23 September,2018

نــقــــــف أمــــــــام الـمـفــتـــــــــرق

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

في بلد يبقى رجال الأزمات هم أبطال الحلول، ورجال الماضي هم أمل المستقبل، ليس ببلد يمكن أن يدّعي أن نظامه ديمقراطي وأن شعبه يختار وينتخب.

لقد بقيت الديمقراطية عنواناً مزيفاً في لبنان على مدى عقود كاملة لأنها بقيت طوال هذه الفترة فاقدة أهم مقوماتها في غياب عنصر المحاسبة في حدها الأدنى، ولم تشكل في يوم من الأيام صمام أمان لشعب لم يتعلم شيئاً من تجاربه المرة والقاسية على مدى سنين طويلة ولا يزال.

إن شعباً يحكمه بضعة أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة وتأتمر السلطتان التشريعية والتنفيذية بهم في كل شاردة وواردة، لا يمكن أن يتباهى بأنه يعيش تجربة ديمقراطية متميزة يحتكم إليها في الشدائد.

وإذا سلمنا بأن المؤامرات والتدخلات الخارجية كانت السبب الرئيسي في تدمير أوصال لبنان على مدى خمس عشرة سنة والمنطق بدوره يسلم بذلك، فإن التجربة الديمقراطية السليمة، لو مورست قبل الوقوع في فخ المؤامرات، لحالت دون وقوعها ولما سمحت بعبورها.

هذا على الصعيد الوطني، أما على المستوى المسيحي – طالما أن المشكلة الأساسية اليوم تتمحور حول الوجود المسيحي والدور المسيحي وضرورة تفعيل الميثاقية – فيمكن القول وبراحة تامة إن المسيحيين ولاسيما الموارنة خسروا الجمهورية الأولى وكامل امتيازاتها بسبب الحربين الأخيرتين المدمرتين ويمكن أن يترحموا اليوم على الجمهورية الثانية في حال لم يتوصل قادتهم إلى اتفاق في ما بينهم على قانون نقيّ للانتخابات يضع مصلحة اللبنانيين عموماً والمسيحيين بصفة خاصة فوق كل اعتبار شخصي ومصلحي.

ويبقى سؤال: إذا كان التطور والتغيير من سنّة الحياة، فهل قدرنا أن نمر في مثل ذلك النفق كلما سلكنا طريق التغيير، أو أن ندفع مثل ذلك الثمن مجدداً إذا كنا نتطلع إلى الخروج من الجمهورية الثانية إلى الجمهورية الثالثة؟

لقد أدمن اللبنانيون منذ ما قبل انفجار الأزمة الكبرى في العام 1975، على الاختلاف في ما بينهم، فكادوا كلما طُرحت قضية أمامهم يختلفون حولها، وما كان حظ <اتفاق الطائف> بأفضل، حتى ليمكن القول إن اللبنانيين اختلفوا حتى على الاتفاق.

الكل يقرّ ويعترف وفي الوقت عينه لا قدرة لأحد على التغيير، معظم الناس يقر ويعترف بأن ساسة لبنان، بل بعضهم، يجرون اللبنانيين بخلافاتهم إلى الانتحار الوطني، ويعيشون ويبنون أمجادهم المزيفة على الخلافات، وهم يختلفون على المنطلق كما يختلفون على الغاية، ويختلفون على السبل والوسائل لبلوغ الغاية، وفي الوقت عينه يسير الناس وراء هؤلاء الساسة إما بداعي الخوف أو بداعي الحاجة.

وهؤلاء الساسة يشرذمون المجتمع ويفتتونه ويبعثرون صفوفه في مواجهة المصير الوطني عند أي مفصل تاريخي من حياة هذا الشعب وهذا الوطن.

إن لبنان يقف اليوم أمام المفترق، بين أن يكون أو لا يكون، بين أن يبقى موحداً أو يزول، بين أن يبقى موطن الحرية والديمقراطية والانفتاح أو يفقد مبرر وجوده.

وفي ظل نظام طائفي مبني على التمييز والتفرقة، أضحى الوطن اللبناني يبدو بمثابة كعكة تسعى كل طائفة إلى اقتطاع حصتها فيها.

وفي الوقت نفسه يلاحظ أن ثمة تياراً متعاظماً بين الناس، خصوصاً في صفوف الشباب المثقفين، لا يرى رداً على مشكلة الطائفية خيراً من العمل على إزالة كل مظاهرها ومعالمها من الحياة العامة في لبنان، ويرون أن الطائفية في الحياة العامة لا تعالج إلا بعلمنة الحياة العامة، أي بإلغاء الطائفية في النظام السياسي وفي الوظيفة. وإذا كان ذلك غير ميسور التحقيق اليوم، بسبب التشنجات ورفع السقوف عالياً، فلا أقلّ من اتخاذه هدفاً حيوياً يستوجب تعبئة كل الإمكانات لتحقيقه تدريجاً.

لقد كانت المسألة اللبنانية ولا تزال، مسألة من يقرر أن يكون لبنان صاحب دور أو مجرد حجر على رقعة أصحاب الأدوار. من يقرر، ومتى يقرر، وهو قرار صعب، يكاد أن يكون مستحيلاً بعد التطورات، إلا أن الأصعب من المستحيل هو الاستسلام الصعب كأنه المستحيل… وحدها انتفاضة الشعب يمكنها أن تقرر الدور وترسم صورة واضحة للمستقبل.