13 November,2018

هـــــل يـسـتـطـيـــــع اللـبـنـانـيـــــون الـوصـــــول الـــى رئــــيـس بــــدون كـلـمــــــة ســــر خـارجـيــــــة؟

بقلم وليد عوض

hariri-putin----1

الرأي العام الذي يقول للحاكم <لا> هو قوة التغيير في أي بلد. وقد قال الرأي العام كلمته عام 1789 باسم أحرار فرنسا وأشعل ثورة سجن <الباستيل> فصارت رمزاً في الرابع عشر من تموز (يوليو) كل عام، وإذا بالمقصلة لا تحصد رأسي الملك <لويس السادس عشر> وزوجته <ماري انطوانيت>، بل أنزل المقصلة كذلك فوق اثنين من الثوار هما <ميرابو> و<روبسيبار>، وإذا طابخ السم آكله.

كذلك قال الرأي العام الكوبي عام 1957 كلمته ضد الحاكم الديكتاتور <باتيستا> وأنزله عن سدة الرئاسة ليضع مكانه أبا الثورة <فيديل كاسترو>. وفي مصر كان الجيش، وخاصة الضباط الأحرار، لسان حال الشعب المصري حين قام بالانقلاب السلمي ضد نظام الملك فاروق يوم 23 تموز (يوليو) 1952، وأرسل مليك الأمس الى المنفى على يخت <المحروسة>.

وقد يكون الرأي العام المصري أكثر شرائح الرأي العام في العالم حفاظاً على الثورة وإرادة الرأي العام، وما تظاهرات ميدان التحرير في القاهرة إلا تثبيتاً لهذه الثورة، وان جعل الرئيس حسني مبارك يدفع الثمن ويدخل السجن حيث لا يزال حتى الآن.

وفي لبنان كان الرأي العام غالباً ومغلوباً. حقق الغلبة بإسقاط مشروع <أيزنهاور> بدءاً من تظاهرة طلاب الجامعة الأميركية عام 1954، وعلى رأسها حسان أبو اسماعيل، ومصطفى نصر الله الذي قضى نحبه بعدما أصيب بإعاقة جسدية نتيجة لإصابته في ظهره برصاص رجال الدرك، وعاقبة المغلوب هي سقوط أي بارقة أمل في التغيير.

وفي عام 1958 كانت ظلال الرئيس المصري جمال عبد الناصر في حركة التصدي لمشروع <أيزنهاور>، ولكن الرئيس <دوايت أيزنهاور> هو الذي كفل في صيف ذلك العام رئيساً جديداً للبنان مع الرئيس جمال عبد الناصر هو قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب، كذلك عاش الرأي العام اللبناني حرب لبنان، أو حرب الآخرين على أرض لبنان، منقسماً بين تأييد المقاومة الفلسطينية والتصدي للسلاح الفلسطيني بعدما أصبح جزءاً من المشهد اليومي، وانتهت هذه الحرب بإعلان اتفاق الطائف عام 1989. وكان مجلس النواب برئاسة حسين الحسيني هو الرأي العام بالنيابة!

ولكن أين الرأي العام في أزمة الشغور الرئاسي؟! أين قوة التغيير التي يفترض أن يمتلكها في تغيير المشهد السياسي؟! أين سلطة الشارع لإجبار النواب على التوجه الى البرلمان لانتخاب رئيس للبلاد بدلاً من انتظار القرار الرئاسي الآتي من الخارج؟!

 

<هولاند> وقرار اللبنانيين!

جنبلاط-الراعي-1-----3

وكلهم يلقون المسؤولية على الرأي العام اللبناني. الرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> قالها صراحة إن القرار أولاً وآخراً هو للبنانيين. ومثله قال أيضاً وزير الخارجية الفرنسي <جان مارك ايرولت>، ووزير الخارجية السعودي الدكتور عادل الجبير أعلن في غير مناسبة ان المملكة تؤيد أي خيار للشعب اللبناني في القرار الرئاسي. ومثله وزير خارجية إيران <محمد جواد ظريف> الذي أعلن التزام إيران بما يختاره الشعب اللبناني. كلهم رموا الكرة الرئاسية في الملعب اللبناني، وكأنهم ينفضون أيديهم من مسؤولية استمرار الشغور الرئاسي. والكلام نفسه سمعه الرئيس سعد الحريري من الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> عندما زار موسكو مؤخراً، أي <اتفقوا فيما بينكم أنتم اللبنانيون>، كما أبلغ أمين عام الأمم المتحدة <بان كي مون> الرئيس تمام سلام ان هيئة الأمم تبارك كل خيار للشعب اللبناني في مسألة الرئاسة.

وهكذا بات على الرأي العام اللبناني، أو المجتمع المدني الذي ملأ ساحتي الشهداء ورياض الصلح في العام الماضي، مطالباً بالتغيير، أن يمارس حضوره السياسي في قضية اختيار سيد جديد لقصر بعبدا، وما هم الشخص نفسه، بل المهم أن يكون هناك رئيس، وهو كلام سمعه الرئيس بري من وزير خارجية فرنسا <جان مارك ايرولت>. وعندما يعلن القادة اللبنانيون أن مفتاح الحل موجود في الخزانة السعودية والخزانة الإيرانية، وقد يكون ذلك واقعياً، فمعنى ذلك ان الرأي العام غائب في لبنان، وأنه عاطل عن العمل، وغير صالح لاختيار الحكام، لأن القرار يأتي عليه من فوق، وكأنه رأي عام بلا أسنان ولا أظافر ولا يعيش المثل القائل: <ما حك جلدك إلا ظفرك فتول أنت شؤون أمرك>.

فما هي مشورة الأمر؟

هناك مرشح رئاسي يجمع حوله الرأي العام المسيحي، وله أكثرية النواب المسيحيين في المجلس النيابي، وهو العماد ميشال عون، وقد زادت فرص وصوله الى قصر بعبدا مع انسحاب الدكتور سمير جعجع من المعركة الرئاسية، واعلان تأييده للجنرال عون، كما ان البطريرك بشارة الراعي صاحب الكلمة الفصل في ترجيح كفة أي مرشح رئاسي على مرشح آخر، قد أفاد في غير مناسبة انه يؤيد للرئاسة واحداً من الأربعة: أمين الجميّل، وميشال عون، وسمير جعجع، وسليمان فرنجية، أي ان اسم ميشال عون صالح للتداول عند كرسي بكركي.

 

<داعش> في المعركة الرئاسية

 

وللارهاب دوره في معركة الرئاسة، بحيث يتطلب لمكافحته رجلاً مثل العماد جان قهوجي، وعقل رجل لا يخطئ التقدير مثل وزير الداخلية نهاد المشنوق، حتى صارت المعادلة كالآتي: هات لي رجلاً قادراً على تطويق الارهاب الآتي من الحدود السورية مع لبنان أقل لك من هو الرئيس الآتي من المستقبل. وكلمة <المستقبل> هنا تعني كذلك الرئيس سعد الحريري زعيم الأكثرية السنية في مجلس النواب، وفي الرأي العام اللبناني، وهو الآن الحاجز الكبير في طريق وصول الجنرال ميشال عون الى قصر بعبدا، أولاً لأنه ملتزم بالوعد الذي قطعه للنائب سليمان فرنجية ليكون هو الرئيس الآتي، وثانياً لأنه غير واثق من أهلية <الجنرال> ليجمع صفوف اللبنانيين إذا وصل الى سدة الرئاسة في قصر بعبدا.

وكان العائق الأول في طريق رئاسة الجنرال انه معروف بعدائه لاتفاق الطائف خريف 1989، وبسبب هذا العداء كان احتكاك بعض رجاله بسيد بكركي السابق البطريرك نصر الله صفير، واجباره على ترك بكركي الى الديمان. ولأن <المسامح فرنجية-عون----2كريم>، كما يشير الزميل جورج قرداحي في برنامجه التلفزيوني، فإن اعلان العماد عون أخيراً عن تأييده لاتفاق الطائف وتصحيح مساره، كافٍ لمحو شائبة سياسية من سجل الرجل.

ويعتمد العماد عون أيضاً على الرقم الصعب في المعادلة أو بيضة القبان، أو رمانة الميزان كما التعبير باللهجة المصرية، وهو الزعيم وليد جنبلاط. فهو حاضن الجبل، ولا صلحة للجبل بدونه. وهذا ما عبر عنه يوم الاثنين الماضي وهو يزور البطريرك مار بشارة بطرس الراعي مع الوزير السابق فريد هيكل الخازن، وقال من الصرح البطريركي ان زيارته لصاحب الغبطة تأتي في ذكرى مصالحة الجبل، ويرى في هذه الصلحة أو المصالحة نموذجاً لصلحة كل الشعب اللبناني، وعندما تتوافر هذه الصلحة يصبح الرئيس المقبل بشعار <صنع في لبنان>، ولذلك فإن جنبلاط يحمل الرأي العام اللبناني مسؤولية بقاء كرسي الرئاسة شاغراً أكثر من سنتين، ويدعوه الى توحيد الصف للوصول بالمرشح الرئاسي المختار الى قصر بعبدا.

أي ان نهر الرئاسة ينبع من الرأي العام، ويصب كذلك في الرأي العام، وهذا ما لم يتفق عليه اللبنانيون حتى الآن، بل هناك قادة سياسيون ينتظرون أن تأتيهم كلمة السر من الخارج، ومصالحهم في هذا الانتظار تتغلب على أي اعتبار. وكما للسعودية كلمتها في المعركة الرئاسية اللبنانية، عبر ما لها من قاعدة وتواصل، كذلك لإيران تأثيرها في هذا الخصوص على المعركة الرئاسية نفسها، والمرشح الذي تأنس إليه الرياض، قد لا تأنس إليه طهران، فيصح في ذلك قول الشاعر: <حجبوها عن الرياح لأني قلت يا ريح بلغيها السلام>!

فالحل إذن ينبغي أن يأتي من رحم الرأي العام اللبناني، بالضغط والتهديد بالنزول الى الشارع، كما يفعل الايطاليون والاسبان والبرتغاليون واليونانيون، وبذلك تسقط فرص المرشح الرئاسي الآتي بالتعيين، لا بكلمة الرأي العام. وهي فرصة ليقول الرأي العام اللبناني انه صاحب الكلمة العليا في اختيار رئيس الجمهورية، والأفضل أن يكون هناك حتى إشعار آخر جمهورية بدون رئيس من أن يكون هناك رئيس بدون.. جمهورية!