13 December,2019

هذا ما يخشاه حزب الله ..وهذا ما تُريده الثورة!

 

بقلم علي الحسيني

يشعر حزب الله اليوم أن كل ما يجري في لبنان من حراك أو ما يُطلق عليه <ثورة> بالإضافة إلى الضغوطات المالية التي يُعاني منها في ظل اشتداد الخناق الأميركي حوله ومعه إيران، وكذلك بالنسبة إلى الوضع اللبناني المأزوم اقتصادياً ومالياً، إنما يستهدفه بشكل أولي وذلك ضمن حملة دولية يُرافقها دعم داخلي الهدف منها خلق شرخ واسع بينه وبين بيئته وبينه وبين المجتمع اللبناني وإظهاره على انه الحاجز الوحيد والأبرز الذي يقف في مواجهة المطالب الشعبية وكل التحركات في الشارع. وفي المقابل، فإن هناك جزءاً من اللبنانيين يشعرون فعلاً بأن <الحزب> يُشكّل العائق الأبرز أمام تحقيق مطالبهم لدرجة أن هؤلاء يعتقدون أن حزب الله مستعد أن يقلب الطاولة على الجميع في سبيل حماية العهد وإبقائه ولو شكلياً أو صورياً.

الثورة الحقيقية ونظرة حزب الله لها!

 

من البديهي القول إن ثمة حالة جفاء واقعة اليوم بين حزب الله المكوّن اللبناني وبين فئة كبيرة من الشعب لأسباب تتعلق بوجهة نظر كل طرف للحراك الذي دخل اسبوعه الثاني بعد الشهر، وعلى الرغم من إعلان الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله وعدد كبير من مسؤولي حزبه أنهم يؤيدون مطالب الناس وأنهم إلى جانب هذا الشعب، إلا أن فئات كبيرة من هذا الشعب لم تشعر بعد بجدية هذا التأييد ولا حتى لمسه لأسباب تتعلق ربما بنوعية العلاقة التي تربط <الحزب> برئيس الجمهورية ميشال عون وأيضاً بوزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل وتياره، وهو الامر الذي جعل من حزب الله طرفاً رئيسياً في الصراع إلى جانب مُعسكر العهد في مواجهة التظاهرات والمطالب الشعبية، سواء تقصّد <الحزب> ذلك أو لم يتقصّد. من هنا تأتي نظرة <الحزب> للتحركات التي تحصل في مناطقه وتحديداً في صور والنبطية، على أنها مُفتعلة وأن ثمة جهات تقف وراءها هدفها محاصرته داخل بيئته أو خلق مجموعات مُناهضة ومواجهة له، على الأقل فكريّاً.

إنطلاقاً من نظرة حزب الله لما يحصل في الميدان، فهناك من يعتبر أن خشيته في محلها وان نظرته للواقع اللبناني برمته، هي نظرة ثاقبة وذلك إنطلاقاً من خبرته الواسعة التي كسبها من خلال تعاطيه مع الوقائع الميدانية منذ انطلاقته وهو الذي جعل من الشارع الطريق الأقصر والأبرز للوصول إلى ما هو عليه اليوم. كما أنه لم يكن يوفّر فرصة أو مناسبة إلا وكان يستغلها في الشارع، إما لإظهار حجم قوته العسكرية أو لأظهار الدعم البشري الذي يُحيط به. وهؤلاء يعتبرون أنه نجح في الإثنين معاً فهو الحزب الأكثر من بين الأحزاب اللبنانية قدرة على الحشد، وطبعاً أكثرهم تسلحاً وهذا باعتراف أغلبية اللبنانيين إن لم يكن جميعهم. لكن من وجهة نظر أخرى، فإن حزب الله هو السبب الرئيسي والأساس لتعطيل الحياة السياسية ولغة الحوار في لبنان، وهذه الفئة تستغرب اليوم كيف يُمكن لحزب لبناني يدعي أنه لبناني، أن يُشكّك بحراك ناهزت حركته المليوني شخص على كافة الأراضي اللبنانية وراح يتهمه بأنه آداة لجهات خارجية هدفها تطويقه ومحاصرته وربما الإنقلاب عليه في وقت لاحق أو عندما تستدعي القدرة.

هل دخل الأميركي على خط الأحداث؟

 

علق موقع <دايلي بيست> الأميركي على الأحداث الجارية في لبنان في تحقيق بعنوان: <احتجاجات لبنان تقسم حزب الله> قائلاً إن مقاتلين من حزب الله يرفضون إطلاق النار على مواطنين لبنانيين. ونقل عن مقاتل سابق في حزب الله أطلق عليه اسم أبو حسين، قاتل ضد إسرائيل وقتل العديد من المقاتلين في سوريا، أن الصعوبة المتزايدة لحياة الطبقة العاملة في لبنان والتمرد الشعبي ضد قادة البلاد أجبرته على إعادة تقييم خدمته المستمرة منذ عقود لحزب الله. ويقول إن حديث أبي حسين تغير على مدى السنوات الأربع الماضية وحديثه الآخير من داخل الضاحية الجنوبية لا يشبه أي حديث سبق أن نطق به. يشعر المقاتل بالإحباط من رد حزب الله على الاستياء الواسع النطاق في الشوارع من جانب الجماهير التي سئمت من الفساد والتقشف وارتفاع تكلفة المعيشة.

من جهة أخرى، ينقل الموقع عن مقاتل آخر أسماه أبو عبد الله بأن خلايا حزب الله على طول البلاد <مستنفرة>، وتبحث عن أي نشاط أميركي أو إسرائيلي لخلق حالة فوضى عبر التظاهرات. ويقول: <الإسرائيليون والأميركيون يعتقدون أن بإمكانهم الدخول عبر هذه التظاهرات، وطبعاً بدورنا لن نسمح لهم مهما كلف الأمر. ولكن في جميع الأحوال وبغض النظر عن موقف <الحزب> أو المواقف الأخرى، من الطبيعي التأكيد أن الحراك الشعبي الذي انفجر في لبنان في 17 تشرين الأول الماضي كان نتيجة ظلم اجتماعي وفساد عارمين نخرا السلطة التي بلغت من السوء وضعاً لا يقدر على وصفه أحد. وكان هذا الانفجار نتيجة حتمية لواقع مُخيف تكوّن منذ عقود ثلاثة وتحديداً منذ العمل باتفاق الطائف.

حطيط: هكذا بدأ الحراك وهكذا انحرف عن موضعه!

 

الخبير الإستراتيجي العميد المتقاعد أمين حطيط يعتبر أنه بعد اليومين الاولين من التظاهرات، بدا شيء من الانحراف يضرب ساحات الحراك تمثل ببعض هتافات ومواقف بعيدة عن الأهداف المعيشية الحياتية الشعبية التي أخرجت الناس للشوارع ، فظهرت اهداف سياسية ونيات خبيثة وطرحت مواقف لا تمت بصلة الى الأهداف الشريفة للحراك ، وبدت واضحة محاولات الاستفزاز والاستدراج الى المواجهات بشكل جلي عبر موجات الشتائم والسباب وقطع الطرقات وانتهاك حقوق المواطنين والمارة ، وهنا باتت واضحة النية الحقيقية من التدخل الأجنبي التي كثيراً ما لوحت بالفوضى وتعمل من اجلها لتحقيق اهداف استراتيجية كبرى لا صلة لها بما خرج الناس من اجله وبتحديد اكثر ظهر واضحاً ان المستثمر الخفي للحراك يريد ان يستعيد مجريات فترة 2004 و2006 التي بدأت بالقرار 1559 وانتهت بحرب 2006 مروراً بقتل رفيق الحريري وتسلم الفريق المناوئ للمقاومة ومحورها السلطة .

وبحسب حطيط فإنه تأكد لأصحاب النظر والفهم الموضوعي، ان هناك استهدافاً للمقاومة وبيئتها عبر فوضى عارمة تسقطها في وحول الداخل ، وهي خطة طالما تحدثنا عنها في السنوات العشر الماضية وكثيراً ما ذكرنا ان شرط إسرائيل للحرب القادمة ضد المقاومة هو فتنة داخلية تغرق المقاومة وتأتي إسرائيل لتلتقط اشلاءها، هذه الحقيقة التي بدأت خيوطها تمسك من قبل بعض من في الحراك جعلت احجام الجموع تتراجع وافرادها يقولون <جئنا لمطالب حياتية ولم نخرج لخيانة المقاومة> ولم توافق الأكثرية الساحقة في الساحات على محاولات التقرب من إسرائيل او التهديد بالفصل السابع، او استصدار قرار أشد وأدهى من القرار 1559 .

ويتابع: وفي غمرة هذه الوقائع والحقائق المنظورة والمستنتجة، وبدل ان ينصرف الحريري وحكومته الى تنفيذ بنود الورقة الإصلاحية التي اعتمدتها الحكومة في الأيام الأولى للحراك، قدم استقالته مدفوعاً اليها من قبل القيادة الخفية للحراك وفي ذهنه سيناريو مبسط يعقب الاستقالة يقوم على الظن بأن رئيس الجمهورية سيجري ضمن 24 ساعة استشارات نيابية ملزمة تعيد الحريري الى رئاسة الحكومة التي سيشكلها وفقاً لشروطه ــ شروط القوة الخفية ــ وفيها اخراج حزب الله وجبران باسيل منها استكمالاً لسياسة حصار الحزب ومعاقبة باسيل على مواقفه من سورية ومن اللاجئين . أي باختصار احداث انقلاب ضد الأكثرية النيابية القائمة وجعل ممثل الأقلية يبتز ويتحكم بقرارها.

ويختم حطيط: في المحصلة استطاعت المقاومة وفريقها وبيئتها ان تحتوي ما استهدفها دون ان تتنكر للمطالب المحقة للمتظاهرين، ويبقى على المقاومة تفعيل حضورها لتقيم فرزاً واضحاً بين الحرب التي تشن ضد المقاومة والتي تتستر بالحراك حيث يجب كشفها وفضح من ينفذها لإجهاضها وعلى عادتها الذهاب بالمواجهة وبشتى الوسائل الى الحدود القصوى وبين حركة احتجاج تنادي بمطالب حياتية ومالية مشروعة. وهنا يجب على المقاومة ان لا ترضخ للابتزاز وتفرط بالأكثرية التي تملكها في مجلس النواب وتخرج من الحكومة. بل عليها حفظ موقعها في السلطة وفي الشارع مع حلفائها لقيادة الحرب على الفساد وإعطاء كل ذي حق حقه.

 

<فيلتمان>

 

وعلى الخط الذي يخشاه حزب الله، دخل المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية وسفير الولايات المتحدة السابق في لبنان <جيفري فيلتمان>، ليقول إن الأهم أنّنا نقوم بتقويض حجة حزب الله التي تقول إنّه وحده قادر على حماية لبنان، فصواريخ حزب الله لا تدافع عن لبنان بل تضعه في خطر الحرب، والروس يريدون أن يكونوا هناك وسيذهبون لملء الفراغ في حال لم نكن هناك. ولفت إلى أنّ روسيا ترى في لبنان مساحة لمواصلة توسعها العدائي لدورها الإقليمي وفي البحر الأبيض المتوسط. ورأى أنه لا يمكن لحزب الله بعد الآن أن يزعم أنه بريء ونظيف، وسيكون على اللبنانيين اختيار المسار الذي يقود إما إلى الفقر الدائم وإمّا إلى الإزدهار المحتمل.

مصادر إعلامية متابعة للمواقف الأميركية، تؤكد ما سبق وقيل عن أن الأميركيين اوعزوا الى جهات نافذة في الحراك يتواصلون معها للبدء بالمطالبة بالإنتخابات النيابية المبكرة تحت عنوان تغيير الطبقة السياسية الفاسدة، بإعتبار ان الانتخابات المبكرة في الجو المشحون شعبياً، ستؤدّي الى حصول نتائج مغايرة عما كان منذ عام ونصف العام، وتحديداً في صناديق إقتراع المسيحيين، وتوقع خسارة حلفاء حزب الله منهم، وهو ما اشار اليه <فيلتمان> بقوله تجريد حزب الله من شركائه في البرلمان.

المُلاحظ اليوم، انه رغم إجماع الشارع اللبناني على المطالب المعيشيّة التي انطلق منها الحراك اللبناني الشعبي، إلا أن المشهد السياسي العام اليوم منقسم ما بين خطابين: خطاب توجّس السيد حسن نصرالله من الحراك الشعبي اللبناني، في مقابل خطاب اندفاع الكثير من المواطنين نحوه باعتباره انتفاضة لبنانية. انطلاقاً من هذا الاختلاف، لا بد من صيغة واضحة يُقدمها الطرفان لتبيان حقيقة النيات على الرغم من حتمية وأحقية نيات جزء كبير من الشعب اللبناني الذي ما عاد يستطيع العيش في ظل سلطة موبوءة فاسدة، وقد تمثل هذا الوباء والفساد مؤخراً، بموت أطفال على أبواب المستشفيات بسبب حالات الفقر.