18 September,2019

هدف المطالبة بإلغاء المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري عـصــر نـفـقــــات... أم استـبـــاق الـتواصـــل المبـاشـــر؟

 

في الوقت الذي تواصل فيه الدولة اللبنانية مع الحكومة السورية تارة من أجل تنظيم عودة النازحين السوريين الى الأراضي السورية عبر المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، وتارة أخرى للبحث في تسهيلات تقدم للمزارعين والصناعيين اللبنانيين لتصريف انتاجهم الزراعي والصناعي عبر المعابر السورية ولاسيما معبر نصيب، وفيما أخذ عدد من الوزراء في الحكومة الحريرية المنتمين الى جهات قريبة من سوريا أو متحالفة معها ينظمون زيارات رسمية الى دمشق… ارتفعت أصوات وزراء <القوات اللبنانية> والحزب التقدمي الاشتراكي في الحكومة تطالب بإلغاء المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري المنشأ بموجب معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين الدولتين اللبنانية والسورية، بحجة عصر النفقات وخفض العجز في مشروع موازنة 2018، قابلتها أصوات وزارية معترضة، الأمر الذي أعاد الى الواجهة بنداً خلافياً لا يزال يتفاعل منذ انسحاب القوات السورية من لبنان في نيسان (ابريل) من العام 2005، من دون أن يجد أي حل معقول على رغم مرور الزمن، وإقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين في العام 2008، وذلك للمرة الأولى في تاريخ العلاقة بين بيروت ودمشق.

أصحاب اقتراح إلغاء المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري برروا طلبهم بضرورة توفير <مئات ملايين الدولارات> على الخزينة اللبنانية التي تشكو من عجز، فيما اعتبر المعترضون ان وراء هذا الطلب خلفيات سياسية هدفها استباق أي محاولة لإعادة ترتيب العلاقة اللبنانية ــ السورية انطلاقاً من ضرورة تنظيم عودة النازحين السوريين، في وقت ألمح فيه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى امكانية التواصل مباشرة بين لبنان وسوريا لأجل تحقيق هذه الغاية، إذا ما استمر المجتمع الدولي يرفض التجاوب مع الدعوات اللبنانية لتسهيل هذه العودة لا بل العمل على عرقلة أي مبادرة في هذا الاتجاه ولاسيما المبادرة الروسية التي لا تزال مجمدة على رغم مرور أكثر من سنة على اعلانها بعد قمة <هلسنكي> بين الرئيسين الأميركي والروسي <دونالد ترامب> و<فلاديمير بوتين>. فضلاً عن حلحلة عشرات القضايا العالقة التي تترك تداعيات على الساحة الداخلية اللبنانية.

التباين يهدد التسوية!

صحيح ان الرئيس الحريري حمّل طلب إلغاء المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري في مجلس الوزراء أبعاداً سياسية، لكن الصحيح أيضاً ان هذا الملف، كما تقول مصادر متابعة، مرشح لأن يصبح بعد إقرار الموازنة، مادة جديدة ــ قديمة لإبراز التباين في وجهات النظر بين مكونات الحكومة اللبنانية، ما يهدد التسوية السياسية التي اعتمدت وسهّلت ولادة الحكومة الحريرية الثانية في عهد الرئيس عون. وفي اعتقاد المصادر نفسها ان ثمة جهات غير لبنانية تقف وراء هذا الطرح بقصد إعادة إحياء الخلاف بين اللبنانيين حول مستقبل العلاقات اللبنانية ــ السورية، ولمنع أي محاولة لتغيير الموقف اللبناني الرسمي والمحدد في البيان الوزاري والمعروف بتسمية <النأي بالنفس>. وإذا كان وزراء حركة <أمل> وحزب الله في الحكومة واجهوا الطلب <القواتي> والاشتراكي بالدعوة الى عدم طرحه و<افتعال> خلافات سياسية، فإن الواضح من إثارة هذا الموضوع، ولو تحت ذريعة التوفير وخفض العجز، إحداث اضطراب داخل مجلس الوزراء الذي لن يكون قادراً على حسم هذا الملف للاعتبارات المعروفة، في حين يسبب طرحه خلافات يمكن أن تؤثر على الأداء الحكومي ككل، علماً ان هذا الأداء متعثر أصلاً، ومداولات الوزراء خلال درس الموازنة أبلغ دليل على ذلك.

وقد أدت إثارة هذا الموضوع في مجلس الوزراء الى سلسلة تساؤلات في الأوساط السياسية، فيما نظرت بعبدا بحذر الى هذا العامل المستجد لاسيما وانه تلازم مع إعلان الرئيس عون ان ملف النازحين ستكون له الأولوية بعد إنجاز الموازنة وان اقتضى الأمر حصول اتصالات مباشرة بين بعبدا ودمشق لأن مسالة النازحين وتداعياتها باتت أزمة وجودية مع تكاثر عدد النازحين السوريين وتمددهم داخل البلاد وتزايد حوادث القتل والسلب والنهب والجرائم المختلفة والتي أظهرت التحقيقات ان غالبية مسببيها ومنفذيها هم من النازحين السوريين الذين غصت بهم السجون اللبنانية. إضافة الى ان للطرح الجديد ــ القديم، مهمة اضافية هي قطع الطريق أمام إعادة تفعيل الاقتصاد اللبناني من خلال عودة انسياب الانتاج اللبناني الزراعي والصناعي عبر الحدود اللبنانية ــ السورية والتأثير السلبي لمثل هذه التداعيات على الدورة الاقتصادية في الوقت الذي يرزح فيه لبنان تحت عبء مالي واقتصادي غير مسبوق من بين أسبابه تزايد أعداد السوريين على الأراضي اللبنانية.

عصر نفقات أم أبعاد سياسية؟!

وتقول مصادر محايدة ان التذرع بشعار عصر النفقات لا يتوافق والواقع المالي للمجلس الأعلى الذي لا تتجاوز الموازنة المخصصة له 520 ألف دولار لم يصرف منها المجلس العام الماضي سوى 220 ألف دولار، وهو مبلغ لا يقارن بما تدفعه الدولة اللبنانية كبدل إيجار لمبنى منظمة <الاسكوا> (15 مليون دولار سنوياً) أو للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان (49 بالمئة من موازنة المحكمة)، إضافة الى مصاريف كبير أخرى كانت <مخفية> وظهرت خلال درس مشروع الموازنة. وتضيف المصادر ان انتظام العلاقة بين لبنان وسوريا ترك مردوداً ايجابياً على الصعيد الاقتصادي خلال العام 2018 والأشهر الأولى من العام 2019، ومن المرشح أن يزداد هذا المردود خلال الأشهر المقبلة إذا ما فتحت المعابر المقفلة حتى الآن نتيجة الأحداث الأمنية. ولا يمكن للبنان ألا يدفع حصته في موازنة المجلس الأعلى خصوصاً ان سوريا، على رغم الظروف الأمنية والاقتصادية التي تعيشها، واظبت على الوفاء بالتزاماتها حيال المجلس الأعلى وأمانته العامة التي يتولاها الدكتور نصري خوري، علماً ان الدولة السورية أمنت إيجار مقر المجلس الأعلى في دمشق، وأجور العاملين فيه، في مقابل ما يدفعه لبنان من حصته مثل استئجار مكتب عادي للمجلس في بيروت.

 

وتلفت المصادر المحايدة الى ان العودة الى طرح إلغاء المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري، دونها عقبات قانونية خصوصاً ان المجلس انبثق عن معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا التي وقع عليها الرئيسان الراحلان الياس هراوي وحافظ الأسد في العام 1991 بهدف إقامة علاقات <مميزة> بين البلدين، وبالتالي فإن أي قرارات تتعلق بمستقبل هذا المجلس الذي يرأسه الرئيسان اللبناني والسوري، والهيئات المتفرعة عنه، تتطلب، وفق نص المعاهدة، عقد اجتماع مشترك على مستوى قيادة المجلس الأعلى والاتفاق بين الطرفين (وليس من طرف واحد) على أي خطوة مستقبلية على أن تخضع القرارات المتخذة لتصويت مجلس النواب اللبناني ومجلس الشعب السوري. وفي رأي المصادر انه إذا كان الجانب السوري قادر على توحيد موقفه من أي تعديل سواء لإبقاء المجلس الأعلى قائماً أو لإلغائه، فإنه من الصعوبة بمكان تأمين مثل هذا الاجماع من الجانب اللبناني في ظل الانقسامات السياسية الحادة بين مكونات المجتمع السياسي اللبناني. إضافة الى ان صيغة المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري تحظى بحصانات ديبلوماسية تتناغم مع الاتفاقيات الدولية في هذا الشأن، ناهيك عن الاعتراف الدولي بوجودها من خلال الأمم المتحدة.

من هنا، تضيف المصادر المحايدة، فإن الظروف الراهنة في لبنان لا تشجع على طرح هذا الملف الخلافي لتعذر توافر اجماع حوله بسبب المواقف السياسية المتباعدة حياله من جهة، وعدم طرحه كأولوية في الوقت الراهن من جهة ثانية لأن التركيز اقليماً ودولياً هو على الوضع داخل سوريا والسعي الى ايجاد حل سياسي للأزمة التي دخلت عامها الثامن من دون أن تلوح في الأفق أي بارقة أمل بامكانية التوصل الى مثل هذا الحل السياسي. لذلك بدا الطرح بإلغاء المجلس الأعلى اللبناني ــ السوري، وكأنه <لغم> أريد منه فرملة أي اندفاعة لبنانية، رسمية كانت أو سياسية، في اتجاه سوريا قبل أن تتبلور صورة مستقبلها السياسي، لئلا تأتي تسوية الوضع السوري بمثابة دعم لفريق لبناني على آخر، أو <ترضية> تقدمها الأطراف المعترضة على بقاء المجلس الأعلى، لجهات اقليمية أو دولية تربطها بها علاقات خاصة أو تجمعها بها توجهات سياسية واحدة في قراءة مستقبل الدولة السورية والتركيبة الحاكمة فيها. وتتخوف الجهات الرافضة للطرح <القواتي> ــ الاشتراكي من أن تكون وراء هذه الأفكار محاولة لمنع لبنان من أن يكون له دور من خلال شركاته ومؤسساته في عملية إعادة إعمار سوريا عندما تحين ساعة اطلاق عملية النهوض من جديد في الدولة الجارة، وذلك لمصلحة دول أخرى تريد أن يكون لها موطئ قدم فاعلاً في إعادة إعمار ما هدمته الحرب <الكونية> التي دارت رحاها على الأراضي السورية!