20 November,2018

هدر المياه والاستهلاك المائي الكبير للنازحين السوريين يفاقمان المشكلة

رياح شمالية باردة من روسيا عبرت تركيا   وسوريا الى لبنان وأعدمت تساقط الأمطار!

 Mona-Khauli-Portraitيعتبر لبنان أقل بلدان الشرق الأوسط فقراً بالمياه، إذ كان حتى الامس القريب يتجاوز المعدل السنوي لهطول الأمطار فيه 800 مليون متر مكعب، مما كان يساعد على الحفاظ على أكثر من 2000 ينبوع خلال موسم الجفاف الذي يمتد لسبعة أشهر.. إلا أن هذا المعدل بدأ بالتراجع بشكل يطرح علامة استفهام حول مستقبل لبنان المائي.

ومما لا شك فيه ان بلاد الشرق الأوسط هي في الأساس بلاد حارّة وشبه صحراويّة باستثناء لبنان وتركيا، وتشير التقارير إلى تحوّل تدريجي في مناخ هذه المنطقة ليصبح صحراوياً جافاً مع حلول العام 2025. والمتتبع للامور يرى انه، ومنذ العام 1993 بتنا نشهد في لبنان تدنّياً في معدّل المتساقطات المائيّة، وإرتفاع درجات الحرارة وجفافاً، الامر الذي بات يطرح علامات استفهام كثيرة حول إحتياطي الموارد المائيّة الذي يسير نحو الانخفاض. والمؤسف أن لبنان بات يتميّز بسياق هيدرولوجي غير منتظم في الزمان والمكان بحيث أن معدّل المتساقطات التي يشهدها في السنوات الأخيرة، والتي لا تتجاوز 450 ملم أي 60 بالمئة من المعدّل السنوي المطلوب، يسقط خلال فترة زمنيّة قصيرة لا تتعدّى الثلاثة أشهر، تتبعها فترة تسعة أشهر من احتباس الأمطار والجفاف والحرارة العالية. وتؤكّد الإحصائيّات أنّ الجفاف يسبّب شحاً في المياه من حيث الكمّية وتدنّياً كبيراً من حيث النوعيّة، خصوصاً بالنسبة إلى المياه الجوفيّة التي تزداد ملوحتها بسبب الإسراف في استنزاف مخزونها، وقد ازدادت نسبة الملوحة كثيراً في السنوات العشر الأخيرة نتيجة تدنّي معدّل المتساقطات السنويّة والجفاف وعشوائيّة حفر الآبار الأرتوازيّة.

كل المؤشرات تدل على أن لبنان سيدخل أزمة مياه لا مثيل لها في تاريخه، ليس فقط لان نسب المتساقطات تدنت إلى حد الندرة هذه السنة، بل بسبب الفلتان والفوضى والهدر في إدارة هذا القطاع، ثم ان مشكلة النازحين السوريين الذين يكاد يقارب عددهم نصف الشعب اللبناني ستؤدي إلى تزايد الطلب على المياه تزايداً كبيراً جداً، بالإضافة إلى المشاكل التي يفترض أن تنجم عن قلة المياه وزيادة تلوثها وتسببها بالمزيد من الأمراض والأوبئة وضرب الإنتاج والتصنيع الزراعي.

للاطلاع على ازمة شح المياه وتداعياتها على الموسم الزراعي، قابلت <الافكار> الناطقة باسم مرصد نقولا شاهين السيدة منى الخولي، كما قابلت رئيس جمعية المزارعين الاستاذ انطوان الحويك والخبير البيئي المائي الاستاذ جوزيف بو خير وحاورتهم وجاءت بالتحقيق الآتي:

مرصد شاهين يحذر من نقص المياه

بداية اشارت السيدة منى الخولي الى انه وللاسف بلغت نسبة المتساقطات حتى تاريخه 262 ملم مقابل 807 ملم في السنة الماضية، اما المعدل العام لتاريخه فهو 657 ملم، مما يعني اننا وبالرغم من تساقط الامطار في منتصف اذار ما زلنا نعاني من مشكلة شح في المياه، والسبب الرئيسي لعدم تساقط الامطار هو طغيان الرياح الشمالية على الرياح الجنوبية الغربية مما يقضي على امكانية هطول الامطار، وهذا الامر لم نشهد له مثيلاً منذ عام 1970.

وتتابع الخولي:

– ان الرياح الشمالية الباردة مصدرها الاساسي روسيا وهي تهب على لبنان بعد مرورها بتركيا وسوريا وتؤدي للاسف الى انعدام امكانية تساقط الامطار.

وتضيف الخولي:

– اما بالنسبة للثلوج، فلا بد من التأكيد الى ان ربنا برحمته اعطانا في منتصف آذار/ مارس، ومنتصف كانون الاول/ ديسمبر كمية لا بأس بها من الثلوج، ساهمت بالحفاظ على مخزون مياه شرب للآبار، مخزون كفيل بتغذية محطة جعيتا وغيرها. ولكن للاسف في حال استمر الوضع على ما هو عليه، فنحن بحاجة لمياه الري لكي لا يتم القضاء على المواسم الزراعية لا سيما فاكهة الربيع ومواسم الزيتون.

الحويك والجفاف الزراعي

اما رئيس جمعية المزارعين انطوان الحويك، فاشار الى ان البند الاساسي في موضوع الاثر المناخي على القطاع الزراعي هو بنسبة المتساقطات هذه السنة وبمدى اقترابها من المعدل السنوي.

واوضح انه قبل عاصفة منتصف آذار/ مارس، لم يكن مستوى المياه في سد القرعون قد تخطى بعد ربع المستوى الذي يجب ان يكون عليه، اي 40 مليون متر من اصل 180 مليون متر، مما يعني ان الشح كان من المفترض ان يطاول مجالات واسعة، ولكن بالرغم من سقوط الامطار في اذار/ مارس، لا يمكن القول ان الخطر قد زال، فالخطر ما زال موجوداً، ولكن ليس بالمستوى نفسه الذي كان عليه سابقاً، فالينابيع ازدادت قدرة استيعابها للمياه ومستواها اصبح شبه عادي، اما الخزانات الجوفية فهي للاسف ما زال مستواها اقل من العادي، مما يعني انه في حال استمر الوضع على ما هو عليه، لن يتمكن المزارعون من ري اراضيهم، كما ان الآبار والخزانات الجوفية لن تمتلئ ولن تكفي مياه السدود لريّ الاراضي التي ترتوي منها عادة.

وعن لعبة الفرق في الحرارة وتأثيرها على المواسم، يقول الحويك:

– للاسف ان الحرارة العالية من جهة و ما يتبعها من برد من جهة ثانية، كل ذلك له تأثير سلبي على بعض الاصناف التي زهّرت اشجارها باكراً هذه السنة، فالصقيع بعد الحرارة يمكن ان يهدد اكتمال نموّها، لذا يجب تحديد مستقبل كل صنف على حدة نسبة لتطور نموه وامكانية مقاومته للفروقات الحرارية المستمرة.

اما بالسؤال عن الحلول البديلة، فيشير الحويك الى غياب المعنيين في الدرجة الاولى عن هذا المجال، ناهيك عن ان من لا يملك بئراً ارتوازياً لا يمكنه بسرعة قياسية ان يحفر واحدة، وذلك للحاجة الى رخصة للحفر والوقت الذي يمكن ان يصل الى حدود السنة…

اما الحل، ومع غياب الدولة عن مواكبة المزارعين، فيتركه الحويك لله، على اعتبار انه من المفروض تأمين المياه لكل منطقة ولكل مشروع، كما انه من الضروري إنشاء الدولة لخلية ازمة، تعمل بها كل الاجهزة لانقاذ الزراعات المهددة من جهة، وتفادي الوصول اساساً الى هذه المرحلة من الخطر.. من جهة ثانية، فالآبار فرغت من مياهها والينابيع نشفت المياه فيها. اما مشاريع السدود فلم تصل الى ربع حجمها السنوي، وختم الحويك بالقول:

23470_352654138353_6831211_n

– نحن اليوم ندق ناقوس الخطر، فامكانية القطاع ضعيفة وهو اكثر القطاعات معاناة بسبب غياب اي بنى تحتية واي دعم وحيثيات.

بو خير ونقصان المخزون المائي

… وللاطلاع اكثر على مستقبل ازمة المياه وتداعياتها، قابلت <الافكار> الخبير البيئي المائي الاستاذ جوزيف بو خير الذي اشار الى ان عوارض التبدل المناخي بدأت تصيب لبنان منذ 15 سنة، والذي أصبح يفتقر إلى فصوله الأربعة التي تميزه عن غيره من الدول، وتتوقع الدراسات حول التغير المناخي في لبنان أن يحدث تغيير في الأمطار وارتفاع الحرارة بمعدل ٢ إلى ٤ درجات إذا استمر ارتفاع ثاني أوكسيد الكربون. ولعل أهم الانعكاسات لارتفاع درجات الحرارة في لبنان هي على الثلوج وتأثيرها على تغذية الينابيع والأنهار. فعندما ترتفع درجات الحرارة في الربيع والصيف، في وقت الحاجة الى المياه، تذوب الثلوج ويغذي ذوبان الثلوج أكثرية الأنهار بما فيها الليطاني والعاصي، ما يجعل فيضانات الأنهر اكبر، وهي مشكلة لا يستهان بها. من هنا فإنّ المشكلة المائية هي إحدى أهم المشكلات البيئية من حيث حجمها وأسبابها وأبعادها وكيفية مواجهتها، خصوصاً إن كميات استهلاك المياه تزداد يومياً.

عن تداعيات التغيير الكبير في المناخ، يقول بو خير:

ومن المؤكد أن تغير المناخ بات أكثر وضوحاً عبر الأنماط المتنوعة لهطول الأمطار الغزيرة وطول الفترات الجافة، وبنتيجة ذلك خسر لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية حوالى ألف وستمائة مليون متر مكعب، أي ما يعادل 500 مليون متر مكعب في السنة الواحدة، معظمها بسبب التغيرات المناخية، وينعكس ذلك بشكل مباشر على مصادر المياه المختلفة، خصوصاً المياه الجوفية التي اخذ منسوبها العام يتدنى بمعدل ثلاثة أمتار في الخزان الجوفي السنومانيان، و201 متر في الخزان الجوفي التابع للتكوين الجوراسي، مما اثر سلباً من حيث التلوث في المياه الجوفية، وكذلك في ازدياد ظاهرة تداخل المياه المالحة في الخزانات الجوفية الساحلية.– مما لا شك فيه ان هذا التغيّر الكبير في المناخ سوف يؤدي في المستقبل إلى خسارة مخزون مياه الشفة في غضون 50 عاماً، وسيرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص في مياه الشرب من 5 مليارات إلى 8 مليارات شخص.

ــ ايعني ذلك اننا سندخل مرحلة التصحر؟

– في هذا السياق، لا بد من التخوف على مستقبل الطقس والمياه الخطير في لبنان، فالتصحر يجب ان نتحضر له ويجب ان نغير بنهجنا وطريقة تعاطينا مع المياه وتلويثها. فلبنان صار في مرحلة التغيير المناخي والاتجاه اليوم نحو التصحّر اي امطار أقل وجفاف مع سوء توزيع الامطار خلال فصل الشتاء، ما سيؤثر مستقبلاً في أصناف وانماط زراعية معينة و<التأثير لن نلمسه هذا العام انما في السنوات المقبلة اذا ما استمر التصحّر والاحتباس الحراري>.

ــ ما هي المزروعات المهدد وجودها في ظل الازمة؟

– ان المزروعات المهدّدة في وجودها في لبنان اذا ما استمر هذا التغير المناخي تشمل الاصناف البرية والغابات في فصل الصيف في حال الجفاف، مما يعني ازدياد احتمال حدوث الحرائق. كما انّ هناك بعض المزروعات التي تحتاج الى الكثير من المياه مثل الاعلاف والشمندر السكري، وبعض مواسم البطاطا المتأخرة التي تُزرع في الصيف سيتعذّر زرعها في حال تعذّر الري، كما ان التأثير سيطاول ايضاً بعض الزراعات الشتوية التي سيصبح انتاجها ضعيفاً، اذ لا وجود لزراعات بديلة نهائياً.

ويتابع بو خير:

– في اطار آخر، ان انحباس الامطار لا يؤثر فقط على الزراعـــــات بل يطال علف الحيوانات حيث سيلي الانخفاض في كمية الإنتاج في حقول القمـــــح والشـــــعير، انخفــــاض في <قش القمح والشعير>، الذي يتبقى بعد حصاد حقول القمح والشعير، وهما من المواد الغذائية المكملة في تغذية المجترات الحيوانية، عدا التراجع في كميات الشعير المتوقع إنتاجها.. ما سيؤدي الى ارتفاع اسعار علف الحيوانات…

ــ ما هي الحلول الكفيلة بمواجهة التغييرات المناخيّة والجفاف؟

– بالنسبة الى الحلول الكفيلة بمواجهة التغييرات المناخية والجفاف، لا بد من الاشارة الى خطوات عدة يجب ان تقوم بها الحكومة وتشمل:

– إقامة البرك والسدود لتخزين المياه والاستفادة منها وقت الحاجة.

– مراقبة استخدام المياه الجوفيّة ومياه الشفة ومياه الزراعة والصناعة.

– إقامة محطّات لتكرير المياه المبتذلة والتي يمكن استخدامها في ري المزروعات.

جوزيف--بو-خير-1

 

– زيادة المساحات الخضراء، والحد من قطع الأشجار لما لها من دور إيجابي في تخفيض حرارة الجو من خلال امتصاص ثاني أوكسيد الكربون، وتلطيف الجو، وإحداث الأمطار من خلال إطلاق بخار الماء في الجو.

– الحفاظ على التنوّع البيولوجي الذي يؤمّن الحفاظ على التوازن البيئي وبالتالي على نظافة البيئة وسلامة العيش.

– تفعيل دور الشباب والمنظّمات العاملة في مجال البيئة، والقيام بحملات تشجير في جميــــع المناطق اللبنانيــــــّة وحيث تكون الجهات المختصــــّة (وزارتــــا الزراعة والبيئة) المبادرة الأساسية في هذه الحملات


من خلال تأمين نصب الأشجار ومواد الزرع، وتوزيعها بشكل متكافىء على كل المناطق اللبنانيّـــــة مع إعطـــــاء الأولويـــــّة لتلك المعرّضـــــة قبل غيرها لتأثير التصحّر.