14 December,2018

نــــــواب لـبــــنـان يـعـلـنـــــــون الـحــــــرب عـلـــــى الـفـســـــاد وســــامـي الـجـمـيـــــــل يـعـــــرض الأرقــــــــام!

 

بقلم وليد عوض

1--A

مجلس نواب برداء مختلف عن سابق عهده. كل الذين تكلموا في جلسات مناقشة الموازنة، انتصروا للفئات الشعبية البائسة، والعائلات التي يعصرها الجوع ويحرمها من العشاء، وأعلنوا الحرب على الفساد المتفشي في دوائر القطاع العام. واضح أن هذا التوجه أتى قبل الشهر المقرر للانتخابات النيابية سواء أجريت أم خضعت للتأجيل. والشعار هو: <أنا معكم فانتخبوني>. ولم يتأخر نائب جنوبي عن فضح طرق التعامل مع مؤسسة كهرباء لبنان التي كانت جائزة فشلها مليار دولار من خزينة الدولة، وهذا أكبر مثل للفساد.

ويدخل مجلس النواب اللبناني في عملية اختبار مع الإدارة الأميركية الجديدة واستكشاف نيات الرئيس <دونالد ترامب> حيال قضايا الشرق الأوسط. فهل هو <جيمي كارتر> مهندس اتفاق <كامب دايفيد>؟ أم هو <بيل كلينتون> الكامن وراء اتفاق <أوسلو> سنة 1991؟ أم هو <باراك أوباما> الذي وعد بقيام الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية من جامعة القاهرة في حزيران/ يوليو 2010 بحيث يطلق الوعود ولا يلبث أن يتجاهلها؟

عند الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المعلومات الكافية لرصد توجه الرئيس <ترامب> حيال قضية فلسطين وجدية دعوته الى دولتين اسرائيلية وفلسطينية. كذلك عند العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني التصور المطلوب لسياسة الرئيس <ترامب> في الشرق الأوسط حيال الدولتين الاسرائيلية والفلسطينية، ولكن لا يمكن البت في النيات الأميركية مع عهد <دونالد ترامب> إلا بعدما تنتهي زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للبيت الأبيض هذا الشهر، ويتاح له أن يضبط بوصلة البيت الأبيض حيال القضية الفلسطينية. وقد اعتمد الرئيس <دونالد ترامب> على أفكار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في التعاطي مع الملف الفلسطيني.

فالزعيمان العربيان شرحا للرئيس <ترامب> بأن الطريق الى حل القضية الفلسطينية ينطلق من سبيلين: الأول وحدة أهالي فلسطين فلا تكون القضية حائرة بين حركة <فتح> في رام الله، وحركة <حماس> في قطاع غزة. والسبيل الثاني هو استجماع كل الظروف من أجل الوصول الى حل الدولتين، لأن لا سبيل الى القضية الفلسطينية بحل آخر. ومن حق الرئيس <ترامب> أن يستمع الى مستشاريه في البيت الأبيض قبل أن يدلي بأي رأي في قضية فلسطين بعد استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

فماذا سيكون رأي المستشارين؟

سيكون من رأي المستشارين أن يراعي الرئيس <ترامب> وجود العربي والإسرائيلي في الولايات المتحدة، وأن يخفف من غلواء عقدته تجاه المسلمين بعدما حرم أهالي سبع دول اسلامية من دخول أراضي الولايات المتحدة، خصوصاً إذا كان الرئيس <ترامب> مثل سلفه <أوباما> وسلفه الآخر <جورج بوش الابن>، في نيته تجديد رئاسته للبيت الأبيض عام 2020. ولكن مستشارين عرباً مثل الدكتور أدمون غريب، خبير الشؤون الشرق أوسطية في الكونغرس الأميركي يقول: جاءت صداقة العرب بدءاً من الملك السعودي المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. وكانت هي نقطة التحول في السياسة الأميركية لا بفعل الثروة النفطية فقط، بل بفعل الاستراتيجية السياسية وقدرة المملكة العربية السعودية على أن تكون صاحبة القرار في المنطقة الى جانب الرئيس جمال عبد الناصر.

 

بين <روزفلت> و<تشرشل>

 

ولا تزال آثار اجتماع الملك عبد العزيز آل سعود مع الرئيس الأميركي <فرانكلين روزفلت> في قناة السويس ثم برئيس وزراء بريطانيا الأشهر <ونستون تشرشل> ركيزة السياسة الأميركية في المنطقة هي البوصلة. وإذا كانت السعودية قد أضاعت البوصلة المطلوبة في حرب اليمن زمن مطلع الستينات، فقد كان موقف الملك فيصل بن عبد العزيز طيب الله ثراه، من حرب العبور المصرية عام 1973، أفضل شفاعة للعرب في المنطقة.

والمهم الآن أين ستقف السياسة الأميركية مع الرئيس <دونالد ترامب>؟ لا يستطيع <ترامب> الامبراطور الاقتصادي أن ينسى مصالح شركاته في الشرق الأوسط بدءاً من إمارة دبي ومدن دولة الإمارات، أي أن الطابع الاقتصادي الذي تحكم بسياسة <جيمي كارتر> و<بيل كلينتون> وحتى <جورج بوش> الابن كان الغالب في سياستهم الخارجية الأميركية، ولا يستطيع المراقب أن ينسى كيف هدد <بوش> الابن رئيس وزراء اسرائيل <اسحاق شامير> بقطع المساعدات المالية عن اسرائيل إذا امتنع <شامير> عن حضور مؤتمر السلام في مدريد عام 1991.

مختصر القول إن موقف الرئيس <ترامب> من العرب متوقف على موقفه من القضية الفلسطينية. ففي هذا الشهر تجتمع اللجنة المركزية لحركة <فتح> لاختيار بديل للرئيس الفلسطيني محمود عباس، أو تجديد ولايته الرئاسية بعد المصالحة الوطنية المطلوبة مع حركة <حماس> وتوحيد الموقف الفلسطيني من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي يبشر بنظام الدولتين. وقولوا لي ماذا يستجلي الرئيس <ترامب> في اجتماعه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس أقل لكم أين اصبحت خارطة الطريق التي رسمها رئيس وزراء بريطانيا السابق <دايفيد كاميرون> كوسيط في أزمة الشرق الأوسط.

لقد عاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى القاهرة بعد القمة التي عقدها في البيت الأبيض مع الرئيس <ترامب>، كما عاد الملك عبد الله الثاني من اجتماع البيت الأبيض الى عمان، وهما على قناعة بأن الرئيس <ترامب> حالة جديدة في التعاطي مع أزمة الشرق الأوسط. وما اللهجة المدروسة التي صيغ بها بيان القمة العربية عند ساحل البحر الميت في الأردن، إلا بمثابة منح الفرص المطلوبة للرئيس الأميركي <دونالد ترامب> في تشخيص موقفه من القضية الفلسطينية.

ولا ينفصل مجلس النواب اللبناني في جلسات إقرار الموازنة عن الجو السياسي العام في العالم. سرب من النواب تحدث عن الفساد والصفقات المريبة بين القطاع العام والقطاع الخاص، ولا يخرج النائب بطرس حرب عن هذا السرب ويعترف في جلسة الجمعة الماضي داخل مجلس النواب بوجود صفقات مريبة حصلت بين الدولة والقطاع الخاص. إلا أن الأرقام التي أذاعها في الجلسة نفسها رئيس حزب الكتائب سامي الجميل تدعو الى تحريك القضاء العام لملاحقة هذه الاتهامات، خصوصاً وأنها تأتي على لسان ممثل للشعب، وصاحب حصانة برلمانية.

     ماذا قال سامي الجميل؟

لقد عرض لواقع الشركة التي لزمت بواخر الكهرباء التركية والمحكوم عليها بالرشوة في محاكم باكستان وتتعامل مع باكستان وغانا بفوارق مالية مذهلة في باب ملايين الدولارات، وقد سبق للقنصل اللبناني في تركيا هاني شميطلي أن نبه حكومة لبنان الى مخاطر هذه الشركة، كما ذكر أنها تعاملت مع غانا بمليار و97 مليون دولار على خمس سنوات، ومع باكستان بمليار و402 مليون دولار على مدى خمس سنوات، أما مع لبنان فهي تقدم عرضاً بمليار و886 مليون دولار  على مدى خمس سنوات. فمن ذا الذي يستفيد من هذا الفارق بيننا وبين غانا البالغ 800 مليون دولار؟

2---B 

الكلمة للتفتيش المركزي

ولم يكتف سامي الجميل بهذه الأرقام بل أخرج من حقيبته صورتين كبيرتين بالألوان لمطمر المتن الشمالي، وقال لرئيس مجلس النواب نبيه بري: هل حقق التفتيش المركزي في أمر هذا المطمر الذي لم يقم بالخدمات حتى الآن؟!

ومهما كانت دوافع النواب في شن حملة على الفساد والصفقات المشبوهة، خصوصاً والانتخابات النيابية الجديدة على الأبواب، فإن الفساد المستشري في مرافق الدولة يوجب فتح التحقيقات الحاسمة بالصفقات حتى يعلم المواطن اللبناني المكلف بدفع الضرائب اين يذهب الهدر وأين ينتشر الفساد!

والحكومـــــة السوريــــــــة رغــــــــم تورطهـــــــا في مذبحة <خان شيخــــــون> وانكشافها أمام الرأي العام العالمي في فضيحة القنابل الكيميائية، تريد أن تنضم ايضاً الى الحملة على الأموال التي تذهب هدراً في التعيينات، فتعلن أن حزب البعث العربي الحاكم في سوريا قد رفع الغطاء عن ممثله في لبنان النائب عاصم قانصوه، بسبب تقدمه في السن وعدم قدرته على تقديم الخدمات البرلمانية، وتــــترك لحزب الله حليف النائب قانصوه أن يختار البديل!

وبغض النظر عن الدوافع التي أملت على حزب البعث السوري سحب الغطاء عن النائب قانصوه، وتداخل المصالح الخاصة بالمصالح العامة، فإن جو مكافحة الفساد هو الطاغي على المعركة الانتخابية التي تنطلق في لبنان مع أواخر هذا الشهر. وإذا صدقت النيات، وصح العزم من رؤساء  اللوائح، فإن أربعين نائباً على الاقل من مجموع النواب المئة والثمانية وعشرين لن يكتب لهم الفوز، خصوصاً إذا طغى مبدأ الانتخابات النسبية ولم تكن هناك لوائح احتكارية. وحين تشتعل المعركة ضد الفساد فإن عهد الرئيس ميشال عون كله يصبح قيد التداول وتسلط الأضواء على قصر بعبدا لاختبار نيات الرئيس عون. فقد أعلن أنه لن يوقع على أي مرسوم بالرجوع الى قانون انتخابات عام 1960، أو التمديد لمجلس النواب، أي ان الرجل وضع نفسه أمام عشرات النواب الذين يقيمون حساباتهم للانتخابات المقبلة على أساس هذا القانون. وبصريح العبارة يمكن اعتبار إعراض الرئيس عون عن التوقيع على هذه المراسيم بمثابة الدعوة الى استفتاء شعبي حول حضوره السياسي، فإذا لاقى تصرف رئيس الجمهورية ضد التوقيع الهوى المطلوب عند الناس، خصوصاً وأن سواد الناس يتألمون معيشياً، فمعنى ذلك أن الرجل لجأ الى استفتاء شعبي حول سياسته الرئاسية وأن هذا الاستفتاء سيلغي أية دعوة الى انتخابات لا تجري بقانون جديد.

وقد لمس أركان القمة العربية على ساحل البحر الميت في الأردن جدية الرئيس ميشال عون في الحرب على الفساد، وبهذه الروح ينتقل رئيس الجمهورية اللبنانية الى رحلاته الخارجية بدءاً من عواصم الاتحاد العربي الخليجي، بعقلية لبنان جديد يحسن الاتكال على نفسه، وعلى بعده العربي وينتظر بالمقابل أن يتدفق عليه السياح العرب في الصيف المقبل، بدءاً من شهر حزيران /يونيو.

ومن واجب الدول العربية الممعنة في الثروة، رغم تراجع سعر برميل النفط الى 57 دولار، أن تعتبر الاصطياف والسياحة في لبنان أهم من أي بلد آخر، وان تدفق الأموال العربية على لبنان، خصوصاً اذا رأت جمعية مصارف لبنان بالاتفاق مع حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة رفعاً لنسبة الفائدة على الودائع، يجعل المواطن اللبناني يشعر بأنه بات في حضن العرب، وأنه أول من يتنعم بالمال العربي، وهكذا سينجلي مردود القمة العربية في الأردن، مع التذكير بالمبادرة العربية التي أطلقها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز من بيروت عام 2002 فيكون مردودها في العاصمة اللبنانية أول … الغيث!

وقد استقر الأمر عند المشروع المعجل المكرر الذي تقدم به نائب زحلة المحامي نقولا فتوش، وقضى بتجديد عمر البرلمان حتى أيلول/ سبتمبر 2018. وأمس الخميس كان على البرلمان التصويت على مشروع نقولا فتوش . ويمكن لهذا المشروع أن يحصل على أصوات مئة نائب وأكثر. وبذلك تتجاوز الحكومة المأزق الدستوري الناشئ عن عدم وجود قانون انتخاب جديد. وبعد سنة يخلق الله ما لا تعلمون.

واستذكر المخضرمون في هذه المناسبة قصيدة شاعر الشعب عمر الزعني التي مطلعها <جددلو خليه يشبع> والهاء عائدة الى الرئيس الشيخ بشارة الخوري وكلفت القصيدة صاحبها الانتقال وراء قضبان سجن الرمل في طريق الجديدة.

وهكذا يعود الماضي ليحكم الحاضر ولكن بأسباب تخفيفية!

بحـــــر ميــــت في الأردن وبحــــــر سيـــــاسي عــــــربي صاخب في لبنان… هكذا هو امتحان الصيف المقبل في بلاد الأرز!

وعلى القانون الجديد للانتخابات او على اللاقانون يتوقف المسار… السياسي!