14 November,2018

نيكول كرم: رسمت كل فنان في قـلـب لـوحـته الاشـهـر!

بقلم عبير انطون

1a

<بيكاسو>، <فان غوغ>، <موديلياني>، <فريدا>، جبران خليل جبران، الى غيرهم من الاسماء المعروفة من حول العالم جمعتهم الرسامة نيكول كرم في قلب الأشرفية في معرض من عشرين لوحة تكريما لهم تحت عنوان < Tribute to the Masters>. المميز في الرسمات التي هي استعادة لأشهر لوحاتهم العالمية، ان الفنانة اللبنانية ادخلت مبدع كل لوحة عليها. نيكول جورج كرم، ابنة المصور الشهير تعود الى لبنان بعد سنوات من غربة لم تعتد عليها حتى بعد 19 عاماً في الولايات المتحدة الاميركية.

تلف اللوحة..

ولدت فكرة المعرض انطلاقاً من خبر سمعته نيكول كرم عن طريق الصدفة في العام 2006، ومفاده ان اللوحة الزيتية الاجمل للرسام الاسباني <بابلو بيكاسو> بعنوان <le reve> تعرضت للضرر. فهذه اللوحة رسمها <بيكاسو> عام 1932 وتمثل ملهمة الرسام <ماريا تيريز والتر> حين كانت في الثانية والعشرين من عمرها، اي في المرحلة الأولى للقائها بالفنان، وقد اشترى تاجر اللوحات والمستثمر <ستيفن كوهين> اللوحة بسعر قياسي بلغ 155 مليون دولار بعد ان كانت من ممتلكات <ستيف واين> الذي يملك امبراطورية من الكازينوهات في العالم، وذلك بعد ست سنوات على تضرر اللوحة التي تمزقت من جانبها عندما ضربها <واين> بمرفقه عن غير قصد، ويعود السبب لإصابة هذا الأخير بمرض يؤثر في قدرة العين على رؤية الأشياء من اطرافها، وبسبب هذه الاعاقة البصرية اتلف قماشة اللوحة حين كان يريها لاصدقائه، مما تسبب بتلف وشق وصل الى 15 سنتمتراً، وكان ذلك قبل يوم من موافقته على بيعها لـ<كوهين>، وقد كلف ترميم اللوحة 90 ألف دولار اميركي.

لوحة <الحلم Le Reve> التي ذكر <بيكاسو> في أكثر من حديث له انه رسمها ذات يوم من بعد الظهر في تاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 1932 وفي جلسة واحدة لم تصل الى اكثر من ساعتين، تعتبرها الرسامة نيكول كرم الاجمل عالمياً وتقول لـ<الأفكار>:

– لقد حملتها بطاقة التعريف الفنية الخاصة بي وبعملي. مع سماعي لخبر تعرضها للضرر كنت في اميركا التي عشت فيها طوال 19 عاماً وورد في خاطري كيف يمكن استعادتها رسماً، كما راودتني في الوقت عينه فكرة ما سيكون عليه وضع راسمها <بيكاسو> لو علم بما جرى لها، فانبلجت فكرة لوحتي تحت عنوان <le reve qui pleure> اي <الحلم الذي يبكي>، اعدت فيها رسم اللوحة وضمنتها رسم <بيكاسو> غاضباً. وهنا أشير الى ان احدا حينذاك لم يستطع تصوير التمزق الذي تعرضت له اللوحة العالمية، وسرت تكهنات بشأنها، الى ان تناولت الموضوع الصحافية الاميركية المعروفة <باربرا والترز> فتحدثت عما nicole-karam----aaتعرضت له اللوحة في صحيفة معروفة.

وتزيد كرم:

 – قمت بأبحاث مضنية حتى اتمكن من الحصول على صورة لـ<بيكاسو> تصوره وهو غاضب، فكانت واحدة سبق ان التقطتها له المصورة <Dora Maar> الاسم الذي عرفت به <Henriette Theodora Markovitch>، وهي أيضاً شاعرة ورسامة فرنسية، راح <بيكاسو> يواعدها وأصبحت حبيبته وملهمته في وقت كان لا يزال يعيش فيه مع ملهمته الاولى <ماريا – تيريز>. فرحتُ باللوحة عندما أنجزتها لأنها أتت بمنزلة تكريم لـ<الحلم> وراسمه، وعرفت لوحتي نجاحاً وثناءً كبيرين اذ تضمنت نوعاً من الاخراج او <Mise en Scene> فتخطت ما نراه بالعادة في اللوحات. ومن هنا كرّت السبحة مع اسماء الفنانين العالميين المعروفين، ورحت اختار لكل فنان اللوحة الأجمل او الاشهر التي عرف بها من <مونيه> الى <ماتيس> و<فان غوغ> وغيرهم. وقبل ذلك بمدة، كنت قد قدمت تكريماً لوالدي عبر لوحات شكّلت معرضاً عنه وعن تاريخه، وهو المصور المعروف جورج كرم الذي كان من اوائل المصورين اللبنانيين والعرب الذين قصدوا <مهرجان كان السينمائي العالمي> في الجنوب الفرنسي حيث كان يلتقط الصور لأبرز النجوم والمشاهير، وكان للفنانة الكبيرة صباح دور في اعادته الى لبنان. وتقديراً لها ولفنها، كرمت نيكول الشحرورة بلوحة <بورتريه> جميلة ومشرقة.

 

حلم حياتي..

استغرق المعرض ثلاث سنوات لتحضيره كاملاً وكانت اللوحة الاخيرة التي دخلته لوحة كرمت بها كرم الوزير السابق نيقولا صحناوي الذي وقف الى جانبها لقص شريط افتتاح المعرض، وهو الاول الذي تشهده غاليري < La Maison D’art> التي تملكها وتديرها من قبالة حديقة مار نقولا في الأشرفية. تكريم نيكول لوزير الاتصالات السابق جاء بلوحة عن الابطال الخارقين الذين يعج بهم مكتب صحناوي ويلهمونه جداً، وكان قد نصحها بالتجوال في معرضها عبر العالم لأنه يستحق ذلك، او ان يقتنيه بمجموع لوحاته شخص واحد حتى يبقى الفنانون العالميون عبر التاريخ مجتمعين تحت مظلة الفنانة اللبنانية.

وعن افتتاح الغاليري الخاص بها تقول كرم بشغف من انجز حلم حياته:

 – أتيت خصيصاً من اميركا لأحقق هذا الحلم. لقد عشت في الغربة مدة 19 عاماً، الا انني كنت أشعر بما ينقصني دائماً. زوجي أسس شركته الناجحة للبناء منذ ثلاثين سنة وأولادي عاشوا هناك لكنني لم أشعر بالفرح او الرضى الذاتي. قررنا العودة، وكانت السنة الاولى صعبة علينا جميعاً خاصة واننا ابتعدنا عن نمط العيش اللبناني الذي يقوم على <الطحشة> و<الهجوم على كل شيء>. التأقلم من جديد لم يكن سهلاً الا اننا رفعنا شعار ان نكون اقوياء في بلد <ما حدا بياخدلك فيه حقك>. الآن باتت الأمور اقل صعوبة، وقد نقل زوجي جزءاً من عمله الى لبنان على اعتبار ان لقطاع البناء فيه مستقبلاً ايضاً. في اميركا اكتسبت خبرة في <الغاليريهات> التي عملت فيها، وخاصة في مجال تسويق اللوحات وبيعها وتعاونت مع كبار الاسماء في هذا المجال، إلا ان شغفي الاول يبقى الرسم، والآن ومع افتتاح <الغاليري> الخاص بي اشعر انني حتى ولو رحلت عن هذه الدنيا فإنني تركت فيها بصمة في مكان ما.

2a وبضحكة عالية تزيد كرم:

– انا اعيش لوحاتي وجوّها. هل سبق وشاهدتم فيلم <ليلة في المتحف> حيث تستيقظ المنحوتات واللوحات في الليل للتحدث مع بعضها وتتناقش؟ أشعر وكأن ابطال لوحاتي يتناقشون مع بعضهم البعض، وأتخيل الاحاديث ما بين <بيكاسو> و<موديلياني> الذي كان يغار منه الى ما هنالك…

وعن فنانات شهيرات تناولتهن في معرض تكريمها، تؤكد كرم انها فعلت بناء على حث شديد من قبل الصحافية جومانة حداد التي التقت بها في جلسة دردشة، فسألتها عن الفنانات في لوحاتها وأكدت على ضرورة وجودهن. وعدتها كرم بذلك، وصودف ان حداد كانت تضع حول عنقها سلسال الرسامة المكسيكية <فريدا>، فرسمتها. <انها من اجمل لوحاتي> تقول كرم، و<شعرت اثر انتهائي من رسمها انني اطير عن الارض فرحاً>.

لبنانياً، كرمت كرم الفيلسوف والاديب والرسام جبران خليل جبران في لوحة <الخريف> التي تعتز جداً بإعادة رسمها مع مبدعها، وأخرى قبلا تحت عنوان <لكم لبنانكم ولي لبناني>.

اما سياسياً، وهو جانب تتميز به نيكول عبر تناولها للاحداث الآنية الكبيرة في لوحات ترسمها، وكان آخرها لوحة السراي الحكومي حيث يظهر رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري واقفاً أمامها، وعن يمينه طيف والده الشهيد الرئيس رفيق الحريري وكأنه يباركه.

عن اللوحات السياسية تزيد كرم:

– انها ما يجري حولنا، فالفنان يعبر باللوحة عما يزعجه او يحبه. رسمت المحكمة الدولية مثلاً اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري والعديد من الاشخاص الذين تفتقدهم عائلاتهم ويحق لهم ان يعرفوا من اغتالهم فكانت لوحتي إلقاء للضوء على معاناتهم. في مرحلة الاغتيال كنت لا أزال في اميركا وأرعبتني المشاهد التي رأيتها عبر الاعلام، وبعد ان وطئت ارض لبنان تفجرت فيّ مشاعر لم اعرفها عن بعد، فرسمت بكل احساسي رئيس الحكومة رفيق الحريري في ساحة النجمة يمسك بالساعة التي توقفت عقاربها عند الواحدة الا خمس دقائق، ساعة توقف الزمن وقت حدوث الانفجار امام <السان – جورج>. كذلك رسمت الشهيد الراحل النائب والصحافي جبران تويني في ادائه لقسمه الشهير. اما خارج الحدود اللبنانية، فقد رسمت الرئيسين الاميركي <باراك اوباما> والروسي <فلاديمير بوتين> مع الدب الروسي على رأسه على اعتبار انه يعتبر نفسه كذلك، وذلك على خلفية الاحداث المدمرة في سوريا.

 

4a  قطع أُذنه ..

وعن القاسم المشترك بين السير الذاتية لمختلف الفنانين التي تعمقت بها كرم قبل الشروع بلوحاتها، فإنها تؤكد:

– وجدت لديهم جميعاً نوعاً من <الاكتئاب> او حالة <ثنائي القطب> التي يتراوح فيها المزاج بسرعة ما بين الفرح والحزن الشديدين ومن دون سبب معلن بما يقارب درجة الجنون. <فان غوغ> كان اكثر من اثر بي من حيث سيرته، اذ انه قطع اذنه لأنه وقع في غرام امرأة لم تبادله هذا الشعور، كما ان اخاه كان ثرياً يتولى بيع لوحاته فيما هو لم يكن غنياً ولم يعرف الشهرة الا بعد مماته حتى انه كان يستدين من اخيه ثمن ادوات ومواد الرسم لاستخدامها، وقد رحل في عمر الثامنة والثلاثين، اي باكراً جداً من دون اي يعرف شهرة او مجداً في حين تحتل لوحته اليوم <ستاري نايت> مثلاً المراتب الاولى عالمياً من حيث ثمنها.

وبعد تفكير تزيد نيكول:

 – انا أيضا من بين هؤلاء <المكتئبين> او <ثنائيي القطب> نوعاً ما، ولولا ذلك لما كنت فنانة اذ ان الفنان يشعر بالأمور لعشرين مرة اكثر من الفرد العادي، الا ان ما ينقذني هو انني استطيع التعبير بالكلام في حين أن غيري لا يستطيع الى ذلك سبيلاً. فهناك رسامة شهيرة صديقة لي تعترف الي بأنها تخشى التلفزيون لأنها لا تجيد التعبير في حين انها رائعة في التعبير عن افكارها عبر الرسم.

 

<مونيه> .. والسعر المقبول

3a  

وحول اسعار اللوحات المعروضة، تؤكد كرم ان اسعارها مقبولة جداً وتقول:

– زارني منذ يومين استاذ اكاديمي وناقد فني معروف استغرب السعر الذي ابيع فيه لوحاتي، لأنه يعرف مدى العمل والدقة اللذين تتطلبهما. فلوحة <مونيه> مثلاً لا تفوق الألفين وسبعمئة دولار وهذا مبلغ نادر للوحة بحجمها اذ تبلغ 100 بـ80 سنتمتراً، وقد تطلبت مني جهداً والكثير من العناية الدقيقة اذ انني رسمته في الشباك الذي رسم منه لوحته الاشهر < Soleil Levant> والتي انطلق منها تيار الرسم الانطباعي.

وحول الإقبال على المعرض تؤكد نيكول:

– انه جيد، كثيرون نصحوني باختيار شهر آخر للافتتاح اذ ان شهر كانون الاول/ ديسمبر مزدحم بالاعياد وتنشغل الناس فيه عن اية أمور بغير التحضير للأعياد الا انني ابيت تغيير الموعد لأكثر من سبب: ففي هذا الشهر الكريم، ميلاد السيد المسيح، والمولد النبوي الشريف، وولادة حكومة العهد الاولى، وولادتي انا، لذلك اردت ان يكون ايضاً شهر ميلاد <بيت الفنون> الذي انطلق في الخامس عشر منه، وهو يتألف من ثلاث صالات ستبقى احداها مفرودة للوحات تكريم الفنانين، والثانية للفن السياسي <POLITICAL ART>، فيما تستخدم لوحات أخرى لمعارض فنانين آخرين، تشجيعاً للمواهب الجديدة بشكل خاص والتي يزخر بها لبنان.