20 November,2018

هــــــذا اللّبـنــــــــان الـــــــــذي نـريــــــــــــد

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

<دولة الحق والمؤسسات>، عبارة أصبحت شعاراً للحكم في مختلف دول العالم منذ عقود، وقد تبناه رؤساء الدول الكبرى بعدما كان هذا الشعار استعمل كوعد انتخابي لإرادة الأكثرية الصامتة.

وقد راجت قصة <الأكثرية الصامتة> في العالم كله وفي جميع الميادين الى حد إثارة الشك حول صحة التمثيل الانتخابي، نيابياً وحزبياً ونقابياً، وحول دقة تعبير وسائل الإعلام عن رأي <الرأي العام> الذي هو <الأكثرية الصامتة>.

وفي لبنان يحدث حالياً شيء مماثل، ولو جاء متأخراً كثيراً، وهو أن هناك أكثرية صامتة لا تريد شيئاً غير السلام والهدوء والعمل في ظل القانون والنظام ودولة الحق والمؤسسات…

إلا أن مشكلة الأكثرية الصامتة أنها غير <شرعية> بمعنى أنه لا يمكن الاعتراف بها ولا يمكن بالتالي الأخذ برأيها وتنفيذ إرادتها، إلا إذا ظهر هذا الرأي أو ظهرت هذه الإرادة من خلال الاستفتاءات واستطلاعات الرأي، فهل من يرفع شعار هذه <الأكثرية الصامتة>؟

إن قصة لبنان قديمة منذ كان، ولكي يبقى ويستقر وينعم بالسلام، السلام المفقود في الالفية الثالثة على مستوى العالم، يجب أن يؤكد وجوده بغير العصبية القومية، أو القبلية، أو العرقية، أو الطائفية التي صنعت الأوطان في العالم.

ينبغي أن يكون له دور على أرضه وفي محيطه وفي العالم، لا يستطيع أن يضارعه فيه أي بلد آخر، في المنطقة العربية على الأقل.

ما لم يكن لبنان هذه الضرورة، لبنانياً وعربياً وربما دولياً وإنسانياً، لا يستقر، وقد لا يعيش، لأنه لن يقتنع به أحد ولن يؤمن به أحد.

وفي أحسن الحالات، سيكون هناك من يريده، ومن لا يريده، فئة تتمسك به، وفئات ربما ترفضه وتريد له الهلاك.

<لبنان المتميز>، <ميزات لبنان>، <خصائص لبنان الفريدة>، عبارات ترد غالباً على ألسنة الناس وأقلامهم، ولكن نادراً ما نتأمل هذه الميزات أو نسأل عن مضامينها، وربما لهذا السبب نهملها وننساها ونلهو عنها بالتفاهات.

فقد صرنا سطحيين بفضل ما يقدمه السياسيون وتقدمه البرامج التلفزيونية وتنشره وسائل التواصل الاجتماعي.

إن الترويج للخيانات والتسويق لها في البرامج التلفزيونية، وتعميم ثقافة الفساد بحيث أصبح الجميع يسعون إليه، أدخلا لبنان في الخطر الكبير، خطر الوجود الإنساني.

من هنا، المطلوب من المسؤولين الانقياء، بل ما تبقّى منهم، أن يسارعوا أولاً الى تصويب البوصلة الإعلامية ووضع حد للفلتان الأخلاقي بالوسائل الديموقراطية، وثانياً التقليل من الكلام عن الأزمة وأسبابها، ومعالجتها في منتهى الحكمة والرصانة والشجاعة، بعيداً من الأضواء والضوضاء…

وحدها يقظة المواطن اللبناني تلجم الفلتان الذي يمارس على حياته، ولم يعد من المستحيل الوصول الى قواسم مشتركة، الى حد معقول من التفاهم حول اصلاح الإدارة أو مكافحة الغلاء أو تعديل نظام الانتخابات أو ترميم الطرق وتأمين الكهرباء والماء ومعالجة النفايات.

إن الحكم في لبنان يفتقر الى أكثرية سياسية منظمة متجانسة، أعدت نفسها له، حتى إذا أعطي لها، استطاعت أن تؤمن له الاستقرار والفعالية، ولأن هذه الأكثرية لم تكن يوماً موجودة، كان الحكم كما هو عليه، وكانت أحوال لبنان هذه الأحوال.

فلنأتِ الى المسؤولية بهذه <الأكثرية> وهذه الرؤية.

لقد بُح صوت المخضرمين <الأوادم> وهم يقولون بأنه ما من فئة في لبنان تستطيع أن تحكم لوحدها، وان لا حكومة عندنا إلا بالإئتلاف، والعيب ليس في الصيغة الائتلافية بقدر ما هو في طريقة تطبيقها، والسبب أننا لا نريد أن نأتلف ونتفاهم، فيما طبيعة بلادنا تفرض علينا الائتلاف والتفاهم.

إذاً، ينبغي أن نأتلف بإرادتنا وبرضانا العميق قبل تأليف الحكومات.

وما دام التعاون قدراً لنا، فلماذا نرتجله؟ لماذا لا نستعد له ونحدد إطاره ومداه؟

وإذا أردنا أن نختم بنغمة تفاؤل، وهي قائمة منذ البدء، نقول إن اللبنانيين خلقوا صورة لبلدهم، لا تقوم على التنوع فحسب بل ذهبوا الى أبعد من ذلك، فجعلوا تنوعهم تفاعلياً.

وينقل الدكتور روجيه ديب كلاماً للمدير السابق لـ<الأونيسكو> <رينيه ماهيه> في العام 1975 عن لبنان النموذج الحضاري المنبثق مباشرة من طبيعة لبنان المركّبة: <تسامح ديني وايديولوجي ظل سائداً حتى الفترة الأخيرة، نزوع دائم الى التفاهم وتبادل الأفكار. حكمة فطرية تسمح للترتيبات والتسويات أن تولد من رحم المواجهات الحادة، وأخيراً انفتاح على العالم ودعوة الى العالمية في مجتمع شديد التنوع. وإذا كنا مقتنعين جميعاً بأن هذه قيم حضارية مشهود للبنانيين بها، فإنه يغدو من واجبنا عدم التسليم بأن منبع هذه القيم قد ينضب يوماً ما>.

هــــــذا هــــــو اللبنـــــان الــــــذي نريـــــــد لا أكــــــثر ولا أقـــــل.. ودمتـــــم…