14 November,2018

نكـافــــح مـــن أجــــل الـبـقـــــاء

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في العام 1939، تلقى الرئيس الأميركي <فرانكلين روزفلت> من العالم الفيزيائي <ألبرت أنشتاين> رسالة ينبئه فيها أن <تفتيت الذرة قادر على إيجاد قنبلة أكثر تخريباً من أية قنبلة معروفة حتى ذلك الوقت>…

وفي جو من الكتمان التام، وافق <روزفلت> على إجراء أبحاث وتجارب علمية في هذا الشأن، وبعد خمس سنوات من العمل العلمي المتواصل الذي اشترك فيه آلاف العلماء في الولايات المتحدة، ولدت القنبلة الذرية…

وما كاد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يطل، حتى تغيرت القوى السياسية العالمية، وقد برزت في العالم الجديد كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، واختفت منه قوتان كبيرتان في أوروبا هما ألمانيا وإيطاليا، وقوة ثالثة في آسيا هي اليابان، وضعفت فيه قوة بريطانيا، وانهارت قوة فرنسا. وكانت بداية السقوط الكبير للفكر البشري.

وفيما تمكن الجنرال <شارل ديغول> من انتشال فرنسا ووضعها في مصاف الدول الخمس الكبرى، تفرّغت كل من ألمانيا واليابان لبناء أكبر قوتين اقتصاديتين بعد إقصائهما عن البناء العسكري…

ومع مرور الزمن، تغلّبت التكنولوجيا على الايديولوجيا وبدأ يسيطر عالم خالٍ من الفكر والرجالات ومملوء بالمليارديرات وساعٍ الى الفساد.

لم يعد القلم حياً، وحده الألم يرتسم على وجوه الناس الأغنياء والفقراء على حدّ سواء، بفعل ظهور عملاق جديد اسمه <الوحش> التكنولوجي…

وبدأت الأسئلة الكبيرة:

أين عظمة الدول؟ أين رجالاتها الذين أرسوا عظمتها وحضارتها؟

<شارل ديغول> غادر هذه الدنيا تاركاً سياسة فرنسا والعالم للرجال العاديين، فالديموقراطية وقلة الوفاء ذهبا به الى بيته.

والديموقراطية أسقطت المنتصر <ونستون تشرشل>، وبتصويت الناخبين أتت بـ<أدولف هتلر>.

الديموقراطية اختارت محمد مرسي و<فرنسوا هولاند> و<جورج دبليو بوش> لولايتين، و<باراك أوباما> واللائحة تطول!

بعد واحد وسبعين عاماً على التجربتين الذريتين الأميركيتين ضد اليابان، ها هو العالم اليوم مجرد من الإنسانية، مخدّر بتوازن الرعب المؤمّن بالنووي… قلق، يتناول الأدوية ليقف على رجليه ويرتفع معدل الأعمار.

أميركا الثلاثمئة مليون نسمة رست فيها الديموقراطية على مخلّصين اثنين: <دونالد ترامب> و<هيلاري كلينتون>.

فرنسا حزينة، مربكة، تغرف من تركة الملوك و<نابليون بونابرت>.

بريطانيا العظمى معرّضة للتفكك مع كثرة المطالبين بالانفصال.

ألمانيا تعيش هاجس النازحين.

روسيا توقف فيها الزمن عند خيارين لا ثالث لهما: <فلاديمير بوتين> أو<ديمتري ميدفيديف>.

مصر أم الدنيا يعضها الجوع.

عراق الرسم والفنون الجميلة والمتنبي مملّع.

سوريا سيف الدولة، نصف شعبها يبحث عن دولة.

فلسطين، الجميع يتجاهلون قضيتها كأنها لم تعد في حسابات أحد.

ولبنان المريض، هو البلد الوحيد الذي يعيش عقوداً كاملة على الماضي ويكرر قياداته بالإرث والمال.

المواطن اللبناني يعيش منذ زمن على بهرجة طقوس حكامه وولائمهم والأفراح الخيالية لأولادهم، في عالم سريع التهاوي والزوال.

فالافول يتسارع على نحو دراماتيكي ولا من مفكرين ولا من يحزنون!

المواطن اللبناني أضاع مضمون الديموقراطية وهدفها وسط شكليات الديموقراطية وطقوسها في حمى دستور ضائع، وبرلمانية مكررة، وانتخابات تصويتية.

إن الناظر الى لبنان من الخارج أو من الداخل لا يستطيع إلا أن يلاحظ أن شيئاً كبيراً قد حدث ولا سابق له في تاريخ لبنان السياسي، هذا الشيء هو تخلي الطبقة الحاكمة عن بعضها البعض أو مقاطعتها لبعضها البعض، وهو مقدمة لحدوث انفراط تحت وطأة الفضائح المالية أو كنتيجة لها…

إلا إذا عرفت مئات العائلات الحاكمة كيف تحول دون الانفراط الكبير، حفاظاً عليها وعلى وجودها أولاً، كأن يمهد من بقي من رجال الى ترتيب البيت بالمتوافر، مع أن الظروف العربية والاقليمية والدولية أصبحت بالغة التعقيد والخطورة، وليس أقلها الإجراءات المالية الأميركية المفروضة على العالم بأسره!.