضون اسبوعين على اكثر تقدير خصوصاً وان القيادي نفسه يؤكد بان نسبة عالية جداً من المساعدات الانسانية التي تصل على الدوام الى هذه المخيمات تتسرب للمسلحين، وان مسلحي الجرود يلجأون اليها في بعض الاحيان لطلب الايواء فيها ورؤية عائلاتهم.

ما الذي يمنع حزب الله من قطع الإمداد؟

ولدى سؤال القيادي عن المانع الذي يحول دون قطع الإمداد عن المسلحين يقول: <كيف يمكن لنا قطع الإمداد عن المسلحين في الجرود والذي يصل اليهم من ثمانية مخيمات للنازحين موجودة إلى الشرق وراء خط انتشار الجيش اللبناني، وداخلها 30 ألف نازح من أصل 160 ألف نازح، ويقطن البقية منهم 130 ألفاً في مخيمات أخرى تقع داخل مناطق سيطرة الجيش اللبناني؟>.

بدء جلاء الجرحى

حزب-الله-وتعقب-امير-النصرة-في-القلمون

وفي معلومات خاصة لـ<الافكار> ان عملية البدء بإجلاء مصابين من منطقة الزبداني قد تمت منتصف ليل الاحد الماضي حيث نقلت سيارة تابعة للامم المتحدة ثلاثة عناصر جرحى من حركة <أحرار الشام> بينهم قائد عسكري بارز باتجاه احدى مستشفيات البقاع وذلك ضمن حراسة امنية مشددة، وقد تم ذلك تحت مراقبة عناصر امنية من حزب الله كبادرة حسن نية على سريان مفعول الهدنة وعدم نية الحزب خرقها، وهي بمثابة رسالة ايضاً الى الفصائل السورية لترجمة الاقوال الى افعال في بلدتي الفوعة وكفريا والبدء بالسماح للمدنيين والجرحى بالخروج منهما كما نصت وثيقة الاتفاق بين الايرانيين والفصائل السورية وحزب الله.

ميدانية الزبداني وعسكريتها

تتمتع منطقة الزبداني بموقع استراتيجي يجعلها تشكل اهمية عسكرية استراتيجية ضمن خريطة العمليات السورية باعتبارها مفتاحاً ميدانياً لسلسلة مناطق تمتد على الطول الجغرافي السوري وبالتحديد العاصمة دمشق وريفها الشمالي والغربي وصولاً الى مناطق الجنوب السوري ومحافظة القنيطرة، كما انها ومن الناحية الميدانية تُعتبر نقطة وصل تبدأ من الوسط السوري اي حمص وتمتد على طول شريط مناطق القلمون وصولاً إلى الحدود اللبنانية غرباً وتشكل نقطة الربط بين المناطق الجغرافية السورية المتعلقة بالجولان وسلسلة جبال وتلال الحرمون ومناطق الحدود اللبنانية السورية من جهة القلمون الشمالي الغربي. وتكمن خطورة الزبداني من خلال امتدادها الجغرافي من جهة الجنوب السوري مع منطقة دير العشاير وريف القنيطرة، وبالتالي قدرة المسلحين على قطع طريق دمشق وتهديد العاصمة من الجهة الجنوبية واتصالها بمدينة قطنا المعضمية ومن الجهتين الغربية والشمالية باتصالها بمدينة التل.

فصل وتقطيع اوصال.. وصمود

وبدا واضحاً ان حزب الله وجيش النظام المدعوم بطائراته ودباباته تمكنا من عزل هذه المدينة عن محيطها، ففصلاها عن القلمون من جهة الشمال وقطعا طريق الإمداد نحو سرغايا وعين حول لناحية القلمون من خلال الخرق السريع من بلودان من الجهة الشرقية ومن الجهة الغربية من تل السنديان بقرية معدر حيث التقت القوات في الوسط عند مرتفع كفر عامر المشرف على قلب مدينة الزبداني من الجهة الشمالية، ومع هذا ظلت المدينة عصية عن السقوط وان تعددت الاسباب التي حالت دون ذلك.