25 September,2018

نـعــــــم، هـنـــــاك بـدائـــــــل

 

بقلم: سعيد غريّب

SAM_5208

<الموارنة يهاجرون ولم يبقَ منهم سوى أربعة يتنافسون على كرسي الرئاسة اللبنانية>.

عبارة بالغة الدقة للزميل أنطوني جعجع كتبها على صفحته على <الفايسبوك> هي خلاصة ما وصلت إليه المارونية السياسية، وخلاصة ما بلغته المعارك الطاحنة السياسية وغير السياسية بين أقطابها على مدى أكثر من ربع قرن.

أما وقد تعطّلت أو جُمّدت أو أُرجئت المبادرة التي أطلقها الرئيس سعد الحريري ولم يُفك لغزها بعد، بترشيح النائب سليمان فرنجية للموقع الأول في الجمهورية المريضة، فإن الناس المنهوكة القوى بدأت تبحث في السرّ والعلانية عن شخصية مارونية خامسة لعلّ الخلاص يأتي من خلالها. ولا تجدها كمن يبحث عن إبرة في كومة من القش.

بدأت تبحث عن شخصية تحترم الدستور والقوانين، ولعلّ كلمة <احترام> هي أبلغ ما في الدستور اللبناني على صعيد الحضارة الديموقراطية ومكتسبات الإنسان عبر الأجيال، ولا تستطيع أن تجد هذه الشخصية المستقيلة بفعل الواقع الأليم أو المهاجرة بسبب قرفها، أو المتوفاة نتيجة قهرها، أو المتفرّجة وفي قلبها شيء من <حتى>..

الناس تبحث عن رئيس لن يكون في نهاية ولايته شيئاً من نهايته هو، تريد رئيساً مدعواً الى التضحية وإنكار الذات وتجاوز الماضي.

هل من بديل؟ هل من شخصيات توافقية صالحة للموقع الأول في لبنان بعدما انكسر توافق بكركي على واحد من الأربعة <الأقوياء> في حال رست عليه؟ وأصبحوا كأنهم في حلّ من الاتفاق الشهير؟ وليست العبارات النارية على مواقع التواصل الاجتماعي إلاّ خير شاهد على واقع الانقسام الرباعي وتشتّت ما كان يُعرف بفريقي 8 و14 آذار؟

نعم، يوجد بديل، والأسماء موجودة ومستعدّة، ولا تنتظر شيئاً، ولا ترى سوى أحلام في اليقظة وفي المنام، أحلام أن يكون للبنان حكم قوي وليس حكومة قوية، حكم صالح نظيف بعيد النظر وواسع الأفق.

كمواطن، اتذكر بدائل رحلت كالعميد ريمون إده الذي لم يحالفه إلا حظ نجاته من الاغتيال، وأذكر بدائل حية ترزق كالأستاذ ميشال إده الذي أعلن أمام الرئيس الياس سركيس في العام 1981 في حضور الآباتي بولس نعمان والشيخ بشير الجميل، كما للعميد ريمون إده انه مرشح لرئاسة الجمهورية وكان حاضراً لارتقاء الموقع من دون إعلان في العام 1988.

طارت الرئاسة في ذلك العام وطارت صلاحياتها بعد عام. وبقي ميشال إده هو هو رغم ثقل السنين، إنساناً ملأت المارونية قلبه، واللبنانية حياته، والعلوم الإنسانية عائلته، والحقوق مساره، والثقافة مَعْلمه ووحدة لبنان مبدأه.

إن لبنان الوطن والرسالة يستحق معاملة أفضل بكثير من تلك التي يتمّ التعاطي معه في هذه الأيام.

إن لبنان الوطن والرسالة يستحق رئيساً يكون مرجع الجميع، لا موضع شكّ ولا موضوع تشكيك.

إن لبنان الوطن والرسالة يستحق نفضة كبيرة تعيده الى قيمه وقيمته وقوّته الفكرية وتخلّصه من ثقافة التجارة التي ضربت النخاع، من ثقافة الاستهلاك والمطعم والحليب المجفّف والفاكهة الاستوائية و<الواتس آب> و<السيكار> والإعلام المريض.

إن لبنان الوطن والرسالة يستحق ثقافة التواضع والمحبة والحب بين الجنسين.

يستحق درجاً نظيفاً يبدأ شطفه من فوق فتزيل مياهه الوسخة فساداً نخر في مجتمعنا نخراً، فساداً أعطى أصحابه من سياسيين وإعلاميين حق نصح الناس وأن يحاضروا في العفة وحسن الاخلاق!

إن لبنان الوطن والرسالة في حاجة الى حكم يسبق الناس في مباشرة الحكم، الى حكم لا يطالبه الناس بالحكم يومياً.

نعم، إن الناس في حاجة الى تطبيق كلمة <كفى> ولا يكون الحكم هو مشكلتها الأولى.

والناس بعد اربعين سنة، كفروا بكل شيء، تغيّرت حياتهم، أصبحوا في مكان آخر. كثُرت همومهم. لا يتلقون من السياسيين ولا من الإعلام ما يخفف من آلامهم وأوجاعهم، يتسمّرون أمام الشاشات لمشاهدة استعراضات ليست من كتابهم ولا من تراثهم، ولسماع لغة ليست لغتهم، ومتابعة إعلانات كالمطرقة على الرأس: <اتصل لتربح>،<ما عليك سوى الاتصال على هذا الرقم ليفوز المتسابق أو المتسابقة>، <في أقل من خمس دقائق تحصل على قرض مقابل رهن>، يا رب نجنا من الأعظم.

إن الشعب اللبناني بعد أربعين سنة يكافح في عالم سريع التهاوي والزوال، زمن الحكمة فيه صارت في زمن آخر، وقضيته لم تعد تحتمل التأجيل أمام ضغوط الكوارث والنكبات الطارئة في كل مكان.

إن الشعب اللبناني بعد أربعين سنة مشتاق وتوّاق الى دولة وجيش دولة ودرك دولة وموظفي دولة، لا الى فاشلين يستمدون وجودهم وقوتهم من طوائفهم.

وإلا سنبقى كمية هائلة من الضحايا ومجموعة كبيرة من المرتكبين وجيشاً من الموظفين الخاسرين والمواطنين الساعين الى الفساد.

لقد نخرنا الفساد نخراً، وكذلك حب الظهور والوجاهة والسلطة.

فلتسقط أعجوبة من السماء، وليأتِ مخلص وسموّه ما شئتم أو أطلقوا عليه الصفة التي تشاؤون! <آدمي قبضاي>، <دكتاتور عادل>، <رئيس عظيم>… إلخ.

الأمثلة موجودة… في دبي موجودة وفي غير مكان ايضاً…