24 July,2019

”نورهان“ من نجمات الزمن الجميل: صمتت أربعين عاماً عن الكلام في الفن وحياتـهــا الخاصــة... وفي النهايــة كان البـوح لحفيدتهـا المخرجـة مــي قاســم!

بقلم عبير انطون

كثيرون من الجيل السابق يتذّكرون <نورهان> المطربة والممثلة اللبنانية التي عرفت شهرة واسعة في الاربعينات الى حين اعتزالها الغناء في الستينات، وكانت شاركت ولعبت بطولة اكثر من فيلم من بينها <الخير والشر> (1946) و<ابنة الشرق> (1947) و<ليلى في العراق> (1951)، وكانت معروفة بصوت شجي فريد جعلها تذكر بين نجمات زمانها وتغني من ألحان محمد محسن، فيلمون وهبي، حليم الرومي، سامي الصيداوي، عبد الرحمن الخطيب، ومحمد عبد الكريم، وغيرهم… <نورهان> امتنعت عن الحياة الفنية فجأة وقررت <السكوت عن الكلام المباح>. صمتت عن المغنى وعن أي كلام عن حياتها الفنية الى ان جاءت حفيدتها المخرجة مي قاسم لتسبر جدران هذا الصمت بعد أربعين عاما على قرارها، فما الذي كشفته من حياة الجدة، من خبايا وخوابي امرأة كانت تحلم منذ الطفولة بالمجد الذي جمعه اسمها الفني ما بين المطربتين المعروفتين نور الهدى وأسمهان؟

مي قاسم مخرجة ومتخصصة بكتابة السيناريو وحائزة شهادة عليا من جامعة <براون> قسم دلالة الفن. أخرجت افلاما وثائقية وقصيرة، وتعمل الآن على فيلم وثائقي عن ثلاث مدن كبرى هي بيروت، باريس ونيويورك والخيط الجامع بينها، المساحات العامة والنضال وعلاقة المخرجة بها، فضلا عن انتهائها من فيلم خيالي <فيكشن> عن امرأة عرفت ظروفاً صعبة، وهي تشارك فيه تمثيلاً ايضاً.

من حلمها الشخصي بأن تسلك طريق الفن وتبرع فيه، اكتشفت مي حفيدة <نورهان> بالصدفة بعيد تخرّجها من الجامعة بان جدتها كانت في صباها فنانة معروفة، لها صوت أصيل وكان لاسمها <نورهان> وقعه في زمنها. عرفت ذلك لما قررت الجدة مجاملتها بعد التخرج حين اتصلت ببعض معارفها القدامى في مجال الفن علهم يساعدون الحفيدة في ايجاد عمل لها في الاخراج السينمائي. حينئذٍ فقط، اكتشفت ماضيها الفني، تقول مي، وإذذاك تدفق سيل الاسئلة حوله. لماذا انطفأ الاسم ولماذا آثرت صاحبته السكوت عن اي كلام فيه مقفلة الباب وراءها على اي سؤال عنه او اي رجوع اليه؟

صندوق الجبنة..

اثنتا وسبعون دقيقة في فيلم <نورهان، حلم طفلة> كانت كفيلة بالاجابة من خلال فيلم وثائقي عن هذه الأسئلة التي بقيت طي الكتمان لزمن طويل. عادت مي قاسم الى جوارير الذاكرة والى <صندوق الجبنة> كما تسميه جدتها <نورهان> والذي تحتفظ فيه بالصور والوثائق والفيديوهات التي استعانت بها المخرجة في فيلمها.

منذ عام 1980 كنت احلم بتصوير هذا الفيلم تقول مي. لم يكن سهلا التحدث عن تلك المرحلة، خاصة وان جدتي كانت قد قررت الصمت عن اي كلام في هذا الشأن. غريباً كان قرارها، وتطلّب الامر مني وقتا لاقناعها. بعد محاولات عديدة تمّ الأمر على مراحل وعبر أكثر من طريقة، الى ان وصلنا في النهاية الى كسر الحاجز بينها وبين الكاميرا. في البداية طلبت منها البوح لي لمساعدتي في المجال الفني الذي اخترته بدوري علني استفيد من تجربتها أنا التي اخترت مجال السينما وليس الغناء، علما انه، ولما كنت في الثامنة من عمري كنت اريد ان اصبح مطربة ولم اقرر دخول السينما الا مع بلوغي الواحدة والعشرين. في هذه المرحلة فقط عرفت ان جدتي كانت فنانة، ما استفزني لمعرفة المزيد عنها وعن العالم الذي كنت على وشك دخوله فيما هي تركته. وفي الواقع، كانت جدتي هي نفسها ترغب في ان تكون مخرجة، الا ان الظروف المتاحة حينذاك للمرأة كانت مختلفة تماما، وها انا اليوم كأنني أتابع طريقها الفني. ومن محاولات اقناعي لها كانت اشارتي اليها بضرورة مشاركة تجربتها والحديث عنها، خاصة ان من يعرفون تفاصيل سيرتها الفنية نادرون كمثل والدي الذي توفي، وصديقتها امال العريس المتوفاة ايضا.

 تعاطي الجدة ــ الحفيدة جاء انسانيا اولا. فالروايات اتخذت هنا طابعا آخر. لم يعد بين راوية ومتلقية من جيلين مختلفين، انما بين صديقتين لا بل شقيقتين حتى. <اصبحنا صديقتين> تقول مي، لا بل كشقيقتين. في البداية كانت تروي لي القصص عما كان يحصل معها وكنت احفظها. استمتعت بالامر واعتادت عليه، حتى باتت تسألني هي نفسها، عما اذا كنت ارغب بتصوير ما تقصّه علي. وتسألني: وين الكاميرا؟..

وكالجندي على الجبهة كانت مي دائما بكامل عتادها السينمائي في أوقات بوح الجدة، تستلها لتسجيل لحظات واقعية تحصل في خلال اخبار الجدة اياها اي معلومة عن ماضيها او في رصدها لاية ردة فعل تقوم بها اثناء مشاهدتها لفيلم مثلت فيه او أوقات غنائها امام احد من المشاهير من أبناء جيلها، غناء اختبرت <خيرية> وهو اسمها الأصلي، طعمه الحقيقي بعد لقائها الأول بالـ<فونوغراف> في منزل صديقة والدتها، والذي من خلاله سمعت للمرة الاولى أغنية <اللي حبك يا هناه> لأم كلثوم فكانت الشرارة التي اشعلت روح الفن فيها. راحت تردد الاغنية ومعها يزداد عشق الغناء الذي تؤديه امام صديقات الوالدة مع اغان اخرى حفظتها.

 لمــــــــاذا؟

ست وعشرون ساعة، سجلتها مي مع <نورهان> اختارت منها المخرجة ما يدعم سبب وجود الفيلم الا وهو معرفة ما مرت به جدتها والسبب الذي دفعها الى قرار ترك مجال الفن وامتناعها عنه على رغم شغف الموسيقى والسينما اللذين عشقتهما، وذلك من دون كثير اهتمام لناحية التقنية كالتركيز على الكادر والصورة والاضاءة، وعلى الرغم من ذلك عاد الفيلم بجوائز وتحيات من البلدان التي عرض فيها كتونس ومصر و<ليون> و<مارتينيك>.. فالاساس هنا كان بالنسبة للمخرجة، همسات الجدة الحميمة لذلك كانت القصة قبل كل شيء آخر. قصة فيها تفاصيل صغيرة نقلتها مي بأمانة، بينها مثلا تلك الخبرية من طفولة <خيرية> لما سرقت منها طفلة اخرى لعبة كانت والدتها اشترتها لها. فكان سرد بالتفاصيل لم يمحوه الزمن لشدة ما كانت متعلقة باللعبة التي لم تتمكن من استعادتها، فراحت الى غير رجعة. هنا تستعيد كاميرا مي غضب تلك اللحظات الغابرة وكأنها وليدة الساعة. وكالأمانة الغالية بين يديها تصرفت بالذكريات. لم تضع الحقيقة المطلقة هدفا اول انما ما يخدم هدفها: <لقد اعطتني شرف الحديث عما كانت تمتنع عن فعله لسنوات طوال، اذ لم تكن تريد الحديث عن كل ذلك>.

حميمية العلاقة ما بين مي وجدتها انسحبت على كثيرين ممن شاهدوا الفيلم ما أسعد المخرجة جدا لانه شكل هو ايضا خيطا من خيوطه، ارادت مي نسجها بقوة، لتشكل تلاقيا جميلا ما بين الاجداد والاحفاد. كذلك، هو رسالة لأية امرأة لها علاقة بالفن تركته او استمرت فيه، وهو أيضا تحية من مي لصوت جميل حقا، فـ<لما سمعت بنفسي صوت جدتي وكانت تغني فيه عبر الاذاعة السورية في الشام شعرت بأن صوتها فريد حقا لما فيه من احاسيس عميقة وهو يستحق ان يصل للناس>.

حب وندم وغيرة..

 

الندم لم يعرف طريقه الى <نورهان>، وقد تكون كلمة <مرارة> اكثر تعبيرا. هناءتها تكمن في اشياء بسيطة، بعيدة عن الكاميرا ومتطلباتها من ماكياج واحمر شفاه.. سعادتها كبيرة بقطف الياسمين من على شرفة منزلها في بيت مري.. لا تندم على اي أمر، فشخصيتها القوية، الصلبة، الجدية والرزينة لم تحجب روح النكتة المتقدة لديها، وحبها للحياة كان يجعلها في تأقلم دائم لا بل تصالح مع اي ظرف تمر به من دون ان تتهاون بأي مبدأ تسير وفقه. تخبر في الفيلم عن احد المواقف التي تعرضت لها وجعلتها تترك الفن وزواريبه لافتتاح صالون للنساء عرف شهرة واسعة، وذلك بعدما طلبت منها المسؤولة عن المطعم الذي تغني فيه ان تجلس مع أحد الزبائن.. وتقول في الفيلم: <صاروا يطلبون مني مسايرة فلان والجلوس معه، ومرات كثيرة كنت احيي حفلات مجانية وأنا في المقابل كنت أغني وأمثل لأعيش في ظل غياب اي موارد أخرى>..

ماذا عن الحب في حياة <نورهان>؟ كان هذا <صعبا>، ومحمد سلمان، زوجها الثاني تصفه بـ<الطيب والوسيم وخفيف الدم> وقد بقيت تحبه رغم انها تركته ووقع طلاقهما بعد خمسة اعوام على زواجها منه، وبقي يسكن قلبها حتى من بعد وفاته، وتحتفظ بورقة النعوة والجريدة اللتين ذكرتا خبر وفاته. حالها مع سلمان الذي كان مدمنا على لعب الميسر لم تكن افضل من حالها مع قاسم زوجها الاول لكنها بقيت واياه على صداقة وطيدة. اما حبها الأكبر فكان لابنها الوحيد <زياد> الذي هو والد ميّ، وانجبته من زوجها قاسم الذي تزوجته وكانت في الرابعة عشرة من عمرها، والذي تقول عنه في الفيلم انه <استاذ لغة وأدب لبناني يجيد 11 لغة> لكنه <لا يفهم كثيرا بالنساء والاولاد وكل ما يعرفه هو العلم وقراءة الكتب>. <زياد> كان الثمرة الحلوة التي اعتنت بها <نورهان>، فناضلت في سبيل تأمين حياة رغيدة له، اما قاسم، فقد كان شديد الغيرة عليها، وأحرق مرة فساتينها وصورها، ومرة اخرى جميع كتبه مدعيا امامها انه <نبي> فطلبت الطلاق منه وغادرت المنزل ومعها ابنها <زياد>، الذي لاحقا، وبعد ان أحيت العديد من الحفلات الغنائية في الدول العربية ما بين مصر وتونس ولبنان وسوريا، ارتأت التخلي لأجله عنها كلها والتفرغ للعمل الاذاعي. قرارها اتخذته <نورهان> مبررة اياه بالآتي: <لم ارغب في ان يكبر ابني <زياد> في هذه الأجواء، ويشيرون اليه بالاصبع بانه ابن فنانة تغني على المسارح في الليالي>. ولما كبر <زياد>، تأثر بالعمل الذي انتقلت اليه والدته النجمة وكانت افتتحت صالونا للتزيين النسائي، فقصد فرنسا للتخصص في المجال عينه، الا انه انتقل فيها لدراسة الاقتصاد والعمل كموظف في الأمم المتحدة، الأمر الذي افتخرت به الوالدة جدا وعاشت <معززة مكرمة>، الا ان <زياد> نفسه، وحيدها، كان من أفطر قلبها وسرق ضحكتها وجعلها تفقد كل لذة في العيش، لما توفي وهو بعد في الاربعينات من عمره..

عبد الوهاب و<اللوبياء بالزيت>..

لا تغيب مرحلة القاهرة والانتقال اليها عن وثائقي مي قاسم. فبعد ان اقنعت <خيرية> زوجها باستكمال دراسته في الخارج سافرا سويا الى عروس النيل. هناك انطلقت <نورهان> الى عالم الغناء والتمثيل السينمائي وتعرفت بكوكبة من كبار ذلك الزمن من محمد عبد الوهاب الذي كان يحب طبق <اللوبياء بالزيت> من يديها، الى فريد الأطرش ومحمد عبد الكريم عازف البزق المعروف. و<نورهان> التي بدأت مشوارها السينمائي من خلال الـ<كومبارس> ولعبت بطولة أكثر من فيلم، تعزو سبب عدم نجاح اعمالها السينمائية الى ضعف الاخراج فيها، وعن ذلك تقول: <لم تنجح اعمالي السينمائية لأن من كان يمولها ويديرها كنت أفهم أكثر منه في عملية الاخراج>.

اعادة الجدة الى ماضيها أفرحتها، ومن خلالها <فلشت>  ذكريات كانت مطوية فاستعادت مشاهد وحقبات فيها الحلو وفيها المر، وكان لـ<الانيميشن> الذي ادخلته مي الى الفيلم مُطعمة اياه برسومات بيد <نورهان> نفسها وقع ايجابي عليها اذ كان يفرحها، وبالاجمال كانت راضية عن الفيلم كله.