13 November,2018

نقلة نوعية في تحديد ”بروفيل“ الأورام السرطانية  

بقلم وردية بطرس

1

الطب الشخصي هو نموذج طبي يعتمد على تخصيص الرعاية الصحية حيث يتم تفصيل القرارات والممارسات او المنتجات الطبية خصيصاً لتلائم المريض. وفي بادىء الأمر استعمل مصطلح الطب الشخصي في حقل الوراثة حيث لعب استعمال المعلومات الوراثية دوراً رئيسياً في جوانب من الطب الشخصي او شخصنة المرض. لاحقاً توسع المصطلح ليشمل جميع أشكال اجراءات الشخصنة. وعلى الرغم من ان الطب بحد ذاته يعتبر في الأصل <شخصياً> لكل مريض على حدة، الا ان الطب الشخصي يعبّر عن استخدام انواع من المقاربات والتكنولوجيا او الاكتشافات التي توفر مستوى جديداً من الشخصنة لم يكن ممكناً من قبل.

واليوم يعد الطب الشخصي من المواضيع التي تحظى بالاهتمام، وفيما يعلق البعض آمالاً واسعة على هذا النوع من الطب في علاج أمراض مستعصية مثل السرطان، يحذر البعض الآخر من التسرع في الحكم. ويعتمد الطب الشخصي على معرفة الطبيب أسباب المرض بدقة، فالتشخيص المناسب يساعد الأطباء على علاج المريض بشكل دقيق، فيما التشخيص الخاطىء يؤدي الى حدوث أخطاء في عملية العلاج. وباجراء اختبار آخر يتم تحليل جينات السرطان لدى المريض والمسماة بـ<الجينات المسرطنة>، وذلك للتعرف على خصائص الخلايا السرطانية، ما يساعد على مكافحتها بشكل أفضل. ان التغييرات الجينية المسببة للسرطان يمكن علاجها بواسطة عقاقير تؤثر بشكل خاص على أماكن معينة في الجزيئات.

ويعد العلاج المناعي من طرق العلاج الواعدة، ولكن يجب أيضاً في الوقت نفسه ان تتوافق طريقة العلاج هذه مع حالة كل مريض تماماً. ويقوم العلاج المناعي على دفاع الجسم عن نفسه ضد الخلايا المسرطنة، وبهذه الطريقة يمكن للأطباء استخدام جهاز المناعة للمريض من أجل انتاج لقاحات خاصة بأورام محددة، او بامكانهم استئصال خلايا جهاز المناعة ما يساعد على تحفيزه ليقوم بمهاجمة الورم والقضاء عليه. وبالتالي الطب الشخصي ضروري لعلاج السرطان، ورغم ذلك يحذر الأطباء من التسرع في الحكم على نتائج هذا النوع من الطب اذ لا يزال في مراحله الأولى.

أما بما يتعلق بالطب الدقيق او <Precision medicine> فلقد قام الباحثون منذ 12 عاماً بسلسلة الجينوم البشري لأول مرة (أي تسجيل الكود والشفرات الوراثية التي فيه) حيث أخذوا الخطوة الأولى تجاه الطب المتفرد وعلى نحو لم يكن من قبل، فقد حضر 20 الى 23 خبيراً في الوراثة من أنحاء العالم المؤتمر السنوي الرابع للطب المتفرد في مركز <مايو سيفيك> في <روشستر> في الولايات المتحدة الأميركية من أجل النقاش التشاركي حول مستقبل الطب الدقيق. ولقد أثبت الطب الدقيق الذي يعتمد على استهداف العلامات البيولوجية في أورام المريض أنه أكثر فعالية بكثير في تقليص الأورام وابطاء نمو السرطان، وذلك في أول تحليل على نطاق كبير لمثل هذا النوع من العلاج. ومنهج الطب الدقيق هو جزء من التحول عن علاج السرطان استناداً الى أعضاء معينة، وبدلاً من ذلك يركز منهج الطب الدقيق على الجينات المعيبة التي تحرك المرض، ويستغل هذه المعلومات لمعرفة أي أدوية او مزيج من الأدوية قد يكون الأفضل في مهاجمة أهداف بيولوجية محددة في الأورام.

 

الفحوصات الجينية لعلاج مرضى السرطان

 

وتحت عنوان <خرق علمي جديد في الفحوصات الجينية لعلاج مرضى السرطان: من الفحص الجيني على الخزعة الى تحديد <البروفيل> الجيني من خلال فحص دم> عُقدت ندوة علمية لأطباء الدم والأورام في لبنان كانت قد نظمتها <اي بي اس جينومكس>، وقد شارك وحاضر فيها البروفيسور فضلو خوري الاختصاصي في أمراض الدم ورئيس الجامعة الأميركية حيث تحدث عن النقلة النوعية الحاصلة في مجال علاج الأورام السرطانية قائلاً:

– في الماضي كنا نتبع بروتوكولات محددة لعلاج اي ورم سرطاني، اي كنا نتبع مقاربة مقاس واحد يناسب الجميع. وفي حال فشل العلاج كنا كأطباء نقف حائرين أمام خيارات محدودة للعلاج، ونحاول اختيار الأنسب منها لحالة المريض. ومع تطور علم الجينات والتقنيات المتاحة انتقلنا الى مرحلة الطب الشخصي في علاج الأورام <Personalized medicine> اي تحديد <بروفيل> الأورام السرطانية على المستوى الجزيئي لكل مريض على حدة. واليوم، اننا كأطباء أورام ندخل في حقبة الطب الدقيق او <Precision Medicine> حيث أصبحنا قادرين، وعن طريق اجراء فحص التغيرات الجينية على خزعة المريض او على عينة دم للمريض في حال عدم توافر الخزعة، على تحديد <بروفيل> الورم السرطاني لديه ورصد وتحليل التغييرات الجينية الحاصلة في الخلايا السرطانية بصورة دقيقة، مما يسهل علينا تحديد العلاج الأفضل له وبدقة عالية. وان المرضى الذين يعانون من بعض السرطانات النادرة مثل الجلد والدماغ والجهاز الهضمي، او سرطانات في مراحل متقدمة مثل الرئة والقولون والثدي، هم الأكثر استفادة من هذه الفحوصات.

وعن المعايير التي يجب مراعاتها عند اعتماد فحص <بروفيل> الأورام السرطانية يشرح:

– ان يكون اجراء هذا الفحص شاملاً وذا منفعة وجدوى وفقاً لحالة المريض. توافر شروط النوعية الجيدة والدقة في اجراء الفحص وتحليل النتائج لانه اذا كان الفحص غير دقيق فلا يمكننا الاعتماد عليه. توافر دراسات علمية سريرية تثبت فعالية هذا الفحص وجدواه الطبية بالنسبة لحالة المريض وذلك لتحديد العلاج المناسب له. لقد حان الوقت لجعل <الطب الشخصي> <طباً شخصياً ودقيقاً> وذلك عن طريق تحديد المريض المناسب لاجراء فحص <بروفيل> الأورام السرطانية وتحليل النتائج بكفاءة ودقة.

 

البروفيسور فضلو خوري وعلاج المرض بدقة

<الأفكار> التقت البروفيسور فضلو خوري وتحدثنا عن أهمية الفحوصات الجينية لعلاج مرضى السرطان، وعن الطب الشخصي والطب الدقيق وسألناه بداية:

ــ ما هي الفحوصات الجينية لعلاج مرضى السرطان؟

– الفحوصات الجينية هي ان ندرس علاج المريض بدقة وليس عبر شخصنة المرض لاننا نعرف انه أصبح لدينا وسائل كثيرة نقدمها لعلاج السرطان، وأن ندرس ليس كل الجينات بل الجين الذي يُطلب منا ان ندرسه وفقاً اذا كان هذا الجين قد تغير او لم يتغير. هناك دراسات تُجرى على كل الجينات، وهذه الدراسات تُجرى لمعرفة ما سنضيفه الى العلاج. أما لماذا أصبحت الفحوصات الجينية مهمة، فالجواب لأنه لدينا اليوم العلاج الكيماوي، والعلاج المناعي، والعلاج المهدّف، ومع كل هذه الوسائل أصبحت الأدوية مكلفة جداً ونفضل منذ البداية ان نقوم بتوجيه المريض عن سبب استعمال هذا الدواء.

2 

الطب الشخصي

 

ــ أشرت الى أهمية الطب الشخصي، فالى اي مدى يحدد ذلك النوع من الطب المرض؟

– لا يحدد كل شيء ونلجأ إليه في الغالب في حالات أمراض السرطان النادرة، وبالتالي ليس لدينا دراسات كثيرة تفيد بان هذا أفضل اسلوب علاج، ومع هذه السرطانات النادرة نحتاج القليل من التوجيه لاننا لا نقدر ان نقوم بدراسات عديدة. والسرطانات النادرة هي مثل <Sarcoma> (او ورم عضلي خبيث او ورم لحمي خبيث، وهو ورم خبيث ينمو من الأنسجة الضامة مثل العظام، والأنسجة الرخوة مثل العضلات، والأنسجة الضامة كالأوتار التي تربط العضلات بالعظام، والأنسجة الليفية والغضاريف، والأنسجة الزلالية المحيطة بالمفاصل اضافة الى الشحوم والأوعية الدموية والأنسجة العصبية)، اذ تقريباً هناك 50 نوعاً من <الساركوما> وهي أمراض العضل والأنسجة الناعمة، وهناك أنواع من سرطان الغدد وهو نادر أيضاً، وهناك انواع من سرطان الرئة القليل الحدوث، ولكن أيضاً هناك أنواع من السرطان التي نعرفها ونستعمل الأدوية لها وبالنهاية يفشل العلاج، عندئذٍ نحتاج لوسائل جديدة وبهذه الحالة نستعمل دراسات لتوجيه الأمور التي لا نفكر بها او علاجات لا نفكر بها.

ــ تعتبر انها نقلة نوعية في علاج الاورام السرطانية، فمنذ متى بدأ الحديث عن هذه الدراسات في لبنان؟

– في لبنان نتحدث عن هذه الأمور منذ بضع سنوات، وأيضاً في الجامعة الأميركية في بيروت منذ العام 2013 نتحدث عن هذه الدراسات التي تُجرى لنخفف من استعمال الأدوية التي لن تساعد المريض وربما تضره.

ــ ولماذا يُقال مؤخراً ان العلاج الكيماوي يسّرع بموت المصاب بالسرطان أكثر؟

– لا اعتقد ذلك، بالاجمال ان العلاج الكيماوي برهن بأكثرية الحالات انه اذا اسُتعمل حسب القواعد المفروضة فإنه يساعد باطالة حياة المريض ولا يسّرع بموته، ولكن في كثير من الأحيان يكون المريض قد تعب من الكيماوي ولا يمكن استعمال الأدوية الكيماوية كلها. وأحياناً الكيماوي لا يُستعمل في المرحلة الأولى من العلاج بل نلجأ الى الأدوية المهدفة والأدوية التي تقوّي المناعة لحين ان يستوجب اعطاء المريض العلاج الكيماوي.

ــ الى اي مدى اصبحت شخصنة المرض أمراً ضرورياً؟

– سنتحدث ليس عن شخصنة المرض بل عن شخصنة المرض بدقة، فكل مريض يختلف عن المريض الآخر، وكل مرض سرطاني يختلف عن الآخر، وعبر شخصنة المرض بطريقة دقيقة يتم اكتشاف المرض في الوقت المناسب واعطاء المريض أفضل علاج وتوجيهه.

 

الطب الدقيق

ــ وماذا عن الطب الدقيق؟

– اي اننا نستعمل بالاضافة الى تشخيص العوامل البيئية والعائلية التي تساهم لسوء الحظ بوجود هذا المرض، الدراسات الجينية بدقة لتوجيه العلاج بطريقة أدق بحيث تزيد نسبة النجاح وتنخفض نسبة الضرر على المريض.

مرضى السرطانات النادرة هم الأكثر استفادة

من الفحوصات الجينية

ــ ولماذا المصابون بالسرطانات النادرة هم الأكثر استفادة من الفحوصات الجينية؟

– لانه بما يتعلق بالسرطانات النادرة فليس هناك دراسات عديدة مقارنة مع الدراسات التي تُجرى بما يتعلق بسرطان الثدي او سرطان القولون او سرطان الرئة.

وهناك أنواع سرطانات مختلفة التي لم يعد لديها علاجات، فهناك النوع الأول اي العلاج الكيماوي واذا لم ينجح نجرب الدواء الثاني، ثم تصلين الى حد حيث لا يعود هناك علاج للمريض، وحتى التجربة العلاجية لا تساعده فعندئذٍ يتم اللجوء الى التجارب السريرية <Clinical Trial> (وهي دراسات تهتم بتقييم التدخلات العلاجية او الدوائية او الجراحية او الغذائية، وذلك عن طريق تقسيم المرضى او الأشخاص الذين ستُجرى عليهم التجربة الى مجموعتين بشكل عشوائي، حيث يطلق على المجموعة الأولى (مجموعة التجربة) والأخرى تكون <مجموعة المراقبة>)، وإذا لم تنجح بدورها  فعندئذٍ تكون الوسائل الجينية والدراسات الدقيقة ما يوفر لنا الأفكار كيف سنعالج السرطان.

ويتوقف عند نقطة وهي:

– يجب ان يدرك مرضى السرطان انه منذ 20 او 25 سنة لم يكن لدينا وسائل عديدة من العلاج والآن لدينا الكثير من وسائل العلاج، والفحوصات الجينية الدقيقة تساعدنا بأن نقرر بين دواء وآخر للمريض، ونقدر ان نقرر التراتبية بمعنى اي دواء يُعطى اولاً واي دواء يُعطى ثانية وثالثة ورابعاً، وكذلك نقدر ان نستخدم هذه الدراسات لنعرف من أين أتى المرض وكيف نعالجه، وهذه الأمور تساعدنا لنكمل صورة الفهم التي نحتاجها لنعالج المريض بطريقة دقيقة ليستفيد من العلاج اكثر ودون أن يلحق به الضرر.

ــ كاختصاصي في أمراض الدم وكرئيس للجامعة الأميركية، برأيك الى اي مدى اصبحت طرق العلاج في لبنان متطورة؟ والى اي مدى تساهم الجامعة في الأبحاث والدراسات بما يتعلق بمرض السرطان؟

– تساهم الجامعة بدراسات مهمة بما يتعلق مرض السرطان، ويجب التذكير هنا ان مستوى الطب في لبنان جيد وتتوافر للمرضى الأدوية الجديدة والوسائل الجديدة للعلاج على مستوى مماثل تقريباً لأوروبا.

وبالاجمال أرى زملائي في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت يعالجون بدقة، ولكن يجب التشديد انه اذا لم نحدد العلاج بطريقة علمية فسيتم افلاس المريض والدولة معاً وسيلحق الضرر بالمريض في الوقت نفسه، وبالتالي علينا ان نعمل بدقة، وأعتقد ان هناك أطباء في لبنان جيدين بالاجمال ويعملون ضمن المستوى المطلوب، وكذلك اعتقد ان وزارة الصحة تقوم بعمل جيد اذ اجتمعنا مع وزير الصحة غسان حاصباني ومدير عام الوزارة الدكتور وليد عمار وهما مهتمان بالطب الدقيق، واعتقد ان هذا الأمر جيد للبلد لنقدم أفضل وأدق علاج للمرضى، وثانياً لكي لا نرمي بالأدوية والمال ولكي لا يلحق الضرر بالمرضى.