21 September,2018

نواب يتجهون الى المطالبة بلجنة تحقيق برلمانية تحدد مسؤولية مخالفة الدستور في اصداره!

 

يبدو ان الذين يراهنون عادة على ان عامل الوقت كفيل بأن ينسى اللبنانيون فضيحة ما مع بروز فضيحة أخرى توازي بحجمها سابقتها، كانوا على حق في ما خص مصير مرسوم تجنيس أكثر من 400 عربي وأجنبي صاروا <لبنانيين> منذ 12 أيار (مايو) الماضي، وصار في امكانهم أن يحملوا الهوية اللبنانية وأن يُسجل على اخراجات القيد الخاصة بهم بأنهم لبنانيون بموجب المرسوم الرقم 2942/2018. ذلك انه مع مرور الوقت تلاشت موجة الاعتراضات، وانشغل أصحابها إما بالخلاف الجديد ــ القديم بين <القوات اللبنانية> و<التيار الوطني الحر> الذي أسقط أو يكاد يسقط <تفاهم معراب>، واما بالقرصنة التي استهدفت <داتا> مؤسسات رسمية وادارية وأمنية وشركات ومصارف… ولولا التحرك الذي قام به رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل باتجاه قصر بعبدا متمنياً على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون استعمال صلاحياته في اسقاط أسماء المشتبه بهم من المرسوم وحجب الجنسية عنهم، لكان مرّ أسبوع كامل وقضية المرسوم ــ الفضيحة تسلك طريقها… الى غياهب النسيان!

ومع مباشرة المديرية العامة للأحوال الشخصية منح المستفيدين من المرسوم الأوراق الثبوتية اللازمة التي تدل على <لبنانيتهم>، توقعت مصادر متابعة أن يرد مجلس شورى الدولة الطعنين المقدمين بالمرسوم من <القوات اللبنانية> والحزب التقدمي الاشتراكي لانتفاء عامل <الضرر المباشر> على مقدمي الطعن، ما يجعل مجلس الشورى في حل من أي التزام بقبول الطعنين، ما يعطي للأشخاص الذين وردت أسماؤهم في المرسوم مجالاً اضافياً للاستفادة منه في الحصول على الأوراق الثبوتية اللازمة، مع العلم ان بعض هؤلاء قدم مستندات ناقصة وعليهم استكمالها لـ<الظفر> بالجنسية اللبنانية ومكاسبها…

وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر مطلعة ان إلغاء المرسوم لم يعد وارداً مطلقاً، وكذلك حذف الأسماء الـ85 التي يقول المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم إنها مشبوهة لا تستحق الجنسية، فإن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو عما ستكون عليه التحقيقات التي أجرتها المديرية العامة للأمن العام حول هويات المستفيدين وسجلاتهم الحافلة بالمخالفات والارتكابات، لاسيما وان الأمن العام أمضى أكثر من ثلاثة أسابيع وهو يدقق ويجمع المعلومات من داخل لبنان وخارجه، ويرد على مراجعات كثيرة وردت من أكثر من جهة حول ما ينوي اللواء ابراهيم اتخاذه من اجراءات، خصوصاً بعدما توافرت معلومات عن ان ثمة من <استفاد> مادياً من المرسوم وتقاضى رشى ومبالغ مالية لقاء تمرير اسم من هنا واسم من هناك. ومن بين <المستفيدين> تبرز أسماء موظفين اداريين في مواقع حساسة! وتؤكد المصادر ان اللواء ابراهيم الذي كان يتوقع أن يتم الأخذ بمضمون التقرير الذي رفعه الى كل من الرئيسين عون وسعد الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق، يكتفي بالقول أمام مراجيه حول مصير التقرير: <أنا عملت واجبي… والقرار ليس لي>.

نحو لجنة تحقيق برلمانية

وإذا كانت <البوصلة> ضائعة ولن يفهم اللبنانيون كيف تم تمرير مرسوم التجنيس منذ البداية ولا كيف وقعه رئيس الجمهورية بعد توقيعي رئيس الحكومة ووزير الداخلية، واستطراداً من هي الجهة التي <صنعت> الأسماء واختارتهم وأعدت المرسوم ولماذا… فإن نفاذ المرسوم والقول إن <القصة انتهت>، لن يكونا بالضرورة أمراً محسوماً، مع توافر معلومات حول عزم عدد من النواب المطالبة بلجنة تحقيق برلمانية تتولى وضع اليد على مرسوم التجنيس وتستجوب رئيس الحكومة ووزير الداخلية، سواء تم ذلك قبل تشكيل الحكومة أو بعده، لاسيما وان الحكم استمرار، لجلاء الغموض الذي يكتنف هذا الملف الذي لم تعرف أبوته بعد.

وينطلق هؤلاء النواب مما أعلنه الرئيس حسين الحسيني بأن المرسوم مخالف للدستور وبالتالي فهو باطل لأنه لم يستند الى نص قانوني موجود بل الى نص ملغى ولم يعد له أي مفعول. وفي هذا السياق يقول الرئيس الحسيني ان التجنيس بمعنى منح الجنسية لأجنبي، وهو ما يحاول المرسوم المذكور الاقدام عليه، لا نص عليه معمولاً به في القانون اللبناني، بل ان القانون الأساسي، أي الدستور، نص في مقدمته على منع التوطين، والتوطين انما هو منح الجنسية اللبنانية لأجنبي واحد أو أكثر، أياً تكن الأسباب. وهو منعٌ مطلق. من هنا، يضيف الرئيس السابق لمجلس النواب و<أب الطائف>، فإن البناء على الدستور في حيثيات المرسوم هو استناد خاطئ لأن البناء على الدستور انما يُلزم الامتناع عن منح الجنسية اللبنانية لأي أجنبي أياً تكن الأسباب. أما بالنسبة الى القرار 155 الصادر عن المفوض السامي تاريخ 19 كانون الثاني (يناير) 1925، فلا حكم فيه يوفر صلاحية منح الجنسية اللبنانية لا لرئيس الجمهورية ولا لمجلس الوزراء التي أنيطت به السلطة الاجرائية بعد الطائف. علماً ان الصلاحية التي كانت لصاحب السلطتين التشريعية والاجرائية أي المفوض السامي آنذاك في منح الجنسية بموجب القرار 155 قد ألغيت بقرار من المفوض السامي نفسه بقرار حمل الرقم 122LR تاريخ 19 حزيران (يونيو) سنة 1939. ويعتبر الرئيس الحسيني ان لا سبيل الى اعتبار المادة 3 من القرار 155 قد تم احياؤها لأن القرار بإلغائها، أي قرار المفوض السامي، ما زال ساري المفعول. وليس من شأن إلغاء الإلغاء أن يُحيي النص الملغى في صورته الأصلية ما لم يقترن بالتعبير الصريح عن ذلك الاحياء منعاً لأي شك.

ويعتبر الرئيس الحسيني ان ما يعتري مرسوم التجنيس من العيوب في الإعداد، والبناء والتعليل والنشر والتوقيت، لا ينبغي أن يصرف النظر عن بطلانه كاملاً لانعدام الصلاحية في اصداره قانوناً ولفساد دوافعه وآثاره. ويضيف ان ما ينطبق على هذا المرسوم من عيوب ينطبق على ما سبقه من مراسيم، ولا يجوز بالتالي التذرع بوجود حالات مشابهة في العهود السابقة، لأن الخطأ هو نفسه، وتكراره يحوله الى خطيئة. ويلتقي مع الرئيس الحسيني رجال قانون يرون ان عدم دستورية مرسوم التجنيس حقيقة راسخة وان تم تجاهلها حتى الآن، إلا ان انشاء لجنة تحقيق برلمانية من شأنه أن يعطي الملف بعده القانوني والدستوري ويمكن أن يؤدي الى تصحيح الواقع القائم، لاسيما الشق الشاذ منه.