16 November,2018

هـــل تدفــــع عرســال ثمــن سـقوط يبـــرود؟

 يبرود-2عادت بلدة عرسال البقاعية لتتصدر مجدداً واجهة الحدث السياسي ذلك على اثر السقوط المفاجئ لمدينة يبرود السورية المتاخمة للحدود اللبنانية بيد جيش النظام السوري المدعوم بعناصر من حزب الله وجيش <ابي الفضل العباس> العراقي والتي كانت تُسيطر عليها الوية تابعة للتيارات الاسلامية ووحدات للجيش السوري الحر الامر الذي من شأنه ان يُحدث تغيّرات جديدة لجهة سير الحرب الدائرة في سوريا.

يبرود والسقوط المفاجئ

سُميّت مدينة يبرود خلال الاشهر الاخيرة بأهم قلاع او حصون المعارضة السورية حتّى ان خبراء عسكريين مناهضين للنظام السوري اكدوا انها ستكون مقبرة لجيش الاسد وحلفائه نظراً للتحصينات التي بنتها المعارضة طوال الاشهر السابقة بالاضافة الى الامكانيات القتالية العالية التي تمتلكها هذه العناصر، اذ ان معظمهم كانت لهم مشاركات في حروب سابقة من الشيشان وافغانستان فالعراق ومن ثم الى ليبيا وتونس والعراق وصولاً الى سوريا. ويُضاف الى كل هذه المسائل نوعيّة الاسلحة المتطورة التي كانت هذه المجموعات قد حصلت عليها من دول عدةّ من ضمنها صواريخ مضادة للدبّابات، الا ان كل هذا الدعم لم يمنع سقوط اهم الحصون بيد الجيش السوري وحلفائه في معركة قيل انها لم تكن قد بدأت بالفعل.

الفرار باتجاه عرسال

مع سقوط يبرود، توالت المعلومات الامنية والعسكرية التي تؤكد فرار اعداد كبيرة من العناصر المسلحة من يبرود باتجاه بلدتي <رنكوس> و<فليطة> السوريتين، لكن ما لم يكن في الحسبان هو ان بعض هذه المجموعات قد فرّ من المعارك الى جرود بلدة عرسال في لبنان، وقد بلغت اعداد هذه العناصر نحو الف مسلّح بحسب المعلومات التي توافرت للاعلام وهو الامر الذي استدعى الجيش السوري الى تنفيذ غارات استهدف خلالها شاحنات في المنطقة الحدودية كانت تقل المسلحين الفارين من يبرود الى جرود عرسال، وهذا ما اكده بيان للجيش اللبناني الذي اعلن فيه عن <استهداف الطيران السوري جرود عرسال بعدد من الصواريخ أثناء ملاحقته مسلحين على الحدود المحاذية للأراضي السورية>. وفي السياق ذاته قالت مصادر في حزب الله لـ<لأفكار> ان مسلحين فارين من يبرود قد دخلوا إلى مخيمات اللاجئين في وادي حميد وان الطيران السوري استهدف قافلة للمسلحين من يبرود عند منطقة الرهوة مما أدى الى تدمير عدد من الشاحنات.

نازحات-لعرسال

سيارات مفخخة دخلت لبنان لحظة سقوط يبرود

وكما بات معلوماً انه ومنذ الاستهداف الاول الذي طال الضاحية الجنوبية من جرّاء تفجير احدى السيارات داخل مرآب في محلّة الرويس مروراً بالتفجير الانتحاري الذي وقع في منطقة الشويفات وصولاً الى تفجير الهرمل الاخير، وضع حزب الله نصب عينيه مدينة يبرود باعتبارها المركز الاساس الذي يُصدّر كل هذه التفجيرات الى لبنان وتحديداً الى المناطق التي تخضع لبيئة الحزب الحاضنة. وكان الامين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله وعدد من قياديي الحزب قد اشاروا في اكثر من مرة الى هذه المدينة التي يجب <تحريرها> من <التكفيريين>، لكن في كل مرّة كانت العوامل السياسية هي التي تمنع الحزب من القيام بأي عمل ضد يبرود الى أن جاءت الفرصة على طبق من ذهب، فسقطت مع حلول الساعات الاولى من اليوم الاول للاقتحام الجدي، الا ان السقوط هذا لم يمنع وصول الانتحاريين الى الداخل اللبناني، فكانت اولى بوادر السقوط تفجيراً انتحارياً بواسطة سيارة مفخخة ادت الى استشهاد ثلاثة مواطنين وجرح اكثر من اثني عشر شخصاً بعضهم في حال الخطر.

بعد عملية التفجير الانتحاري هذه كان اللافت تمكن دورية من الجيش اللبناني من القبض على سيارة من نوع <غراند شيروكي> فضية اللون بينما كان صاحبها يحاول العبور بها عبر طريق

الفليطي

جردية بين بلدة <رأس بعلبك> و<الفاكهة>، لكن سرعان ما فرّ سائقها ليقوم الجيش بعدها بتفجير السيارة التي قُدّرت زنة العبوة التي كانت موجودة داخلها بنحو مئة وخمسين كيلو غراماً من المواد المتفجرة. وفي معلومات حصلت عليها <الافكار> ان نحو خمس سيارات معدة للتفجير قد جرى ادخالها الى لبنان بعد اقل من ثلاث ساعات على سقوط يبرود وان القوة الامنية تعمل على ملاحقة هذه السيارات بناء على معلومات توافرت لها وقد تمكنت من القبض على سيارتين من بينها تلك التي فجّرها الجيش.

هل يتكرر سيناريو نهر البارد؟

اليوم توجد احتمالات متعددة حول مستقبل العناصر الارهابية التي فرّت الى لبنان، خصوصاً في ظل استحالة عودتهم الى الداخل السوري والالتحاق ببقية الجماعات الموجودة هناك بعدما احكم جيش النظام السوري ومعه حزب الله سيطرتهم على كامل الحدود الواقعة بين لبنان وسوريا، بحيث صار من سابع المستحيلات استعمال تلك المعابر كخطوط امداد للمسلحين بعدما انحسر وجودهم ضمن بقع جغرافية محددة، ومن هذه الاحتمالات إما عودتهم إلى بلادهم من خلال مفاوضات او صفقات تتم مع حكوماتهم وهذا لا يبدو ايضاًً متاحاً في المدى المنظور، أو نقل

معركتهم الى الداخل اللبناني باعتباره أرض نصرة وجهاد بحسب تصريحاتهم السابقة، ما يعني فتح جميع ابواب التكهنات على مصراعيها ومن جملتها دخول الجيش اللبناني بشكل مباشر على خط القتال لمنع هذه الجماعات من تثبيت نفسها داخل الاراضي اللبنانية او بعض مخيمات البقاع على غرار ما حصل في السابق داخل مخيم نهر البارد.

النائب-علي-فياض

مصدر في حزب الله لـ<لأفكار>: الامور تحت السيطرة

على مشارف القرى البقاعية التي تفصل بين الاراضي اللبنانية والسورية، كانت لنا جولة على بعض المراكز الثابتة للحزب حيث التقينا احد المسؤولين الذي اطلعنا على بعض التفاصيل الصغيرة المتعلقة بسير العملية العسكرية التي يقوم بها الحزب والجيش السوري. يقول المسؤول الميداني: ان دخول <التكفيريين> الى بعض المناطق اللبنانية لا يعني بالضرورة انهم تمكنوا من ايجاد مناطق آمنة لهم، فهؤلاء المسلحون جميعهم في نطاق المتابعة والرصد، خصوصاً تلك المجموعات التي فرّت مؤخراً باتجاه جرود عرسال لانهم سلكوا معابر وعرة واقعة تحت أنظارنا وانظار الجيش السوري وسيتم اصطيادهم وفقاً للخطوات التي ستتخذها القيادتان في وقت لاحق، هذا مع العلم ان طائرات من دون طيار قد دخلت بشكل فعلي على خط الرصد العملاني لمتابعة تحركات القيادات والعناصر، بدليل النجاح في القضاء على غالبيتهم في عمليات متفرقة ومعقدة ما ساهم في تسريع منظومة الانهيارات.

اهالي عرسال: نريد الدولة

للوصول الى بلدة عرسال، اصبح الامر يحتاج الى الخضوع لتفتيش دقيق على أيدي عناصر حزب الله الذين اعادوا نشر حواجزهم عند المفترق الذي يفصل بلدة <اللبوة> عن جارتها <عرسال> بعد التفجير الانتحاري الذي وقع ليل الاحد الماضي والذي ادى الى استشهاد مواطنين قيل انهما ينتميان الى الحزب، وان الانتحاري قد فجّر نفسه بعد ملاحقة هذين العنصرين له، وكان قد سبق هذا العمل اطلاق مجموعة صواريخ باتجاه عدد من المناطق البقاعية منها بلدة النبي عثمان حيث ادى احدها الى استشهاد مواطن لبناني وجرح اربعة آخرين وقد اتهم حزب الله

نازحات-الى-عرسال-2

جماعات ارهابية مسلحة بالوقوف وراء هذا القصف وبأنها قد اطلقتها من جرود بلدة عرسال، الامر الذي نفاه الاهالي الذين بدأوا يشعرون بالخوف الشديد على مستقبل بلدتهم وكأن هناك مؤامرة برأيهم تحاك ضدهم وقد يتم تنفيذها خلال الفترة المرتقبة. وأكثر ما يخشاه الاهالي هنا هو ان يدفعوا ضريبة ايوائهم للنازحين السوريين وتعاطفهم مع الثورة السورية، وانطلاقاً من خشيتهم هذه، يصرّون على ان تحضر الدولة اللبنانية باستمرار على اراضيهم وان تُقيم نقاط تفتيش

 ثابتة داخل المدينة وعلى اطرافها لمنع اي جهة من القيام بأي عمل اعتدائي يطال الاراضي اللبنانية.

النزوح المستمر.. وبعدين لوين؟

وحتى الساعة ما زالت ساحة بلدة عرسال تعج بالوافدين لكن هذه المرة من يبرود تحديداً، مئات العائلات وصلت منذ ساعات فجر الخميس الليلة التي سبقت سقوط يبرود إما عبر سيارات او باصات واما مشياً على الأقدام تحت المطر أو على دراجات نارية، ولسان حالهم واحد <الله يجازي يللي كان السبب>. وعلى مسافة ليست ببعيدة من الساحة العامة للبلدة، 17 عائلة لا تجد بضع أمتار لترتاح عليها، مفضلة افتراش الارض ببعض من قطع القماش كانت قد احضرتها معها وهنا يقول ايوب رب العائلة < مكتوب علينا القهر و<الشمشطة>، نحن شعب يستأهل الضرب بالجزمة لأننا لم نعرف قيمة بلدنا الا بعد خرابها، هذه المرة الثالثة التي انزح فيها، الاولى كانت من الغوطة باتجاه القصير بعدها الى القلمون واليوم الى لبنان>. ونزوحه هذا يُذكره بسؤال طرحه أحدهم على الصحافي الراحل ناجي العلي: <من فلسطين على عين الحلوة ومن عين الحلوة على بيروت ومن بيروت لوين يا حنظلة؟>.

فياض لـ<الافكار»: يبرود كانت بؤرة للارهاب

وحول اهمية سقوط يبرود، اكتفى عضو <كتلة الوفاء للمقاومة> النائب علي فياض بالقول: ان تحرير يبرود من أيدي الإرهاب التكفيري يشكل نقطة تحوّل في مسار المواجهة في سوريا، لأنه سيكون له أثر حاسم على المعادلات الميدانية على امتداد المناطق المحاذية للحدود اللبنانية وسينعكس إيجاباً على الأمن والاستقرار في لبنان، خصوصاً وأن يبرود مثلت البؤرة الأساس لتجهيز وتصدير السيارات المفخخة التي استهدفت الضاحية الجنوبية وبلدة الهرمل البقاعية، كما أننا نأمل أن يشكل الانهيار السريع للتكفيريين والتداعي المتلاحق لمواقعهم في يبرود وغيرها فرصة لمراجعة البعض حساباته والعودة إلى الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي في لبنان، بدل الامعان في الرهانات الخاطئة التي عمقت الحساسيات الطائفية ووفرت الحماية لبؤر التعصب والكراهية وبالغت في التآمر على المقاومة ووضع حد للأوهام التي زجت الساحة اللبنانية بممارسات تصعيدية في انتظار التغييرات المفترضة في سوريا>.


الحجيري لـ<الافكار>: التفجيرات من صنع النظام

الحجيري

 

بدوره اشار رئيس بلدية عرسال اللبنانية علي الحجيري الى ان ما تردد عن وجود أكثر من ألف مسلح في أراضي عرسال، هو امر غير صحيح على الاطلاق وان هناك من يريد ان يزيد التهم بحق هذه البلدة ليجعلها تدفع ثمن وقوفها الى جانب قضية النازحين السوريين واستقبالها الجرحى، معتبراً ان السيارات المفخخة التي تدخل لبنان من صنع النظام السوري، وهدفها صنع الفتنة، خصوصاً وان عدد النازحين السوريين في عرسال فاق 100 ألف نازح، في حين أن عدد سكان عرسال يبلغ نحو 40 ألفاً، مع العلم ان نحو مئتي عائلة سورية نازحة دخلت عرسال

بعد سقوط يبرود.

ولفت الحجيري الى أن <وجود المقاتلين السوريين محدود جداً في جرود عرسال، وضبط الحدود يجب ان يكون على الحدود وليس في بلدة عرسال، فالجيش اللبناني لديه 11 نقطة تفتيش داخل عرسال>، معتبراً انه <إذا  استمرت الازمة في سوريا على هذا النحو، فسوف يتأثر لبنان بأكمله بها>.

الفليطي لـ<الافكار>: وحدها الدولة مخوّلة بأمن البلدات

وبدوره نفى نائب رئيس البلدية احمد الفليطي صحة المعلومات التي تحدثت عن دخول مسلحين من يبرود إلى البلدة، موضحاً أن وجهة مقاتلي يبرود الأساسية في حال أرادوا الانسحاب هي <رنكوس> داخل سوريا وليس عرسال. ويبدو ان هناك نية واضحة لفتح معركة في عرسال وفليطة في هذا التوقيت. وهناك وسائل اعلام لبنانية تُساعد على تنفيذ هذا المخطط من خلال بثّها اخباراً غير صحيحة، مثل الإعلان عن دخول 1500 أو ألف مسلح الى البلدة، تمهيداً لانتهاكات الطيران الحربي السوري السيادة اللبنانية وقصف عرسال، حيث نفذ حتى اليوم أكثر من عشر غارات استهدفت قوافل نازحين سوريين معظمهم من بلدة المعرة تحديداً التي قصفت بالبراميل المتفجرة، وقد أفادونا بأنه سقط أكثر من تسعة شهداء وعشرات الجرحى.

وفي معرض ردّه على ما قاله رئيس بلدية اللبوة رامز أمهز مبرراً إقفال الطريق على عرسال بأن الناس أقفلوا الطريق بالسواتر احتجاجاً على مقتل أحد أبنائهم بالصواريخ، ومطالباً بدخول

حاجز-لمسلحين-عند-مدخل-عرسال

الدولة الى كل احياء عرسال، قال الفليطي: <هذا الدور ليس مطلوباً من رئيس بلدية اللبوة، فلا دور للبلديات في هذه الأمور التي لا توصل الى شيء، لا هو ولا رئيس بلدية عرسال أو أي بلدية أخرى يستطيع معالجة القضية، لأن هناك موضوعاً كبيراً وهو خرق للسيادة من قبل النظام السوري وأمام أعين الدولة، وأنا لا أعرف ما إذا كانت المؤسسة العسكرية تقبل بخرق السيادة أو إقفال الطريق والادعاء بأن الحل بين الأطراف السياسية>.

وتابع: لقد استنكرنا القتل المجاني إن كان في اللبوة أو عرسال أو الهرمل وكل التفجيرات التي حصلت والقتل الذي تم، ومثلما وقع عندهم ضحايا نحن أيضاً وقع عندنا ضحايا، ففي انفجار بئر حسن سقط شهيد وفي مسجد السلام في طرابلس سقط 5 أخوة بصاروخ في غارة سورية، لنخرج من حال المزايدات لأنها لا توصلنا الى نتائج، فإذا كان يريد اعتذاراً من أهل عرسال، فنحن نقول: أهل عرسال لا يعتذرون عن ذنب لم يقوموا به ونحن نعتبر الشهيد الذي سقط في اللبوة مؤخراً شهيد أهل عرسال وهو ضحية عمل جبان.


الخوف يتزايد مجدداً على لبنان في ظل الانقسام السياسي الواقع بين ابنائه، في وقت لم تعد تُجدي نفعاً مقولة الحياد او النأي، فـحزب الله حمل على اكتافه نصر يبرود ويبدو انه مكمل في طريق الانغماس اكثر فأكثر في الحرب السورية، يقابله في الجهة المناقضة تماماً لبنانيون آخرون مستعدون لتقديم ارواحهم فداء للثورة السورية، فهل تنتهي الحرب السورية قبل ان يُنهي فيه اللبنانيون على ما تبقى من وطنهم، ام ان هناك صحوة ضمير في طريقها اليهم لكنها تنتظر انقشاع غبار الحرب والدمار المُسيطر على سلسلة جبال لبنان الشرقية؟!.