14 November,2018

نهر النفايات جعل شهرته تتخطى الحدود 

 

بقلم عبير انطون

3---a

ما بين لبنان وسويسرا ممر مائي – بيئي – مناخي ربط بين طرفيه كل من المصور حسن شعبان من لبنان والمصورة <نيكول هرتزوغ – فيري> من سويسرا. تبادلا البلاد، انما الدور واحد: تصوير ما يجذب العين والعدسة تحت عنوان عريض: <التنمية المستدامة>. فما الذي اخذ حسن الى سويسرا طوال ثلاثة أشهر حتى عاد بصور حصرية ربما عجز عنها السويسريون انفسهم لاسباب شرحها حسن؟ ما الذي قاله له السفير السويسري <فرنسوا باراس>؟ وما الذي التقطته عدسة المصورة السويسرية في قرانا وجبالنا اللبنانية؟ لماذا حسن شعبان دون غيره من المصورين الثلاثين الذين تقدموا للمسابقة؟ وهل للنفايات التي أغرقت شوارع لبنان واحياءه واوديته اي علاقة بالموضوع؟

من دار المصور كان لقاء <الافكار> مع شعبان، بدأناه بجولة على الصور التي انتقلت الى الدار بعد ان تم افتتاح المعرض <المائي> في <مسرح المدينة> برعاية رسمية، مع الوقوف على الرسالة منه..

 

حسّ.. وعدسة!

 يعرفنا حسن ببداياته في عالم التصوير بشكل موجز قبل ان يحدثنا عن تجربته السويسرية الفريدة، ويقول:

– بدأت التصوير كهواية منذ الصغر، وفي فترة التظاهرات كنت اهرب من المدرسة لتصويرها ارضاء لفضولي وللحس الصحافي الذي نما في داخلي. دخلت الجامعة ولم اكمل فيها، انما كانت جامعتي الاكبر هي الشارع، الميدان، واحداثه السريعة والمتتالية في بلد مثل لبنان. لم <يزمط> مني انفجار منذ 2012 حتى اليوم، وأبرزها الانفجار الذي اودى بحياة الضابط وسام الحسن في الاشرفية، وعن احدى صور هذا الانفجار نلت الجائزة الثانية عن فئة الصحافة في العام 2013 من <مهرجان الشارقة>.

ونسال حسن بعدما يريح كاميرته الى جانبه:

1--aــ أخبرنا عن تجربة سويسرا وكيف وصلت اليها؟

 – جرى تواصل ما بين <دار المصور> و<مؤسسة التنمية المستدامة في المناطق الجبلية> في سويسرا المنظمة للمشروع والسفارة السويسرية في لبنان، وهو يهدف الى توعية المجتمع الأهلي والسلطات المحلية الى أبرز التحديات التي تواجه المناطق الجبلية ضمن مشروع <سمارت> او برنامج <فن الجبال المستدام>. الهدف الاساسي، تقديم بيئات مختلفة وبرؤى متباينة حول مفهوم الماء ومكانتها من خلال مفاهيم التنمية المستدامة وتأثيرها على المجتمعات المحلية. هذا المشروع ينظم سنوياً ما بين سويسرا واحدى الدول من حول العالم، ولهذه السنة كان الدور للبنان. المناطق التي حُدِدت للتصوير هي مناطق wallis الجبلية في سويسرا.

 تقدم الى الترشيح حوالى الثلاثين مصوراً واختارت <دار المصور> في مرحلة اولى 15 اسماً ومن ثم كانت الكلمة الفصل للجنة من ممثلين عن «دار المصور» – بيروت، <اتحاد المصورين العرب> والسفارة السويسرية في بيروت، <مؤسسة التنمية المستدامة في المناطق الجبلية> – سويسرا، <الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون>، <مسرح كروشيتان، كانتون فاليه> – سويسرا، و<جان- بول فيلي>.

ويشرح حسن قائلاً:

– سافرت الى سويسرا واقمت فيها لثلاثة أشهر ما بين 6 شباط/ فبراير و9 ايار/ مايو الماضيين. في الاسبوع الاول وجدت ان الامطار منحسرة والبرد شديد. كان مستوى السدود المائية والبحيرات متدنياً، ما شكل فرصة لصيانة محطات توليد الكهرباء التي تنتشر في سويسرا للاستفادة من الطاقة المائية فيها بحيث ان حوالى 70 بالمئة من توليد الكهرباء يتم عبر هذه السدود والمياه. فسويسرا خزان اوروبا في المياه، كما كان يقال عن لبنان انه <قصر الشرق> نسبة لمياهه، الا انها، وبكل أسف تهدر في البحر فلا نستفيد منها.

وأضاف:

– تجولت بين أربع محطات لتوليد الطاقة: «لافي»، و«بيودرون»، و«نينداز»، و«سانت ليونارد»، إلى جانب سدَّي «إموسون»، و«غراند ديكسنس». تمكّنت من الوصول إلى المنشآت والدهاليز الاسمنتية التي يظهر أمامها الانسان وكأنه مخلوق صغير. كذلك فإن الجدران الشاهقة كانت تبدو لي للوهلة الأولى انها مجرّد سدود، واندهشت لما وجدتها تحتوي على مئات الكيلومترات من الأنفاق التي يتنقّل فيها عمال المحطة على دراجاتهم الهوائية. لاحقت بعدستي آلية عمل التوربينات الضخمة التي تزن بالاطنان، ورحلة المياه عبر قساطل عملاقة قبل تحوّلها إلى طاقة. هذه المنشآت تقبع على ارتفاعات بين 1500 و2500 متر ولم يكن سهلاً الوصول إلى تلك المواقع، ما اضطرنا الى التحليق أحيانا بمروحية للتصوير. كذلك، فإنه احياناً، وبسبب انقطاع الطرق يجبر العمال على البقاء في المواقع لثمانية أيام متواصلة.

4---aويزيد شعبان قائلاً:

 – التقطت صوراً من داخل هذه المعامل لتوليد الطاقة في عز العمل عليها. هذه الآلات الضخمة يتم تشغيلها فتعمل بدقة كعقارب الساعة، ما جعلني اقارن بين حالنا وحالهم. قلت لهم: لطالما قالوا عن لبنان انه <سويسرا الشرق>، لأكثر من سبب، بينها جمال طبيعته وغناه وتنوعه وانفتاحه والاهم ثروته المائية. لكن الفارق اليوم اننا لم نعد <سويسرا الشرق> انما انتم بقيتم وتقدمتم ببلدكم نحو الافضل. وما المقارنة بين صور المعرض من الجانبين اللبناني والسويسري سوى إبراز للهوة الشاسعة بين ما وصلوا اليه من حداثة فيما تبقى مصادر المياه لدينا خاضعة للجهود الفردية والحلول البسيطة في المناطق المختلفة بحيث يتم التعاطي مع المياه كمورد لاستمرار الحياة اليومية بعيدا عن المشاريع المنتجة والمثمرة على صعيد البلد كله..

ونسأل شعبان:

ــ المعرض الذي افتتحه السفير السويسري كان عزيزاً عليه تحديدا بحسب ما أسرَ اليك، فما السبب؟

– لقد قال لي سعادة السفير <فرانسوا باراس> انه ابن هذه المنطقة، يعرف اماكنها ومحطات توليد الطاقة فيها الا انه لم يتسن له يوماً ان يرى ما رآه في الصور، وهذه يمكن وصفها بالاستثنائية حتى في سويسرا لأن الصيانة تلزمها ظروف مناخية معينة لا تتكرر الا في فترات متباعدة. فهذه السدود الضخمة تبرز نظام تطوير كهرومائي مثيراً للإعجاب ويجعل من إقليم <فالي> أهم خزان طاقة في سويسرا.

ــ لكن، ما العامل الآخر الذي ميز صور شعبان ايضاً؟

– انه البعد الانساني يجيبنا حسن، فأنا لم اصورها بطابع جامد انما اضفى وجود العمال من مختلف الاجيال فيها بعدا انسانيا عليها..

ويستطرد حسن قائلاً:

 – لم يكن صعباً اختيار موضوع المياه لربطها بلبنان فهذه الثروة تعدّ قاسماً مشتركاً بين لبنان وسويسرا. وعما اذا كان الاختيار قد جرى بالتنسيق مع زميلته في المعرض المصورة السويسرية، فيجيب بالنفي، اذ كانت الامور مجرد صدفة، ويبدو ان المياه تجمع دائماً. <من هنا كانت مجموعتي الفوتوغرافية التوثيقية بعنوان <طاقة الماء> فيما كان العنوان العريض لصور زميلتي <الماء للحياة>. لقد التقطَت صورها ما بين الشوف واللقلوق وأفقا والعاقور ونهر وابرهيم وغيرها من السدود والآبار والأنهر والبحيرات، وظهرت فيها بدائية التعامل مع مصادر المياه عندنا>.

ونسأل شعبان:

ــ كيف قيّمت صور الزميلة؟

– لا يمكنني ان اقيّم بل ان اقارن. والمقارنة بارزة من خلال الصور فانظروا الى التقنيات الموجودة لديهم في توليد الطاقة وقارنوها بما عندنا. كلنا يعرف الهدر والفساد في بلدنا، الا اننا لا ندرك حجمه الا اذا رأينا ما في الخارج. لكن من ناحية تقنية التصوير فما من تمييز كبير. وخلال اقامتي في سويسرا اطلعت على بعض التقنيات الحديثة في 2--abمجال التصوير ولا اجد أننا بعيدون جداً عنها.

والنفايات.. والـ<سي ان ان>..

والى موضوع آخر عرف فيه ايضاً حسن شهرة واسعة جراء صورة <نهر النفايات> التي التقطها في عز الازمة عند منطقة الجديدة نعود معه:

ــ اخبرنا تفاصيل الصورة التي ذاعت من خلالها شهرتك الى ما هو ابعد من الحدود اللبنانية بحيث التقطت صورتك الشهيرة نهر النفايات وكيف استخدمتها محطة <سي ان ان> في تقريرها عن لبنان؟

– سمعت عن مكب للنفايات في ذلك الشارع من صديق لي. انتظرت لبضعة ايام قبل ان اتوجه الى الموقع إذ قلت لا بد وانه الى تفاقم. صعدت الى أحد الأبنية المجاورة، وعبر تقنية < wide – angle> (العدسة المفتوحة) التقطتها لصالح وكالة «رويترز» وصحيفة <دايلي ستار>، وانتشرت على مختلف وسائل التواصل بظرف ثوان واستخدمتها الكثير من المحطات التلفزيونية، الا انها ليست تلك التي استخدمت في تقرير الـ<سي ان ان> اذ ارسلت القناة مصورها الخاص بناء على صورتي.

وأردف قائلاً:

 – كان لهذه الصورة فعلها الكبير، وعنها تلقيت ردود افعال سلبية منها اننا <ننشر غسيلنا الوسخ الى الخارج> وبهذا الشكل نضرب السياحة والاقتصاد وصورة لبنان الاخضر، وكان ردي بسيطاً جداً: <اذكروا امراً واحداً ترونه جميلاً وأنا مستعد لتصويره، ثم ان مهنتي تقتضي نقل الوقائع والحقائق، فهل يمكنني ان اتغاضى عنها؟>..

 

آخر الشهر..

 

ما بين متاعب المهنة ومتاعب البلد، تمنى حسن لو انه بقي في سويسرا. اعترف لنا: <قلت بنفسي انشاء الله ما برجع> والاسباب كثيرة، منها التقدير لعمله الذي لقيه في سويسرا بحيث <عاملني الجميع كأنني من اهم الشخصيات لاحترامهم لعمل المصور الصحافي، بينما في لبنان نتعرض يومياً كمصورين للاعتداءات وما من احد يحمينا، وما هو أسوأ اننا احياناً <مناكل قتلة> حتى نلتقط صورة ويأتي في اليوم التالي من اطعمنا <القتلة> يطالبنا بها ليستخدمها هنا او هناك>..

ويختم حسن قائلاً:

 – لا أسعى خلف الشهرة، وبالطبع لن أحزن اذا ما قمت بمعرض فردي ثان لي بعد هذا، الا ان اقصى طموحي اليوم هو حصولي على راتبي في آخر الشهر شأن الكثيرين من المصورين الذي يضعون حياتهم على كفهم في منطقتنا المشتعلة دائما، ويكفيني فخراً انه حتى خارج لبنان، بات اسمي معروفا من خلال صوري، فهذه البصمة الخاصة هي التي يسعى خلفها كل مصور يسعى الى الخبر، بعدسته وحسه..