17 November,2018

«هــــولاند » يفتــــــح البـــــاب لــــرئيس لبــــناني جديــــــــــد!

hollande-hariri

ظلال <سايكس بيكو> (المعاهدة التي وقعها السفير البريطاني والسفير الفرنسي في عام 1917)، ومعها ظلال <دين براون> و<كونداليسا رايس> وأخيراً ظلال نائب الرئيس الأميركي <جو بايدن> هي التي تمسك الآن بتلابيب المنطقة وتهيئ لها أسباب التقسيم الى ولايات داخل البلد الواحد!

   ومن غرائب المصادفات أن تكون بيروت، معقل الوزير المفوض البريطاني <جوزف سايكس> والسفير الفرنسي <جورج بيكو> الذي أعطي شارعاً باسمه، هي مصدر تقسيم المنطقة في نهاية الحرب العالمية الثانية. إلا أن الأدلة كلها تجتمع الآن على ان مصدر خطط التقسيم سيكون هذه المرة بغداد وليس بيروت.

   وعودة سريعة الى الماضي القريب في المنطقة. فعام 1976 زارنا المبعوث الأميركي <دين براون> حاملاً معه دعوة مستترة الى التقسيم، عندما عرض على الرئيس سليمان فرنجية المقيم يومئذ كرئيس للبلاد في بلدية الذوق، نقل الموارنة الى القارة الأميركية على ظهر قطع الأسطول السادس، فأشار له الرئيس فرنجية الى باب.. الخروج!

   وفي عهد الرئيس الأميركي السابق <جورج دابليو بوش> جاءت الى المنطقة وزيرة الخارجية <كوندوليسا رايس> ومعها مشروع <الشرق الأوسط الكبير> كحالة تقسيم جديدة ولو بالعرض. ومؤخراً لم يستح نائب رئيس الولايات المتحدة <جو بايدن> وهو يزور بغداد من الاعلان بأن لا حل للعراق إلا بتقسيمه الى ثلاث ولايات: واحدة سنية، وثانية شيعية، وثالثة كردية.

 

   مجموع هذه الحركات والسلوكيات ينبئ بأن المنطقة مقبلة على مشروع تقسيم، كل بلد من داخله، بدءاً من العراق، كما حصل في السودان، بين جمهورية برئاسة عمر البشير، وجمهورية جنوب السودان برئاسة <سيلفا كير>. ومن العراق سيمتد حبل مشروع التقسيم الى سوريا، فتكون هناك دولة سنية ودولة علوية، ودولة كردية. ونحمد الله على أن لبنان أصغر من أن يقسم من الداخل، وأن أهله لا يطالبون بولايات.

   ولا تشطبوا من المخطط المعد للعراق وسوريا دولة الخلافة السنية التي أعلنها زعيم <داعش> أبو بكر البغدادي، وكأنه يستقرئ المستقبل، ويبادر الى اعلان الدولة السنية قبل أن يجري اعلانها رسمياً، وبغطاء دولي. وهنا لا يمكن عزل <داعش> عن المخطط الأميركي، وكأن في حركة هذا التنظيم بصمات أميركية، ولأن التقسيم يبدأ من بث الرعب في نفوس الآهلين، ويكون القبول به أهون الشرين، فإن حركة <داعش> عمدت الى الإعدام الجماعي، فزرعت الرعب في نفوس العراقيين، تماماً كما تسببت مجازر الصهاينة عام 1947، في تفكيك أوصال فلسطين، ونشوء دولة اسرائيل.

   وما يجري في سوريا حالة استباقية للتقسيم الذي تحدث عنه <جو بايدن> وترك الضمير المستتر في الجغرافيا السورية، وربما في الجغرافيا الأردنية، بحيث يكون الأردن، لا سمح الله، الوطن البديل للفلسطينيين.

بين ميقاتي وباسيل!

   والتقسيم حالة يحرض عليها الأجنبي، بحكم مصالحه الاستراتيجية، ومنها المصالح البترولية، ويتورط فيها الأهالي، إلا إذا أدركوا اللعبة، وحولوا منابع الخلافات الى منابع وفاق وعيش مشترك. ولعل اللبنانيين الذين حفظوا الدرس من حرب الخمسة عشر عاماً، هم الأكثر وعياً حيال مخطط التقسيم، وهم قادرون، إذا أرادوا، أن يطردوا شبح التقسيم خارج بلدهم، ويلتحفوا عباءة العيش الوطني، مهما كان الدواء مراً، لأن الدواء المر في النهاية هو الدواء الشافي. وهذا ما يفعله الرئيس المصري المشير عبد الفتاح السيسي، وهو يرفع أسعار الوقود، لتغطية العجز المادي للدولة البالغ عشرات مليارات الدولارات. إنه يعترف بأن الدواء مر، ولكنه مع الأيام سيكون الدواء الشافي، وسيكتشف المصريون أن تلك التدابير التي عجز عنها الرئيسان أنور السادات وحسني مبارك، هي لخيرهم في النهاية، لأن تفكيك العجز في الموازنة سيفتح الطريق لفرص العمل، وسيسترد قوافل السياح التي غابت عن المشهد السياحي في مصر.

   على كل حال خلونا في لبنان.

   والعماد ميشال عون، برغم ما له من حق في الوصول الى قصر بعبدا، من حيث زعامته لأكبر كتلة مسيحية برلمانية، لم يكن في حالة نأي بالنفس عن اتفاق الطائف الذي حاربه عام 1989، و

Maliki-biden

أدخل في هذه المحاربة صرح بكركي لأن الكاردينال صفير أعلن تأييده لاتفاق الطائف، وتعرض للاهانة على أيدي تابعين للعماد عون، واضطر للانتقال الى الديمان..   إن سياسة النأي بالنفس التي انتهجها رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، ولقيت تأييد الرئيس الأميركي <باراك أوباما> والرئيس الروسي <فلاديمير بوتين>، والرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> والأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون>، استطاعت أن تحمي لبنان من رياح المنطقة، ولم تلق به في أتون التأثيرات الخارجية، برغم هذه الحملة التي شنها وزير الخارجية جبران باسيل على سياسة النأي بالنفس، والرئيس نجيب ميقاتي، وكأنه أراد بذلك أن يجعل من لبنان مرتعاً للمعارك السورية. وما استطاع رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان أن يختم عهده بالرضاء الجماهيري، عكس باقي الرؤساء في أواخر عهودهم، إلا لأنه انتهج مع نجيب ميقاتي سياسة النأي بالنفس.

اللاعب الرئاسي <هولاند>

   لقد أراد العماد عون من مشروعه بتعديل الدستور لصالح نظام رئاسي ومجيء رئيس الجمهورية من خلال انتخاب شعبي، أن يحدث هزة ايجابية في الجسم السياسي، إلا ان هذه الهزة جاءت سلبية، من حيث ردة الفعل المعاكسة لمشروعه الدستوري ولقيت اعتراضاً حتى من بعض أهل البيت الذين عتبوا على رئيس تكتل الاصلاح والتغيير لأنه لم يطلعهم على هذا الاصلاح وهذا التغيير في موقفه الدستوري.

   وهكذا طال أمد الفراغ الرئاسي بدل أن يصل الى نهاية الشوط. وكان الزعيم وليد جنبلاط قد نقل عن الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> رغبته في العودة الى البحث عن رئيس للبنان، والسلطة الفرنسية التي ولد لبنان الكبير على يديها داخل قصر الصنوبر في صيف 1920، ترى أنها المرشحة الأولى لحماية لبنان من هذا الفراغ الرئاسي الذي إذا تواصل واستمر سوف يقود البلاد الى مكاره لا يحسد عليها. ولكن ماذا يستطيع الرئيس <هولاند> أن يفعل، عبر مبعوثين له الى لبنان، وعبر سفيره في لبنان <باتريس باولي>؟!

   نعم يستطيع، إذا فتح حواراً ايجابياً مع حزب الله، وانعكس هذا الحوار الايجابي على محادثات الملف النووي في فينا بين وزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف>، ووزراء خارجية الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وحصلت إيران على أكثر ما تريده من هذه المفاوضات، ولم يتعطل تخصيبها النووي لصالح الأغراض السلمية. وعندما يفتح <هولاند> حواراً مع حزب الله، انما يفتح بذلك الباب لقوة التأثير على العماد ميشال عون، حليف حزب الله، وإذا رأى حزب الله من الصالح العام أن يوقف العماد عون مقاطعته لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، فسوف ينفتح الباب أمام رئيس جمهورية جديد للبنان، ولكن بأي ثمن؟! هذا متروك أمره للمفاوضات بين فرنسا وحزب الله.

معركة الفواتير!

joumblatt-hollande

 

   والمرشح الرئاسي العلني الدكتور سمير جعجع، ليس بعيداً هو الآخر عن الصداقة الفرنسية، إما مباشرة وإما عبر حليفه الرئيس سعد الحريري. وإذا رأت فرنسا ضرورة انسحاب الدكتور جعجع من معركة الرئاسة، فلن يكون الدكتور جعجع حاجزاً مانعاً. ولكن بأي ثمن؟! ذلك متروك أيضاً لما يمكن أن يدور بين المبعوث الفرنسي الآتي، وبين سمير جعجع، وحلفائه في قوى 14 آذار.

   وإذا ضمنت فرنسا وقوف حزب الله والرئيس الحريري والعماد عون والدكتور سمير جعجع الى جانب وساطتها، فإن اللعبة تكون قد انتهت وتفرق اللاعبون..

   اف… لقد نسينا سوريا!

   فسوريا، كما قال زعيم <المردة> سليمان فرنجية في مقابلة مع سعيد غريب، على قناة <أن بي أن>، لاعب لا يمكن شطبه من شطرنج المعركة الرئاسية، وذلك يعني ان فرنسا ستمد خطوطها أيضاً مع الرئيس السوري بشار الأسد، ويمكن للرجل أن يستجيب، ولكن بأي ثمن؟

   إنها إذن معركة المفاوضات والأثمان والفواتير. فلكل موقف سياسي سعره في البورصة الاقليمية والدولية. والمسعى الفرنسي حبل من مسد، قد لا يصل الى نهاية قبل تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل الموعد الدستوري للانتخابات البرلمانية..

   المهم أن يحاول الرئيس الفرنسي، وبعد ذلك لا بد لأوراق الكوتشينة أن تتدحرج وتصل في النهاية الى رئيس على مقاس ما يشتهي أكثر اللبنانيين!