14 November,2018

هـــــــذا هــــــو الـمـوجــــــــود!

 

بقلم سعيد غريّب

SAM_5208

مشكلة فرنسا عمرها سبعة وأربعون عاماً، مشكلتها كبيرة، فقط لأن الرئيس الراحل <شارل ديغول> وضع لرئاسة فرنسا مستوى لا يسهل بلوغه، فاستقالته تكاد تكون الوحيدة في التاريخ الحديث التي اتعبت وأراحت.

أتعبت من خلَفه للسبب الآنف الذكر، وأراحت لأنها أخرجت من الرئاسات الكبرى في العالم شخصاً كان يضع لها مستوى أزعج الرؤساء الآخرين…

نعم، رحل <شارل ديغول> تاركاً سياسة فرنسا والعالم للرجال العاديين، وليس التخبط الفكري والتردد في اتخاذ القرارات على المستوى الفرنسي والعالمي سوى تأكيد لما قيل وسوف يقال طويلاً في شخصية فذة عاصرت <روزفلت> و<ستالين> و<تشرشل> و<ماوتسي تونغ> وكانت مُتعبة لهم رغم ثقلهم السياسي والعالمي..

لقد عادت فرنسا في الثالث والعشرين من شهر نيسان/ أبريل 2017 – ومعها العالم – لتبدأ من جديد اليوم الأول من السنة الأولى بلا <ديغول>..

في العام 2017، رست الانتخابات الفرنسية في دورتها الأولى على خيارين بعدما سقط <رجل الدولة> بالضربة القاضية، بل بنقاط الرواتب الوهمية التي جاءته من داخل البيت الحزبي: خيار التطرف الواضح وخيار الاعتدال الغامض… ويبدو أن للخيار الثاني المكانة المضمونة لدخول <الإليزيه> بعد أسبوع من الآن.

الفرنسيون قرروا الإطاحة بالنظام المعمول به منذ حوالى ستة عقود، ومعاقبة اليمين الوسط واليسار الوسط بصعود الاحزاب المتطرفة من اليمين واليسار بحيث شكلت النتيجة التي سجلها مرشح اليسار الراديكالي <جان – لوك ميلنشون> مفاجأة كبيرة بتنافسه على الموقع الثالث مع مرشح الجمهوريين الذي كاد أن يكون رئيساً لفرنسا <فرنسوا فيون>…

أما رجل الاختراق الكبير <ايمانويل ماكرون> فقد حقق بسرعة قياسية ما عجز عنه <فرنسوا بايرو> الذي كان يحلم بطرح نفسه بديلاً للحزبين الرئيسيين…

ولأن الصراع مصيري الى هذا الحد بين المتمسكين بالأمر الواقع القديم، وبين الثائرين عليه، نجد في نتيجة الانتخابات أن فرنسا في غليانها الحالي مضطرة للبحث عن <نظام جديد>، ومن الصعب كثيراً الجزم في تحديد تاريخ الطموح الى مغامرة بالنسبة للتجربة الفرنسية.

وإذا كان معظم الفرنسيين قد تجاوزوا مبدئياً قطوع مشاريع <مارين لوبان> واعتبروا أن في شخص <ماكرون> قوة دفع للمشروع الأوروبي، فإن الشعب الفرنسي بأسره ومعه الشعب الأوروبي بأسره، يغمره شعور القلق وعدم الاطمئنان الى المستقبل… القلق على مصيره من جهل الحكّام وفشل الحكّام وصراع الحكام… من حكام لا يعرفون ماذا يريدون، ولا يعرفون ماذا سيحدث للإنسان الأوروبي، لا يخططون ولا يعرفون من يخطط، ولا يخططون للوقوف في وجه المخططات.

هل أخطأ الفرنسيون أم أصابوا أم غامروا؟ المهم أنهم يحاولون خلق مجتمع جديد بعدما اصبحت الحاجة إليه ملحة. يحاولون منذ استقالة <شارل ديغول> واضطرار خليفته <جورج بومبيدو> الى مصارحة الفرنسيين بعد خمسة أشهر على استقالة <المعلم> <بأن الوضع الاقتصادي والمالي في فرنسا ليس على ما يرام، بل وأكثر…>، ويضاف اليوم الوضع الأمني وظاهرة الإرهاب التي تضرب العالم…

إن المجتمع الجديد المطلوب في فرنسا وربما في سائر اوروبا لا يزال يتعثر بسبب عجز الأحزاب والنقابات عن مواجهة تحديات العصر الجديد، الأمر الذي تخطته ألمانيا منذ زمن، منذ عصر <المارك> الالماني، منذ أكثر من خمسين سنة، هذا البلد الذي تستمر أوروبا وأميركا ومعهما العالم في التفرج عليه إما بإعجاب وإما بحسد، وإما بالاثنين معاً.

إن النتيجة التي حققها <ماكرون> في الدورة الانتخابية الأولى الأحد الفائت، ستشكل الى أمد بعيد احدى أهم الاختراقات في تاريخ الجمهورية الخامسة، فهل ينجح بعد اقتحامه قصر <الإليزيه> حيث فشل كل من <جورج بومبيدو> و<فاليري جيسكار ديستان>، و<فرانسوا ميتران>، و<جاك شيراك> و<نيكولا ساركوزي>، و<فرانسوا هولاند> على مدى أكثر من سبعة وأربعين عاماً؟