19 September,2018

نـهــــاد سُعيــــد وشـهــــر أيــــار/ مـايـــــو

بقلم سعيد غريب

SAM_5208<ليست المرأة فقط من يدخل الى المجلس النيابي باللباس الأسود، الرجل ايضاً يدخل بربطة عنق سوداء>.. عبارة حُفرت في ذاكرتي للسيدة نهاد جرمانوس سُعيد قالتها لي في العام 1998رداً على سؤال، وكانت حينئذ نائبة عن بلاد جبيل.

<ست الستات> كما يجمعون على تسميتها، رحلت في الشهر عينه والعمر عينه، للعميد ريمون إده قبل ستة عشر عاماً.

رحيل نهاد سيترك ولا شك حافزاً لدى السيدات المناضلات والمثقفات، وجسراً لعبورهن نحو مجالس محلية أو نيابية متوازنة ومتكافئة ونشيطة…

رحل ريمون إده في العاشر من أيار/ مايو 2000 ورحلت نهاد سُعيد في الثاني من الشهر عينه عام 2016، رحلت في شهر الورود والأشواك، الورود في الطبيعة والأشواك في السياسة. ولو قُدّر لهما أن يجتمعا في هذه الأيام، لكانا أسسا حلفاً مختلفاً عن <الحلف الثلاثي> يجمعهما على مئة قصة وقصة، لأن ما فرّق العائلتين قبل نصف قرن، انتفى ليحلّ محله كابوس المشهد السياسي غير المسبوق في تاريخ الوحول اللبنانية.

وليس غريباً إذا سمعنا العميد يردّد من فوق أو بواسطة ملائكته: <رحم الله فؤاد شهاب والنهج الشهابي>، وربما ترحّم أيضاً على الشعبة الثانية أو ما كان يُعرف بـ<المكتب الثاني>..

أرملة في الثالثــــة والثلاثين من عمرهـــــا، ستــــة أولاد على ذراعيها انكبّوا على تحصيل العلم، فالحمل ثقيل والإرث كبير والغائب طبيب والباقي سمعة طيّبة ومستشفى..

وإذا قُدّر للمستشفى الذي بنته والدكتور أنطون سويا، أن يتوقف عن العمل بفعل المكان والحرب، فإن المؤسسات الدستورية بالنسبة للست نهاد وعائلتها وفي مقدمها الدكتور فارس الشفاف، وكل الذين يشاركونها أفكارها، لم تقم لتوفير الحريات العامة وضمانها وصيانتها فحسب، ولكن أيضاً لكي توفّر بين الطوئف توازناً فعلياً وواقعياً يضمن للجميع عيشاً مشتركاً هادئاً وواعداً..

وعندما ترشح الدكتور أنطون سُعيد في العام 1964 للانتخابات النيابية، مزاحماً ومنافساً زعيماً كبيراً يتمتع بشعبية كبيرة لافتة، هو العميد ريمون إده، كانت نهاد جرمانوس سُعيد وراء الفوز الذي حصل عليه زوجها، طبعاً الى دعم الشهابيين و<المكتب الثاني> له.

إن تجربة الست نهاد البرلمانية يتيمة كتجربة السيدة ميرنا البستاني، إنها تجارب المرأة اللبنانية في الشأن العام، فهي إما خجولة وإما يتيمة وإما مُطفأة.

قد تكون الأسباب كثيرة، ولكن الاكيد حتى الساعة، أن خوض غمار العمل النيابي أو البلدي من قبل المرأة اللبنانية بقي محدوداً وغير فاعل، أولاً لأن السياسة اللبنانية كما أسس لها رجال السياسة اللبنانيون، لم تكن يوماً نظيفة، وثانياً لأن المرأة لا تقوى على الرجل، وثالثاً لأن الرجل يخاف منها وليس عليها، ورابعاً لأن مانعة وصول المرأة هي امرأة أخرى، وخامساً لأنها لا تريد أن تقف أمامه بل الى جانبه، والنتيجة نسبة مرتفعة من الرجال لا الرجالات، ونسبة منخفضة من أخوات الرجال، ومجالس رفضها الجنسان معاً.

لقد كانت إحدى المشاكل الأساسية في الأزمات اللبنانية المتعاقبة، ولا تزال، أن الكثيرين من اللبنانيين حاولوا إظهار كونهم في مستوى هذه الأزمات، بينما لم يثبت غير القليل القليل، أنه في مستوى السلام.

من هنا، فإن إنصاف المرأة وتذليل كل المعوّقات التي تحول دون عطائها وجعلها مواطناً كامل المواطنية دون تمييز بينها وبين الرجل، هو أمر في غاية الأهمية لتمكينها من وضع كل طاقاتها في خدمة المجتمع.

إن المجالس البلدية تحتاج الى الجنسين معاً، والمجلس النيابي لن يلتئم إلا بالمنافسة الراقية بين الجنسين، والحكومة لن تجتمع بصورة طبيعية وتتخذ القرارات الصائبة من دون مشاركة المرأة البعيدة عموماً وحتى إشعار آخر عن عالم الرشوة والفساد المالي، المرأة المثقفة والمطلعة على السياسة المحلية والدولية بكل تفاصيلها، المدمنة على قراءة الصحف المحلية والأجنبية، والمتابعة لمجريات الأحداث والتاريخ، المرأة التي تدخل الى الحلبة بقوة عقلها لا بقوة زوجها، وما ينطبق عليها سينطبق حتماً على الرجل الذي سوف يأتي الى الساحة من دون ربطة عنق سوداء، أو من دون إرث ثقيل…

نعيش اليوم شهر أيار/ مايو جديداً، إنه شهر مريم والورود والينابيع والهواء النقي، ولا نريد أن نتذكره على أنه شهر الأحداث المتعاقبة والتركيبات المفككة والاتفاقات الفاشلة والانتخابات الشعبوية.

لا  نريد أن نتذكر أشواكه من العام 1958 حين اندلعت الثورة، حتى العام 2014 تاريخ بداية الشغور الرئاسي والفراغ في المؤسسات.

أيار/ مايو السياسي يحتاج الى نقلة نوعية تنسينا أوجاعه، أيار/ مايو يدعونا الى المناصفة، ليس على المستوى الطائفي، بل على مستوى المساواة والعدل بين الجنسين.